مبانٍ مؤقتة

تظهر الكثير من الامكنة المشحونة في اعمال نير عفرون، بينها المدينة الفلسطينية روابي، فندق الأقواس السبعة في جبل الزيتون ومستوطنة جيمس تاون في فرجينيا الأمريكية. ولكن ما الذي يحدث لعينيّة الامكنة وتناوُل القصص السياسية المحددة، حين تفصل الأعمال بين المضمون والشكل؟ حجاي اولريخ عاد من معرض عفرون "أساس"

Advertisement

زوروا متجرنا الفوري دعمًا لتوهو بواسطة اقتناء طباعات فنيّة متوفّرة بإصدار محدود

"أساس"، معرض نير عفرون في متحف تل ابيب، هو الاساس الذي يقوم عليه مبنى وهو ما يرسخه في الارض، لكن الاعمال في معرض عفرون مرفوعة عن المصطبة بواسطة هياكل خشبية، وبدلا من ان تربط فهي تفصل/تقطع الصورة عن الارض. هذا الفصل موجود أيضًا على مستوى المضمون / الجوهر. وعلى الرغم من ان اعمال عفرون تتطرق الى لحظات تاريخية محددة والى قصص او اماكن معينة، وعلى الرغم من انها تشير الى مظالم تاريخية، اجتماعية وسياسية مرتبطة بتلك الامكنة، فهي تنفصل عن الزمان والمكان اللذين كانا محركًا لها، بواسطة خدع التصوير والمونتاج وبفعل شكل وضعها في الفضاء الذي يبرز الفصل بشكل اقوى في المعرض الحالي.

ينتج عفرون توترا بين المضامين السياسية والمظالم المحددة التي هي نقطة الانطلاق، وبين الأعمال بصيغتها النهائية وادواتها النحتية والجمالية. فبدلا من ان تقوم الصورة – أي "الفصل" المتجسد جماليا في الصورة، المونتاج والتنصيب – بخدمة المضامين، فهي تعتم عليها او تقلل من اهميتها على الاقل. اشكال الفصل تشدد فشل المحاولة الفنية (ربما كتكرار لفشل الحداثة بشكل عام) في تواسط قصص سياسية نحو وحدة منظوميه بصرية، ولتشدد بالذات على التجريد والانفصال عن الارض.

 

Masad_general view_002.jpg

نير عفرون، "أساس"، 2016
نير عفرون، "أساس"، 2016
منظر تنصيب، متحف تل أبيب 2016. تصميم فضاء: دان حسون. تصوير: العاد سريغ

 

في مدخل المعرض تم تعليق صور تقليدية لوجوه طواطم من مستوطنة جيمس تاون (Jamestown Settlement) –  متحف تاريخ حي في فرجينيا الأمريكية. في هذه الصورة من العام 2016 لا تظهر الأسس التي تقف عليها التماثيل مما يجعلها تترنح، وكذلك بسبب شكل تعليقها الواحد بجانب الآخر على طول الجدار. في عمل آخر ضمن المعرض – عمل الفيديو قوس شرقي من العام 2009- يصوّر عفرون في فندق الاقواس السبعة في جبل الزيتون. تم بناء الفندق قبل عام 1967 وهو يعمل منذ ذلك الحين بوتيرة مقلصة. الصور في العمل تُظهر مكانا فارغا من الناس ومن النشاط. عفرون يصور بلقطات ثابتة او بطيئة، وشكل النظرة الى الكاميرا خامل. الحيوية التي تميز فنادق فعالة ومليئة بالحياة – اعمال عمال الفندق وعلاقاتهم مع زوار الفندق، سواء خلف الكواليس او أمامها – غائبة هنا، والشعور الطاغي أن المكان عالق في فضاء وسطي بين النشاط وعدم النشاط، وبين وجوده الواضح وعدم وجوده. هذا الفضاء يشبه الى حد معين القصر الصيفي للعائلة المالكة الاردنية، الذي يظهر في عمل آخر لعفرون ومعروض هو الآخر في معرض A Free Moment من العام 2011. هذا فيديو يظهر سقالات حول المبنى، الذي تم وقف بناءه بعد 1967. الكاميرا مثبتة على جهاز يحلق بل ينقلب بمئة وثمانين درجة ويشدد بالتالي على الطبيعة والمنظر الطبيعي خلف الجدران غير المبنية للقصر. 

