وجهتا نظر (القسم 3): أشكال من الرفض

يتمحور نوءا سيمبليست في القسم الثالث، والأخير، من مقاله حول شكل استخدام أكرم زعتري العلاقات التبادلية الحوارية كإستراتيجية فنية. محادثات زعتري مع حجاي تمير تختلف عن تلك التي أجراها مع آفي مغربي، سواء أمن ناحية الديناميكية أو من ناحية النتائج، ولكن تلوح من كلا نوعي المحادثات درجات مختلفة من الانخراط الشخصي، وكذلك درجات مختلفة من العداء والرفض.

Advertisement

زوروا متجرنا الفوري دعمًا لتوهو بواسطة اقتناء طباعات فنيّة متوفّرة بإصدار محدود

 تابع للقسم الثاني

 

1_Stills from Avi Mograbi’s second mission, The Other Side of Shebaa Farms, 9 minutes, 2008.jpg

من فيديو المهمة الثانية لآفي مغربي، الجانب الآخر من مزارع شبعا، 9 دقائق، 2008
من فيديو المهمة الثانية لآفي مغربي، الجانب الآخر من مزارع شبعا، 9 دقائق، 2008

 

في ختام المحادثة بين أكرم زعتري وبين آفي مغربي، في "محادثة مع سينمائي إسرائيلي خيالي"، يحكي زعتري عن مهمة إضافية وضعها أمام مغربي. استمرارًا لفيلمه "الشريط بخير" (All is Well on the Border, 1997), أراد زعتري العودة الى منطقة الشريط الحدودي التي يحظَر عليه الوصول اليها، مزارع شبعا. هذا الموقع، الذي تلتقي فيه حدود سوريا ولبنان شمال هضبة الجولان، احتلته اسرائيل عام 1967، وظل منطقة متصارَع عليها، أيضًا بعد الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000  1. طلب زعتري من مغربي تصوير مقابلات مع مسنين محليين وأعطاه قائمة بأماكن محددة يتوجب عليه العثور عليها. وقد أنتج مغربي، ردًا على الطلب، فيلمًا قصيرًا اسمه الجانب الآخر من مزارع شبعا (2008)، وهو عمليًا عبارة عن وصف لعمل فاشل. هذا الفيلم، الذي ضم الكتاب عن المحادثة السيناريو الخاص به، يظهر فيه مغربي وهو يتجول بسيارته بحثًا عن المواقع التي حددها زعتري دون ان ينجح بالوصول الى أيّ منها. بدلا منها يصطدم بحقول ألغام وأسلاك مكهربة. 

يقول زعتري إنه في تسعينيات القرن الماضي، حاول مواطنون اسرائيليون بلا كلل إقامة تعاون مع فنانين ومثقفين من العالم العربي، وجاء هذا، بين أمور أخرى، كمحاولة لتجنيد جواسيس. يقرّ زعتري ومغربي بذلك، بلهجة فكاهية، بواسطة تبادل الأدوار حيث يتم إرسال مغربي للقيام بمهمات مختلفة على خط الشريط الحدودي. الصور في  الجانب الآخر من مزارع شبعا، التي تختتم المحادثة بين مغربي وزعتري، هي لشريط حدودي عسكري ومسيّج يفصل بين الدولتين اللتين يمثلهما المتحاوران. اختيار إنهاء المحادثة بهذه النقطة بالذات، يدل على أن الفنانين يسعيان لتجسيد الهوة العميقة التي تفصلهما وتذكير بعضهما البعض بها، على الرغم من محاولات التواصل.

 

Stills from Avi Mograbi’s second mission, The Other Side of Shebaa Farms, 9 minutes, 2008 .jpg

من فيديو المهمة الثانية لآفي مغربي، الجانب الآخر من مزارع شبعا، 9 دقائق، 2008.
من فيديو المهمة الثانية لآفي مغربي، الجانب الآخر من مزارع شبعا، 9 دقائق، 2008.


