
الجديلة الأولى
نشأت فاطوش إروين (Fatoş İrwen) كواحدة بين تسعة إخوة وأخوات في قلب ديار بكر التاريخية، وكانت تختفي أحيانًا لثلاثة أيام دون أن يلحظ أحد غيابها. كانت تخرج بمفردها، وتتجول في الشوارع كنوع من التسلية، وأحيانًا كانت تجد ملاذًا في منزل جدتها. في قلب المنطقة الكردية من تركيا، حيث اللغة الأم لمعظم السكان مشتركة مع أقلية عديمة الجنسية تعيش على تخوم إيران والعراق وسوريا، تتذكر إروين أن "الكثير من المجانين" كانوا يعيشون في العراء.
ذات يوم، رأت شقيقتها أطفالًا يضايقون ويرشقون رجلًا مختلًّا بالحجارة، بينما كان يحاول حماية رأسه بيديه. ولما لم تُجْدِ صرخاتهم نفعًا، شكّلتا بجسديهما حاجزًا بشريًا لحمايته، بل ورشقن الأطفال بالحجارة أيضًا. تقول إروين: "في ذلك اليوم، تحوّلت المواجهة إلى معركة دموية في الشارع"، وذلك في مقابلة مكتوبة أجريت معها هذا الصيف. وأضافت:
"لطالما أقلقني الأذى الذي يُلحقه من يعتقدون أنفسهم طبيعيين بأولئك الذين يُصنَّفون خارج معايير 'الطبيعي'. لهذا السبب، يمكنني القول إنني سعيت دائمًا إلى بناء علاقة أكثر صدقًا مع الكائنات غير البشرية. مثلًا، كنت أجمع الحشرات. وحتى اليوم، أكبر أحلامي هو أن أتمكن من التحدث إلى الحشرات". وتتابع:
"الوجوه المظلمة للإنسانية، العنف، مشاعر الرحمة، أنماط الطبيعي وغير الطبيعي، وطرق تعاملنا معها، كلها قضايا مترابطة. كل سمة تكشف حقيقتها وحدّتها عندما تواجه الآخر."
وجدت إروين في التلاشي والاختفاء مصدرًا للقوة. ففي تخيلها لغيابها في أذهان الآخرين، زرعت بذور الإبداع الذي رافقها حتى في أحلك فترات حياتها – كالفترة التي قضتها في السجن بين عامي 2017 و2020 في ديار بكر، بسبب مشاركتها في احتجاجات ضد عنف الدولة وعدم المساواة بين الجنسين. هناك، في ظلمة الزنزانة، وفي غيابها عن الأنظار، بدأت تستخدم مادة شكّلت جوهر ممارستها الفنية: شعرها.
في موطنها، غالبًا ما يبقى الشعر - تلك الخيوط الملوّنة من البروتين التي تنمو من فروة الرأس - مستترًا، على الرغم مما يرمز إليه من طاقة أنثوية. في مقالتها "مُغطاة" في مجلة النيويوركر، كتبت الكاتبة التركية-الأميركية أليف باتومان عن الحجاب في مدينة باتمان القريبة من ديار بكر:
"كان يعني ما تريده المرأة أن يعنيه - وهذا بالضبط ما جعل الآخرين يشعرون بعدم الارتياح".
خرجت إروين من هذا السياق، لتصبح معلّمة فنون في إسطنبول، وفنانة في قلب الثقافة المعاصرة في تركيا. في أعمالها، تكشف الشعر - شعرها - بوصفه مادة متعددة الدلالات. سواء جمعت خصلاته في كُرات مشدودة أو مهترئة بألوان وأحجام متنوّعة في عملها كرات المدفع (2019)، وهو عنوان ساخر يلمّح إلى هشاشة هذه المادة رغم رمزيتها في الثقافة الكردية، أو حين استخدمته لرسم البنية الداخلية للسجن في عملها هشّة (2019)، فإن جمع شعرها كان امتدادًا لتقاليد أمومية وهوس شخصي.
