
الجسد كتاريخ لم يُحسَم: عن أعمال الفنانة سماح شحادة
لا يشتغل فنّ سماح شحادة داخل التاريخ فحسب، بل في مواجهته أيضًا - لا كرفض مباشر، بل كاقتراح لفعل مختلف. بخطّ دقيق وبأسلوب بصري مقتضب، تضع شحادة الجسدَ الأنثوي الفلسطيني كحيّز مشحون بالذاكرة، بالكسر، وبنظرة تأملية. الجسد في أعمالها ليس تمثيلًا مُغلقًا، بل حركة متواصلة، هادئة لكن حاضرة، تكشف الأسئلة التي يعجز التمثيل عن معالجتها.
في رسوماتها، لا يظهر الجسد كصورة مُسلَّم بها، بل كفضاء عاطفي، سياسي، وجندري، يُتيح تأمّلًا عميقًا في تقاطعات الخاص والجمعي. رسوماتها، التي تتّسم بالدقّة الحسّية والمادية، ليست مجرّد توثيق، بل فعل مقاومة صامتة: مقاومة للمحو، للنسيان، للتهميش. هي تمسك بالجسد لا لتفسيره، بل لتتيح له أن يكون شاهداً حيًّا، ذاكرة نابضة لتاريخ لم يُحسَم بعد.
اختيارها للفحم (هذه المادة الخام، الكثيفة، والصعبة)، يعبّر عن صراع داخلي بين الظهور والغياب، بين الانكشاف والمحو. فالفحم يترك أثرًا، لكنه في الوقت نفسه يطمس الحدود. إنّه يتطلّب قُربًا جسديًّا من الصورة، لكنه يحتفظ بمسافة عاطفية منها. عبره، تُشيّد شحادة أجسادًا هشّة، لكنها مقاومة: مكشوفة ولكنها مغلقة، حميمة لكنها بعيدة، لا تسكنها شخصية واحدة بل تتقاطع فيها أصوات وتجارب وعوالم متعددة.
هكذا يولد الجسد كحيّز بينيّ يعيش توتّرات متواصلة: بين لغة بصرية غربية ومحتوى فلسطينيّ محلّي، بين جغرافيا محدّدة وطموح نحو الكونية، بين البوح والصمت. في هذا السياق، لا تكون الهجنة تنازلًا أو تسوية، بل استراتيجية وجودية: طريقة للنجاة، للتأقلم، وللتمسّك بالمكان دون أن تكون منتميًا بالكامل. الغربة هنا ليست خيانة، بل إمكانية.
في هذا السياق، لا تطرح شحادة سردية جاهزة، بل تسائل مفهوم الهوية ذاته. هي لا "تحكي كل شيء"، لكنها تفتح باب التأويل، وتمنح الصمت شكلاً من أشكال الخطاب. وعبر التقشّف في اللغة البصرية، تولد مقولة عميقة حول موقع الفنانة الفلسطينية في حقل فنيّ تُعتبر فيه اللغة، الهوية، والجندر تحدّيات مستمرة، لا تصنيفات ثابتة.
"الجسد بالنسبة لي ليس مجرّد حضور فيزيائي، بل المكان الذي يحدث فيه كل شيء: المشاعر، الذكريات، الأسئلة"1، تكتب شحادة. بهذا المعنى، الفنّ عندها ليس فقط عملًا داخل التاريخ، بل وقوفًا أمامه: ليس كردّة فعل، بل كفعل آخر، يتحقق في الخطّ، في الملمس، في المحو الجزئي، في الهيئة التي تنظر وربما تصمت.
- 1. من حوار أجرته الكاتبة معها في إطار بحث قيد الكتابة حول أعمالها.