حين يصف غرانت كستر (Kester) فكرة الديمقراطية التشاورية لدى يورغن هابرماس، يشير الى أن الأخير افترض وجود منظومة مثالية لظروف الحوار، ولم يأخذ بالاعتبار وجود علاقات القوة2 كستر يشكك في فرضية هابرماس القائلة إن كل حوار محكوم بشكل طبيعي بقوة المنطق، ويحاجج بأن هناك نماذج متناقضة، أكثر فائدة، يحاول كل طرف فيها التماثل مع مواقف الطرف المقابل. استمرارًا لذلك، في المحادثة بين مغربي وزعتري، يحاول الطرفان بصورة واضحة مواجهة علاقات القوة المرسّخة في السيرورة. حين يعرض مغربي صور عائلته العربية-اليهودية، فإنه يتماثل مع سياق زعتري العربي3 وكذلك حين يتعاطى كل منهما مع مجال عملهما المشترك: إنتاج أفلام وثائقية تجريبية، فإنهما يسعيان الى التماثل الواحد مع الاخر. التمحور في بنية المحادثة كنموذج يتم فيه استبعاد المصالح القومية، بالتالي، يشير الى وجود جمالية حواريّة.

من جهة ثانية، لا  يشعر حجاي تمير أن محادثاته مع زعتري اشتملت على تلك التبادلية التي ميّزت محادثات زعتري ومغربي 4 ويشهد على ذلك غياب صوت الطيار من فيديو زعتري عام 2013 والمنشورات المرافقة له.  يشعر تمير انه تم استخدامه كمادة لعمل فني، وأنه حكى للفنان عن نفسه أكثر بكثير مما وافق الفنان على مشاركته فيه. زعتري دعا تمير الى افتتاح بينالي فينيسيا  ليتسنى له رؤية العمل النهائي، لكن تمير رفض الدعوة خشية من أن يتم استغلاله لأغراض سياسية، لأن المعرض كان جزءًا من الجناح اللبناني 5 في خاتمة المطاف، قام بزيارة المعرض في موعد آخر وجلس فعلا على الكرسي الفارغ. 

هناك أمر إضافي أزعج تمير في سياق عمل زعتري. في بداية مراسلاتهما أرسل زعتري اليه أعمالا مختلفة، وفي أحدها، "هذا اليوم" (This Day, 2003) شاهد تمير صورة رئيس الحكومة حينذاك أريئيل شارون، بزي نازي. فكرة مقارنة إسرائيل مع النازية جعلت الكيل يفيض بنظره. اعترف بأن معرفته في الفن لا تشمل فن الفيديو أو التملك، ولكن برأيي كانت قلة معرفته أكثر عمقًا: فهو لم يفهم أن زعتري لا يجري المقارنة بنفسه بل يفحص الأشكال التي استخدمت فيها هذه الصورة خلال الإنتفاضة الثانية. ومع ذلك، فإن الكرسي في إنشاء "رسالة الى طيار رافض" ظلّ شاغرًا في افتتاح المعرض.

لهذه الأسباب، شكلت المحادثات الحوارية بين تمير وزعتري فشلا نسبيًا ولم تصل المستوى الحواري الذي كان في محادثة مغربي وزعتري. في الحقيقة، لقد جسدا بذلك وبصورة أكثر دقة الظروف السياسية التي سادت في لبنان واسرائيل. أشبه بمغربي، الذي يتجول في شمال اسرائيل ويصل الى حقول ألغام وأسلاك حدودية مكهربة، فإن تمير أيضًا يصطدم بحواجز مع زعتري، ربما لأنه كانت لكل منهما توقعات مختلفة من اللقاء. الحد بين زعتري وتمير يستند الى سياسة الجمال وليس سياسة الحدود القومية. تمير هو صاحب نزعة إنسانية حداثوية يرفع لواء الحقيقة، في حين أن زعتري مهتم بالتملّك واللعب بالحدود بين فئات مفهومية مثل التوثيقي والحقيقي، الصورة والصورة النقيضة، أو المؤلف مقابل القارئ6.