 

Jamestown (totems).jpg

نير عفرون، 2016 Jamestown (totems)
نير عفرون، 2016 Jamestown (totems)
منظر تنصيب، متحف تل أبيب 2016. تصميم فضاء: دان حسون. تصوير: العاد سريغ
 

Oriental Arch.jpg

نير عفرون، "قوس شرقي"، 2009
نير عفرون، "قوس شرقي"، 2009
منظر تنصيب، متحف تل أبيب 2016. تصميم فضاء: دان حسون. تصوير: العاد سريغ
 

A Free Moment.jpg

نير عفرون, A Free Moment, 2011
نير عفرون, A Free Moment, 2011
منظر تنصيب، متحف تل أبيب 2016. تصميم فضاء: دان حسون. تصوير: العاد سريغ

 

في العمل Endurance 2014 أنتج عفرون فيلم 16 ملم، بدون كاميرا، وهو عمليا تصوّر متخيل لبيت نموذجي في المدينة الفلسطينية روابي، في مناطق السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. بدأ بناء روابي عام 2009 وهو لم يُستكمل وفقًا للمخطط بسبب اعتراضات كثيرة، وخصوصا اعتراضات دولة إسرائيل ولكن أيضا بسبب اعتراضات فلسطينية داخلية. استبدل عفرون مقاييس الفضاءات بتخطيط معماري لبيت في احد الاحياء التي لم يتم بناؤها، في تعاقب سينمائي. وقد كتب نيسان بيريز عن المعرض: "ان مقياس طول الجدار في التخطيط المعماري، مثلا، قد حدد الطول المادي لنفس القسم في الشريط السينمائي الذي يمثل الجدار – وهكذا ايضا مدة اللقطة في الزمن.1 يظهر العمل صورًا مجردة بالأسود والابيض، تمثل الفضاء الداخلي للدار. هكذا حوّل عفرون الصور الثابتة الى فعل مؤقت ينتج شعورا بالغرابة، بسبب العلاقات المصطنعة بين الزمان والمكان. يعرض العمل مكانًا بدون جسمه المحدد، ويصوّر حركة خيالية لتجوّل بين جدران غير موجودة لمبنى مشوش، وهو مكانٌ وجوده الفعلي محجوز اصلا منذ البدء، بسبب "الامل المتجسد فيه لدى الفلسطينيين والممزوج بالشك".2

 

Masad_general view_003.jpg

نير عفرون، "أساس"، 2016
نير عفرون، "أساس"، 2016
منظر تنصيب، متحف تل أبيب 2016. تصميم فضاء: دان حسون. تصوير: العاد سريغ
 

 

العمل "بالروح بالدم" (2015) هو فيلم 16 ملم تم تحويله الى فيديو. وتظهر فيه ضاحية شكلت في الماضي مؤسسة للمرضى النفسيين بجانب مدينة درزدن في المانيا والذي يشكل اليوم موقع تخليد لضحايا الحرب العالمية الثانية. كان الموقع في السنوات 1940- 1943 جزءا من خطة  ألمانيا النازية T-4 وتم في اطاره تعقيم وإعدام أشخاص يعانون من إعاقات جسدية وعقلية. يتم بث الفيديو داخل فضاء مكعب خشبي كبير الحجم. المربع هنا هو صورة اضافية متماهية مع نزعة التجريد في الفن الغربي الحديث. قام عفرون ايضا بتحريك الكاميرا دائريا بتسعين درجة لتظهر الصور على جانبها. ولغرض التأمل فيها بمنظور افقي يجب على المشاهدين طأطأة رؤوسهم. لذلك، فان الصورة تتحرك للأعلى والاسفل قليلا وكأن الكاميرا معلقة على جذع شجرة متأرجح. انعدام الثبات هذا يعزز شعور التأرجح والانقطاع عن الارض. في العمل  Pangymnasticon  من العام 2016 هناك صناديق ضوئية وُضعت عليها صفحات من جانبيها مأخوذة من كتاب يحمل الاسم نفسه من القرن التاسع عشر، ويقترح سلسلة من التمارين الرياضية. جانبي الصفحة متداخلان وينتجان رسومات لشخصيات مضاعَفة، مما يمسّ بالجانب العملي والمحدد لفعل التدرب الرياضي. هذه المضاعفة تلغي وظيفة الآلة التي يجري عليها التمرين الرياضي بتشكيل أساس وتفقِد صور المتدربين قدرتها على ان تعلم. 

