
كيف تبدو صورةٌ لجسد مزّقته الحرب؟ أو لحظةٌ مفصلية غيّرت مجرى التاريخ؟ للوصول إلى فهم أعمق، يمكن أن نلجأ إلى أعمال المصور الحربي روبرت كابا (1913–1954)، أحد مؤسسي وكالة التصوير المرموقة Magnum Photos، إلى جانب هنري كارتييه-بريسون، ماريا أيسنر وآخرين.
خلال الحرب الأهلية الإسبانية – إحدى أكثر الفترات دموية في تاريخ البلاد – كان كابا في قلب الحدث، ووثّق لاحقًا محطات مفصلية مثل الحرب العالمية الثانية. أشهر صوره، الجندي الساقط (1936)، تبدو وكأنها تُمسك باللحظة الدقيقة التي تخترق فيها الرصاصة جسد الجندي، بينما ينهار في الهواء، حياة تنطفىء أمام أعيننا.
بالنسبة إلى جيل كابا، كانت مثل هذه الصور تحمل شعورًا بالإلحاح الأخلاقي، تدعو المشاهد إلى التفاعل، كما لو أن الصورة نفسها تقف شاهدًا ينطق بنداء السلام. لكن، حين ننظر إليها اليوم، وفي ظلّ الأدلة المتزايدة التي تشير إلى أن "الجندي الساقط" قد يكون مشهدًا مُفتعلًا، تزعزع ثقتنا بتلك اللحظة، بل وبالوسيط الفوتوغرافي نفسه. كما كتبت سوزان سونتاغ: "الصور التي نشعر بخيبة أمل عميقة حين نكتشف أنها مُفبركة، هي تحديدًا تلك التي يُفترض أنها توثق لحظات حميمة – خاصةً لحظات الحب والموت"1. فإذا كانت الصدق البصري هشًا إلى هذا الحد، فهل يمكننا أن نثق بما نراه على الإطلاق؟
تتناول هذه المقالة العلاقة المعقدة بين تصوير الحروب، والحقيقة، وحدود التعاطف. استنادًا إلى كتاب سوزان سونتاغ الالتفات إلى ألم الآخرين (2003)، أجادل بأن التصوير الحربي، رغم أنه غالبًا ما يُقدَّم كوسيط مناهض للحرب، فإن فعاليته في الحؤول دون وقوع الحروب تظل غير مؤكدة.
من خلال دراسة حالة لصورة كابا الجندي الساقط، أُعيد النظر في الافتراضات التي نحملها حول صدقية الصور، والمسؤوليات الأخلاقية التي تقع على عاتق المصوّرين، والمواضيع المصوَّرة، والمشاهدين على السواء.
في النهاية، أقترح أن علينا أن نُعيد التفكير في كيفية تفاعلنا مع صور المعاناة، لا سيّما في العصر الرقمي، حيث فيضان الصور قد يؤدي إلى التبلّد – وأن نتأمل في التوتر الدائم بين الشهادة والفعل في مواجهة الحرب.
للوهلة الأولى، يبدو من البديهي أن التصوير الحربي يهدف إلى منع الحرب - فمن خلال إظهار عواقب العنف، يخاطب إنسانيتنا المشتركة. المنطق بسيط: إذا رأينا فظائع الحرب، فسنتحرّك لإيقافها. تبدو صور كابا، بما تحمله من مشاهد حادّة للخنادق، والأجساد المشوّهة، وساحات المعارك، تجسيدًا حيًّا لهذا المنطق. ومع ذلك، تُحذّر سونتاغ من التسليم بهذه الفرضية باعتبارها حقيقة مسلمًا بها. كما تكتب: "الشهية للصور التي تُظهر الأجساد المتألمة، لا تقل حدّة - تقريبًا - عن الرغبة في الصور التي تُظهر الأجساد العارية"2.
لذا، قد تُشبع صور الحرب فضولًا بصريًا متلصصًا أكثر مما تحرّك فعلًا حقيقيًا. وعلاوة على ذلك، تذكّرنا سونتاغ بأن: "أن تُصوّر يعني أن تؤطّر، وأن تؤطّر يعني أن تستبعد"3. فكل صورة هي بناءٌ بصري، لقطة انتقائية تُظهر ما يشاء المصوّر أن نراه، وتُقصي الكثير مما يبقى خارج الإطار.