 

 


كتاب فوري

 

يقترح الكاتب والفنان جلال توفيق طريقة للتفكير باستخدام زعتري للتملّك، وهو عنصر متميّز لهما كفنانين في فترة ما بعد الحرب. في كتابه The Withdrawal of Tradition Past a Surpassing Disaster يدعي توفيق بأن ظاهرة النسخة التي يتم تملكها يمكن رؤيتها مثل عودة الى شيء معين، ولكنها عمليًا تدل على إحياء (أو انبعاث) ثقافة قد ضاعت على أثر ما يسمى "كارثة كبرى"7 يتم الإحياء حين لا يعود الأصل متوفرًا، كما حدث مثلا، بعد الحرب الأهلية في لبنان، والتي تدمر على أثرها ما لا يُحصى من متاحف، أراشيف، أعمال فنية، وكذلك مؤرخون، فنانون ومؤرشفون بذاتهم. يدعي توفيق أن كارثة الحرب تدمر موروثُا وتنتج حالة ما بعد بنيوية، تتحول جميع التمثيلات فيها الى جزء من سلسلة دوال. مثال آخر على الإحياء هو الخربة:

أنا، شقيقاي وأمي غادرنا دارنا حين اجتاحت اسرائيل لبنان عام 1982. هل تحوّل هذه الحقيقة دارنا الى خربة؟ الجواب نعم، ليس لأن البيت تعرض لضرر هائل واحترق في آخر أيام الهجوم؛ بل حتى بعد ترميمه ظلّ بمثابة خربة.8

الدار المرممة هي نسخة عما كانت عليه قبل أن هُجرت وتدمرت، لكن هذه النسخة لن تكون أبدًا أصلية، وبالتالي ستؤشر على الدوام الى الخراب. بهذا المعنى، فإن المبنى الجديد هو نفسه الخربة الحقيقية. يشرح توفيق الفكرة بواسطة قصة عن مصاص دماء يبحث عن الخربة الكاملة في بيروت ما بعد الحرب. وهو يتجول بين المباني المدمرة، ويخيب امله المرة بعد الأخرى، الى أن يجد في النهاية مبنى جديدًا تمامًا ويشتريه. وكيل العقارات يرتبك لأن مصاص الدماء بحث عن خربة، وهذه يجب ان تكون موقعًا قديمًا وبائسًا، ولكنه يبدي اهتماما بمبنى جديد وبرّاق، النقيض التام للخربة. ولكن في اللحظة نفسها يرى الوكيل مصاص الدماء الشاب – افتراضًا – كمسنّ، والمبنى الجديد – افتراضًا – كخربة. بهذا المعنى فإن المبنى الجديد هو الذي تلاحقه أرواح الدمار التي قادت الى بنائه وتكوّنه.9

حين يقرر زعتري عرض صورة أريئيل شارون كنازي في فيلمه "هذا اليوم"، فهو يقتبس من مجمل الصور التي استخدمت كنشاط بصري من أجل التضامن مع فلسطين.10 ولكن في ضوء حقيقة أن زعتري مهتم بنقد غودار (Goddardd) للسينما المنحازة للعسكرة، فيمكن القول إن الشكل الذي يستخدم فيه النشاط البصري، ومنه صورة شارون كنازي، هو استمرارية لخط مشابه من النقد والتشكيك بشأن الإستغلال النّشط للثقافة البصرية.11 بالاضافة الى ذلك، فإن الشكل الذي استخدمه زعتري في هذه الحالة، مأخوذ من رسالة بالإيميل، وهذه الصورة نفسها هي نسخة عن صورة النازي. إذًا، بمصطلحات توفيق، يقوم زعتري بإحياء صورة النازي في الخطاب الفلسطيني بخصوص التضامن، مشيرًا الى التكرار في هذا التمظهر الذي ينتج زيفًا، نسخة نتجت بعد كوارث هائلة – الهولوكوست والنكبة – التي تنقصها القوة الحقيقية التي للأصل.12

هذه البنية للتكرار/الإحياء تظهر في جميع أعمال زعتري. في فيلمه "الشريط بخير”، مثلا،  يقرأ الممثلون بصوت عال من نصوص لمعتقلين. في فيلم "هذا اليوم"، الى جانب صورة شارون، يحاول نسخ سلسلة صور لبدو التقطها المستشرق جبرائل جبور عام 1950. وأخيرًا، في "رسالة الى طيار رافض"، يستخدم مرة أخرى صورًا التقطها عام 1982 واستخدمت في هذا اليوم لغرض تركيب فيلم منها. إن عدم فهم تمير للطريقة التي يستخدم زعتري التكرار فيها، جعله يفترض أن زعتري يقصد العودة الى المقارنة الأصلية بين النازي وبين العنف السياسي الاسرائيلي. لم يفهم تمير الصورة المتكررة لأنه افترض بقاء قدر معين من القوة الأصلية فيها.