 

Geist und Blut.jpg

نير عفرون، "بالروح بالدم"، 2015
نير عفرون، "بالروح بالدم"، 2015
منظر تنصيب، متحف تل أبيب 2016. تصميم فضاء: دان حسون. تصوير: العاد سريغ

Pangymnastikon.jpg

نير عفرون، Pangymnasticon، 2016
نير عفرون، Pangymnasticon، 2016
منظر تنصيب، متحف تل أبيب 2016. تصميم فضاء: دان حسون. تصوير: العاد سريغ

 

اخيرا في العمل La Solitude من العام 2016 تُعرض قطع مصورة من غينيا الفرنسية، وهو مكان شكّل في القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين مستوطنة عقاب تابعة لفرنسا. يبدأ الفيلم من غرفة سجن الفريد درايفوس الذي تم إرساله الى هناك في العام 1894 ويواصل بين مواقع المكان المختلفة. ان الاطار شبه التوثيقي يُظهر السكان المحليين وقراهم عاصمة غويانا الفرنسية كايين، ومدينة كورو – وهي ضاحية يعمل الكثير من سكانها اليوم في قاعدة اطلاق الاقمار الصناعية التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية. ترافق الصورة مقاطع بث لقصة شاعرية ومجردة عن تساؤلات حول بدايات السينما والتصوير السينمائي. نص البث الذي كتبه داني ياهف برأون، يروي قصة مصور غير معروف يوصف فقط بـ "المصور". يذكر النص عددا من آباء السينما الغربية مثل الاخوة لوميير (Lumiere)، جورج ميليس (Méliès)، احد رواد السينما الصامتة والذي انتج فيلما مؤسسا وفقا لقضية درايفوس عام 1899، فرانكيس دوبلييه (Doublier) احد اوائل مصوري السينما الذي زيف عام 1898 فيما وثائقيا حول القضية، وفيليكس لوي رينو (Felix-Louis Regnault) احد رواد التوثيق السينمائي الاثنوغرافي3. الصور في الفيلم لا تطابق النص بشكل دقيق. فالمذيع يروي قصة مجردة بدون ذكر ما يمكن ان يسهل فهم السياق الذي يربط الصور بالصوت. وهذا قطع اضافي بين المضمون والصورة (بين البث والصور، ولكن ايضا بينهما وبين المضامين التي في صلب القصص خلف الصور والنص. مثال يؤكد هذا هو درايفوس، احد أبطال المكان الذي لا يذكره الراوي باسمه). وهكذا تنجرّ الصور الى قصة البث غير المفهومة والمتأرجحة. وعلى طول الفيلم تظهر صور منزوعة المضمون، مشوشة، الكاميرا غير مستقرة بل انها في نهاية الفيلم تتأرجح للأعلى والأسفل، فيما تركز من مرة الى اخرى على اشياء في فضاء مدينة كورو.

 

La Solitude, 2016A.jpg

نير عفرون، La Solitude, 2016 لقطة من فيديو، 2016
نير عفرون، La Solitude, 2016
لقطة من فيديو، 2016

La Solitude.jpg

نير عفرون، La Solitude, 2016
نير عفرون، La Solitude, 2016
منظر تنصيب، متحف تل أبيب 2016. تصميم فضاء: دان حسون. تصوير: العاد سريغ

 