فيما يتعلق بتصوير الحروب، ربما لا يمكننا أن نتخلّى تمامًا عن مسألة الصدقيّة - فهي، في نهاية المطاف، ما يمنح هذه الصور قوتها التأثيرية. فإذا ألغينا مطلب الصدق من أساسه، فلِمَ لا نتوجّه مباشرة إلى السينما، "الأخ الأكبر" المفترض للتصوير الفوتوغرافي، حيث تُعدّ السردية والواقع المُركّب جزءًا من بنية الشكل ذاته. أفلام مثل تعال وانظر (1985) للمخرج أليم كليموف، والذي يُستشهد به كثيرًا كأحد أكثر الأفلام المناهضة للحرب قسوةً، تصوّر الدمار النفسي للحرب من خلال عيني صبي بيلاروسي، وتواجه المشاهد بصور سريالية كابوسية تقاوم كل تمجيد. أما دروب المجد (1957) لستانلي كوبريك، فيقدّم نقدًا لاذعًا للسلطة العسكرية، كاشفًا عبثية الحرب ولا إنسانية من يديرها من خلف المكاتب. في حين يتّخذ الخط الأحمر الرفيع (1998) لتيرينس ماليك منحى فلسفيًا أكثر، يستكشف فيه التوتر بين لا مبالاة الطبيعة وعنف البشر، ويطرح سؤالًا مؤلمًا: هل الحرب جزء أصيل من الطبيعة البشرية؟
ومع ذلك، حتى هذه الأفلام، رغم استنادها إلى وقائع تاريخية - تعال وانظر مثلًا يستند إلى الاحتلال الألماني لبيلاروسيا في الحرب العالمية الثانية - لا تخضع لنفس متطلبات الصدقية التي تُفرض على الصور الفوتوغرافية. فالصورة المتحركة تتيح مسافة جمالية، وشكلًا وسطيًا من التفاعل، بينما تدّعي الصورة الفوتوغرافية أنها تُرينا "الحقيقة".
كما تكتب سوزان سونتاغ في كتابها عن التصوير: "ثمة عدوانية ضمنية في كل استخدام للكاميرا"4. تنطوي نظرة المصوّر على قوة التأطير، والتخليد، وأحيانًا الاستغلال. فغالبًا ما يُلتقط موضوع الصورة، وغالبًا ما يكون ضحية، في أقصى درجات هشاشته، بينما يحتفظ المصوّر بموضع السيطرة، ويظلّ المشاهد في موقع آمن، بعيد عن الخطر"5.
ثمة دائمًا مسؤولية أخلاقية على المحكّ في مكانٍ ما. وعندما يتعلّق الأمر بـ"الآخر"، فإن هذا بالضبط هو ما يُشكّل جوهر أخلاقنا ومدوّنات سلوكنا. فمن دون وجود الآخر، ومن دون قابليتنا لأن يُخاطبنا بألمه، لا يمكن لأي إطار للفعل الأخلاقي أن يقوم. كما ذهب إلى ذلك إيمانويل ليفيناس، فإن وجه الآخر هو ما يستدعينا إلى علاقة أخلاقية.
ومع ذلك، فإن الحفاظ على هذا الإحساس بالمسؤولية بات اليوم أكثر صعوبة. ففي عصر التفاعلات المشبعة بالدوبامين والمُفلترة عبر الشاشات، أصبح من السهل جدًا أن ننزلق نحو التبلّد. ربما تكمن مهمتنا الآن في تنمية نوعٍ من المسافة، مسافة نقدية، لا من أجل الانسحاب من العالم، بل لضبط اندفاع التحفيز، والبقاء متيقّظين لمسؤولياتنا الأخلاقية. تقدّم سونتاغ منظورًا يكشف حقيقة قاسية: "التعاطف شعور غير مستقر. لا بدّ من ترجمته إلى فعل، وإلا فإنه يذبل"6.
قد تثير الصور الفوتوغرافية سخطًا عابرًا أو تعاطفًا مؤقتًا، لكنّ ما إذا كانت تؤدي إلى فعل مستدام فذلك أمر غير مضمون على الإطلاق. وعوضًا عن ذلك، فإنها غالبًا ما تطاردنا: "السرديات تُساعدنا على الفهم. أما الصور الفوتوغرافية، فتصنع شيئًا آخر: إنها تطاردنا"7.