 

no-reflection.png

مصاص دماء ومرآة، من دراكولا (1931) إخراج: تود براونينغ
مصاص دماء ومرآة، من دراكولا (1931)
إخراج: تود براونينغ

 

يعمل زعتري كمؤرخ، عالم آثار أومؤرشف لفترة ما بعد الحرب.13 ولكن مثلما يقول توفيق: "في سياق الكوارث الكبرى، ينشط الفن مثل مرآة في أفلام مصاصي الدماء – إنه يكشف غياب ما لا يزال يظهر لنا كحاضر".14 يعتقد زعتري أننا في حين نواصل البحث عن توثيق لشيء أصلي فإننا عمليًا نظل مع تسجيل للشيء الناقص.15 مثلا، في "رسالة الى طيار رافض" يتمحور زعتري في المدرسة التي دُمرت، المبنى المعماري الذي سُوي بالأرض ولم يبق منه سوى أنقاض. المدرسة حاضرة الآن فقط بواسطة صور، قصص أو مقاربات من خلال المبنى الجديد الذي استبدلها. يقتبس توفيق جملة معروفة من فيلم "هيروشيما حبيبتي" عام 1961: “لم أشاهد شيئًا في هيروشيما" ويسأل إذا ما كان كل ما ظلّ لدينا هو الغياب. “هل يعني هذا أن لا جدوى للتوثيق؟"16 يسأل مجيبًا، بأننا ملزمون بتوثيق الـ"لاشيء" لأن غياب الشيء الأصلي هو أمر يمكن التمسك به. يرسم زعتري خطوط الغياب في صور، معمار، مراسلات، ومحادثات أجراها مع سينمائي وطيّار. المحادثات تحدد فضاءً ما بين ذاتين – فضاء حواري هو بدوره "لاشيء": تنقصه المواضيع أو المادية، ولكن بالإمكان تشخيصه بواسطة أثره (affect)– نوع محدد من التذكّر والاستعادة الذي يغير الحاضر.

 

213.jpg

أكرم زعتري. رسالة إلى طيّار رافض. (صورة من فيديو) . 2013 إنشاء فيديو وأفلام. بلطف من الفنان وغاليري صفير-سيملر، بيروت
أكرم زعتري. رسالة إلى طيّار رافض. (صورة من فيديو) . 2013
إنشاء فيديو وأفلام. بلطف من الفنان وغاليري صفير-سيملر، بيروت

 

خاتمة

مثلما حاججتُ في القسم الأول من هذا المقال، هناك معنى كبير لاستراتيجية الحوار في المنطقة التي تقع فيها اسرائيل-فلسطين ولبنان. وهكذا، فحين يباشر زعتري بحوارات من أنواع مختلفة مع طيار اسرائيلي ومع سينمائي اسرائيلي، فهو يقوم بذلك داخل سياق المحدوديات المختلفة التي تفرضها دولتان في حالة حرب وكذلك في سياق الخطاب الاقليمي الأوسع لحركة المقاطعة، BDS. ولكن ما ينير البصر خصوصًا فيما يتعلق بالمحادثات، هو أنه لو فحصنا شكلها عن قرب فهي تكشف مستويات مختلفة للانخراط الشخصي والسياسي، وفي الوقت نفسه مستويات مختلفة من الرفض.

جرت محادثات زعتري وتمير في ظل الخشية، التردد والتشكيك من قبل تمير، وكذلك صدمات الحرب بين إسرائيل ولبنان والنكبة والهولوكوست. كذلك، كانت المحادثة من طرف واحد بمجرد نيّتها إنتاج عمل فني طُلب من تمير أن يلعب فيه دور الموضوع، أي أنه "جُنّد" للعمل وسط قلب دافع النشاط الاسرائيلي لتجنيد مثقفين من الدول العربية في التسعينيات. برأيي، قام زعتري باستخدام تمير بشكل مقصود كذات إسرائيلية اضطرت للجلوس على الكرسي الذي أنشئ لها، ورؤية فيلم يوثق الدمار الذي زرعه الاجتياح الاسرائيلي. لم تكن المحادثة بينهما قسمًا من مشروع تعايش ولم تحاول المشاركة في التطبيع، بل كانت عدائية بشكل حاذق ومن طرف واحد بشكل مقصود.17 في الوقت نفسه، كانت المحادثة تقوم على احترام رفض تمير ووقوفه أمام معركة عسكرية لاأخلاقية. في هذه الحالة، وفي المحادثة مع مغربي أيضًا، كان فعل الرفض الاسرائيلي هو ما حرّك التبادل الحواري.