الصور التي تم إنتاجها بمساعدة كاميرات وحواسيب، والعمل عليها بأشكال تشدد القطع بين الاسس المحددة (أبعادها عن الارض، التأرجحات، التشويشات، مطّ الاوقات، تشويش قوة الجاذبية والظروف الطبيعية، افراغ المواقع من المضامين التي تفعلها بشكل عام، ومن طابعها، تفاصيلها التي تشخصها والنشاطات الانسانية والاجتماعية المرتبطة بها)، تتجسد في الاشكال الجمالية التي اختار عفرون من خلالها اعطاء معنى لأمكنة واشياء يقوم بالإشارة اليها. بالإضافة الى ذلك، فإن التفاصيل الحيوية التي تنتج السياق الراهن للمواقع والقصص المذكورة، غير موجودة، والمؤشرات المقلصة بظهورها الجمالي، تشوش الانتباه عن الرواية التاريخية.
الصورية المجردة مشددة ايضا في الناحية النحتية لأعمال الخشب، التي تنتج شعورا يتحول فيه الفضاء الكبير الى فارغ على الرغم من انه يحتوي على مبان كبيرة الاحجام. وهي تنتج وهما لمبنى مؤقت، خفة وبساطة، ايضا في الشكل الذي تبعد فيه الاعمال عن الارض. ويبرز عنصر المؤقت أمام القصص الثقيلة والمركبة الماثلة في اصل انتاج الصور.
الشعور الناتج من التجول في المعرض هو ان المضامين التي يتناولها عفرون تطفو بدون سياق راهن، واضح و"محدد"، وان وجودها يقف على سقالات جمالية فوق زمنية. الخلاصة هي ان كل شيء كأنما يقف في الهواء ومفصول عن المؤسسة.

 

Masad_general view_001.jpg

نير عفرون، "أساس"، 2016
نير عفرون، "أساس"، 2016
منظر تنصيب، متحف تل أبيب 2016. تصميم فضاء: دان حسون. تصوير: العاد سريغ

 

ومع ذلك يبدو ان شكل معالجة عفرون للمضامين وحتى شكل التنصيب يؤدي الى حد ما لجعل القصص المركبة فائضة عن الحاجة – يمكن للمواقع ان تكون ايضا كل موقع آخر بدون أي تحديد. ان التقليص الناجم يروي التجربة الفنية التي تحاول تواسُط تلك القصص نحو وحدة صورية، جمالية، منظوميه ما بما لا يقل عن عجز التصوير عن عرض الحقيقة حول مواضيعه. وعلاوة على ذلك، فربما يشير الى فشل التجربة الفنية كبقايا للحداثة.

من وجهة النظر هذه، تفشل الاعمال في استحضار المظالم والاحداث العينية بشأن الامكنة، لكن المعرض ينجح في ان القطع عن الاساس و "الفشل" في تواسُط القصص كصورة فنية مجردة، تروي قصة اوسع – قصة كل موقع وكل مكان وقع فيه ظلم سياسي لا يمكن تواسطه، احتواؤه، فهمه بعمق او صقله في الحاضر. وهكذا ينجح المعرض في الإشارة الى تجارب التوحيد والقطع كصور تسير معا، تفرغ المضمون، تبعد العينية وتشدد على مصاعب التواسط في الحداثة ، تلك التي لعب التصوير والسينما دورا هاما فيها.

 


(معرض نير عفرون "أساس" عُرض في متحف تل أبيب، 22 حزيران حتى 24 تشرين الأول 2016، قيّمة المعرض: الين غنتون)

 

 

 

  • 1. نيسان بيريز "حول المتاهة البصرية لدى نير عفرون" ، نير عفرون فاز بجائزة الفن البصري في مجال التصوير على اسم ميرون سيما عام 2015 (كتالوج معرض، قيم: د. نيسان بيريز ، بيت الفنانين القدس، شباط/ايار 2015)، بيت الفنانين في القدس ، 2015
  • 2. الين جنتون "نير عفرون: تاريخ معمار وسينما"، اساس: نير عفرون اعمال فيديو ، فيلم وتصوير 2009- 2016 (كتالوج معرض، قيم: الين جنتون، متحف تل ابيب للفنون، 21 حزيران – 23 تشرين الاول 2016)، متحف تل ابيب للفنون، تل ابيب- يافا 2016، ص 208
  • 3. المصدر أعلاه، ص 210