لقد شهدت طرائق تفاعلنا تغيّرًا جذريًا. في السابق، كان من الممكن للمشاهد أن يواجه صور الحرب في سكون معرض فني أو ضمن صفحات كتاب مُعدّ بعناية، كما توضّح سونتاغ في أمثلتها. أما اليوم، فلا يكاد يتوفر مجالٌ للتأمل المتأنّي.
مقطع مصوّر لا يتجاوز ثلاثين ثانية من منطقة نزاع يُعقبه فورًا إعلان تجاري للأزياء أو ميم شائع. لقد تغيّرت بصورة أساسية الطريقة التي نتلقّى بها هذا النوع من المعلومات ونتفاعل معه، وفي ظلّ هذا السيل المتواصل من الصور، تزداد المخاطرة بأن تخبو قدرتنا على الاستجابة الأخلاقية.
إن العودة إلى التاريخ هي، بطبيعة الحال، امتياز معرفي. ما نعجز عن فهمه وسط ضباب الحاضر، يبدو أكثر وضوحًا بالنسبة لمن يأتون بعدنا، هكذا كان الأمر دائمًا، وعلى الأرجح سيظل كذلك. ومع ذلك، حتى في ضوء الماضي، يبقى هناك إحساس بالإلحاح فيما نراه. فالسؤال لا يزال مطروحًا: كيف يمكننا أن نستجيب للمعاناة الراهنة من دون امتلاك مسافة الزمن؟ وهل بمقدورنا أن نحوّل الصور التي تطاردنا إلى شيء يتجاوز الاستهلاك السلبي؟
ولنعد إلى السؤال الجوهري: هل يمكن للتصوير الفوتوغرافي أن يمنع الحرب؟ ربما لا، على الأقل ليس بشكل مباشر. تكتب سونتاغ أن الصور الفوتوغرافية، وإن كانت تثير الغضب أو الرعب، "فهي لا تُفيد كثيرًا إذا كانت المهمة هي الفهم"8. فالصور توثّق، وتصدم، وتطارد، لكن ما إذا كانت قادرة على إحداث تغيير بنيوي، فذلك أمر غير مؤكد. ومع ذلك، فإن التخلي عن الأمل في أن تحفّزنا الصور على الفعل، يهدد بأن يُفضي بنا إلى السخرية واللامبالاة.
التحدي لا يكمن فقط في أن نُحدّق، بل في أن نتصرّف، وأن نُخضع للهدم والتحليل البُنى السلطوية الكامنة في الصور التي نستهلكها، وأن نظل منتبهين لمعاناة الآخرين، وأن نقاوم تلك الرغبة في التمرير العابر دون تفكير.
بعد أن استعرضنا هذا الطرح حول إمكانات التصوير الحربي وحدوده، يبقى أن نسأل: كيف نتناول هذا الموضوع اليوم؟ هل لا نزال نولي الأمر ذات القدر من الانخراط كما فعلت الأجيال السابقة، أم أن بيئتنا البصرية قد تبدّلت جوهريًا؟
لا يزال التصوير الحربي المعاصر قائمًا على ممارسات تقليدية، مثل سفر مصوّري الصحافة إلى مناطق النزاع لتوثيق العنف المستمر. وما تزال هذه الصور تُعرض في المعارض، والمتاحف، ووسائل الإعلام الإخبارية. لكنها باتت اليوم تتقاطع مع فيضٍ دائم من الصور الرقمية التي تصلنا بشكل آني، فيضٌ أدى، بدرجة ما، إلى تبلّد قدرتنا على الاستجابة.
ومهمتنا الآن أن نقاوم هذا الخدر، وأن نستعيد قدرتنا على التعاطف حين نواجه معاناة الآخرين ونتأملها.
- 1. Sontag, Susan. Regarding the Pain of Others. Penguin books, 2003, 47.
- 2. نفس المرجع، ص 34.
- 3. نفس المرجع، ص 39.
- 4. Susan Sontag, On Photography, London: Penguin Books, 2002, 7.
- 5. بالنسبة للصور المُنتجة بالذكاء الاصطناعي، فإن المعايير تتغيّر كليًّا. وربما من الأفضل ترك هذا الموضوع لمقالٍ آخر، إذ إن أخلاقيات الصور الاصطناعية تطرح تحديات خاصة بها، تختلف عن تلك المرتبطة بالتصوير الفوتوغرافي والسينما.
- 6. Sontag, Regarding the Pain of Others, 88.
- 7. نفس المرجع، ص 78.
- 8. Sontag, Regarding the Pain of Others, 77.