 

 

LEBANON PAVILLION268 2.JPG

أكرم زعتري. رسالة إلى طيّار رافض. 2013 منظر تنصيب، الجناح اللبناني، بينالي فينيسيا الـ55، 2013. تصوير: ماركو ميلان
أكرم زعتري. رسالة إلى طيّار رافض. 2013
منظر تنصيب، الجناح اللبناني، بينالي فينيسيا الـ55، 2013. تصوير: ماركو ميلان

 

هناك مميزات شكلانية أخرى لمحادثة زعتري مع مغربي. أولا، كانت تحتوي عنصر العرض لأن المقصود هنا هو المحادثة التي تمت على منصة أوبرفيلييه في فرنسا. ثانيا، نشأت العلاقات بينهما انطلاقا من الاعتراف المتبادل بانهما منتجا أفلام، في مهرجان سينمائي في إيطاليا – وهو مكان آخر، غير اسرائيلي ولا لبناني.18 كذلك، إستخدما صور بالشكل الذي وصفته أريئيلا ازولاي كـ"ديمقراية تشاورية" – التصوير كعقد اجتماعي. لقد استخدما مسار التصوير كوثيقة للقاء بين حياتهما الشحصية والسياسية وكفضاء للتأويل والتأويل المضاد. في النهاية، كان زعتري ومغربي قادرين على الإقرار بديناميكية القوى القائمة، حين يعمل فنان لبناني وآخر اسرائيلي معًا. “الجانب الآخر من مزارع شبعا" هو مثال ممتاز على ذلك. المسألة هنا ليست التعاون الذي يصف يوتوبيا ما من التعايش. بل على العكس، إنهما في حوار ويتعاونان في مشروع يعرض في النهاية حقيقة أن الحوار تشوّش على الدوام بواسطة الحدود، الحواجز، المناطق العسكرية المغلقة وقيود ميدانية أخرى. برأيي، كان من المهم أنهما أجريا هذه المحادثة، التي كانت علنية قياسًا بمحدودياتها، وعلى الرغم من أنها غير ممكنة كان يجدر محاولة إجرائها.

هذه هي الطبيعة المنطوية على مفارقة للخوض في المشروعين معا. فعل الرفض نوقش في الأطر الثقافية بخصوص اسرائيل عادة بمفاهيم المقاطعة. لكن الرفض الشجاع لحجاي تمير جاء من داخل المجتمع الاسرائيلي: لقد رفض المشاركة في حرب لا تميّز بين أهدافها. إبن مغربي الذي رفض الخدمة العسكرية يشكل مثالا إضافيًا على انفصال مواطن اسرائيلي عن سياسة النظام الحاكم. حين استجاب زعتري لنداء يسري نصر الله بإظهار تضامن مع رفض مغربي الإبن، كان الأمر على النقيض التام من توجه الكثيرين في العالم العربي برفض أي حوار مع فنانين اسرائيليين، خشية من تشجيع التطبيع. المحادثات التي تطورت هنا احتوت على كثرة من الجماليات الحوارية لأن كل طرف كان واعيًا جدًا لمخاطر الاتصال مع الآخر. نتيجة لذلك، فإن "رسالة الى طيار رافض" و "محادثة مع سينمائي اسرائيلي خيالي" أيضًا يدلان على أنه يمكن للرفض والحوار أن يشكلا أدوات للانخراط في وضع سياسي كثيرًا ما يفتقر الامكانيات الافتراضية التي يمكن للخيال المدني أن يعرضها.

 

وجهتا نظر (القسم الأول): رسالة الى طيار رافض

وجهتا نظر (القسم الثاني): علاقات تبادلية حوارية

 

  • 1. إنسحبت اسرائيل من جنوب لبنان المحتل عام 2000، ولكن ليس من مزارع شبعا، التي تزعم اسرائيل أنها جزء من هضبة الجولان. منظمة حزب الله ترفض هذا الزعم.
  • 2. Grant H. Kester, Conversation Pieces: Community and Communication in Modern Art (Berkeley: University of California Press, 2004) p113
  • 3. يمكن الادعاء أن مغربي يتضامن مع زعتري أكثر مما يتضامن الخير معه، وبهذا المعنى يكشف محدودية في التبادلية القائمة في علاقتهما. ولكن يجب أن نتذكر في الوقت نفسه علاقات القوة بين المواطن الاسرائيلي والمواطن اللبناني، التي ربما تعرض الفجوة في السعي الى المساواة والتبادلية وبين الواقع السياسي والاجتماعي السائد في المنطقة منذ 1982.
  • 4. مقابلة مع المؤلف، 29 تموز 2013.
  • 5. يشمل بينالي فينيسيا أجنحة على أساس دول. وبالتالي فهو لا يرتبط فقط بتاريخ القوميات بل أيضًا بتاريخ الاستعمار. هذا هو السياق الذي يجعل من معرض زعتري أكثر من مجرد معرض فن معاصر إضافي، لأنه يقوم على قوميتين في حالة عداء.
  • 6. جاك رانسيير يسمي هذا "توزيعة الحسي" – النظام الذي يقرر ماذا نحسّ، ماذا نرى، نشعر، نقول، نفكر أو نسمع. Jacques Rancière, The Politics of Aesthetics: The Distribution of the Sensible (London: Continuum, 2000)
  • 7. Jalal Toufic, The Withdrawal of Tradition Past a Surpassing Disaster (Forthcoming Books, 2009
  • 8. Jalal Toufic, “Ruins,” in Matthew Gumpert and Jalal Toufic eds. Thinking: The Ruin, (Istanbul: Rezan Has Museum, 2010), pp 35-40
  • 9. Ibid. p20
  • 10. من المهم التذكير بأن صورة رئيس الحكومة بزيّ نازي معروف بالذات في سياق يتسحاق رابين، حيث تم استخدامها في حملات الدعاية التي قام بها اليمين بعد المحادثات مع الفلسطينيين كجزء من اتفاقيات اوسلو. تستخدم العودة الى هذه الصورة أحيانًا كثيرة لتشديد دور حملة اليمين في اغتيال رابين عام 1995. الايماءة خدمت في هذه الحالة موقفًا ايديولوجيًا مختلفًا عن الذي يحمل صورة شارون. شيوع الدالّ النازي الواسع واستخدامه لتمثيل مواقف سياسية مختلفة، هي مسائل هامة لكن يضيق المجال هنا لوصفها بتوسع.
  • 11. فيلم زعتري الشريط بخير (1997) هو تحية لفيلم غودار هنا وهناك، Ici et Ailleurs 1972), وهو فيلم وثائقي تجريبي انتج بطلب من منظمة التحرير الفلسطينية، وبجوهره تفكيك للدعاية التي تستخدمها حركات ثورية.
  • 12. بالنسبة لتوفيق، أحد الأمثلة على التراجع عن التقاليد بعد كارثة الهولوكوست الكبرى هو الميل، أولى سنوات دولة اسرائيل، الى إقصاء الناجين من الهولوكوست من المجتمع الذي أراد نسيان الضعف اليهودي في الشتات واستبداله بالقوة اليهودية . Jalal Toufic, “Ruins,” p46
  • 13. أحد أساليب زعتري لأرشفة هذا التاريخ الاجتماعي كان بواسطة معهد الصور العربي الذي كان بين مقيميه. زعتري يتوسع في الحديث عن عمله وعن هذه الجوانب في مقابلة مع تشاد الياس (Elias) نشرت في: Tate Papers (Spring 2013)
  • 14. Jalal Toufic, The Withdrawal of Tradition Past a Surpassing Disaster (Forthcoming Books, 2009) p57
  • 15. Ibid.
  • 16. Ibid.
  • 17. Claire Bishop, “Antagonism and Relational Aesthetics,” October 110, Fall 2004 pp51-79.
  • 18. تجدر الاشارة الى أن اللقاءين (زعتري مع تمير، وزعتري مع مغربي) جريا في إيطاليا.