تقول:
"كانت أمي تقول إنه إذا رميتُ شعري على الأرض أو في القمامة، سأصاب بصداع وأمرض. لذلك، كنت أجمعه وأحتفظ به. ومنذ الطفولة، كنت أعمل على مشروع باستخدام الشعر الذي جمعته".
وتضيف:
"في سنوات الجامعة، أصبح الشعر الذي جمعته جزءًا من أفكاري الفنية ووجد مكانه في أعمالي... ومع مرور الوقت، صار هذا المجال وكأنه يحمل كلّ قوتي".
الجديلة الثانية
حين كانت فتاة صغيرة، خرجت فاطوش إروين إلى العمل. لم يكن للفنّ أي قيمة تُذكَر في بيتها، ولا في المجتمعات المحيطة بها، التي كانت تعيش تحت وطأة أزمات سياسية متواصلة. بدافع الشوق إلى الاستقلال، تعلّمت أن تحلّ مشكلاتها بنفسها، أن تواجه الكوارث وجهًا لوجه، وأن تتصدّى للقضايا التي كان من شأنها أن تقيّدها بحياة لا تشبه ما تطمح إليه. من هنا، تشكّل لديها ذلك العناد، الذي تراه، كما هو الحال لدى كثير من المبدعين، السِمة الجوهرية التي تحدّد الإرادة في أن تصبح فنانة فاعلة. تقول:
"كنت في بيئة مزدحمة، في بيت يغلب عليه الحضور النسائي، وكانت كلّ القضايا المتعلّقة بالأنوثة تتداخل بطبيعتها مع عناصر العنف المختلفة التي أفرزها المناخ السياسي العام. كنتُ قد صنعتُ لنفسي مساحة حرية نابعة من عدم الظهور. ولهذا، لم تكن فكرة التواري عن الأنظار معضلة بالنسبة لي؛ بل على العكس، تحوّلت إلى فضاء عشتُ فيه حريّتي."
ومع ذلك، تصف نشأتها بأنها كانت مهدّدة باستمرار على مستوى الحريات الشخصية. فالمخاطر الدائمة، والنزاعات المتواصلة، قوّضت كل أمل في المستقبل، حتى إن مجرد التفكير بوجود "ما بعد الآن" لم يكن واردًا. كان الحُلم، أي الإيمان بأنّ زمنًا آخر قد يأتي، يتطلّب حسًّا داخليًا حاميًا، احتفظت به لنفسها. تُضيف:
"في بيئة كهذه، قد يبدو الفنّ أمرًا غير ضروري، وربما عديم الجدوى، كما لو أنه لا يقدّم شيئًا للمستقبل. لأنه، ببساطة، لا يوجد مستقبل. لكن الحُلم، حتى وإن تعلّق بمستقبل غير موجود، هو الشيء الوحيد الذي يَحول الحياة، ويُغني اللحظة، ويمنحها سببًا لِما بعدها."
ورغم غياب أي دعم لإبداعها أو تعليمها، واصلت إروين الإنتاج والدراسة، غالبًا بمفردها وفي الخفاء، من دون فخر، ومن دون إعلان عن الذات. تلك المثابرة على البقاء في الظل، مع الاستمرار، هي التي أعدّتها - ولو بشكل غير مباشر - للصمود كفنانة خلال فترة السجن. وبعد إطلاق سراحها، واصلت العمل بلا انقطاع، حيث تشمل مسيرتها الفنية أيضًا الأعمال التي أبدعتها خلف القضبان.
تقول:
"كانت مسؤولية إنجاز الأشياء سرًّا بمفردي ثقيلة بما يكفي، وقد فعلتُ أشياء كثيرة في الخفاء حتى لا أجعل حملي أثقل. حين أعود بذاكرتي اليوم، أقول إنني سعيدة لأنني فعلت ذلك. فلو لم أعش تلك التجربة في الماضي، لا أظنّ أنني كنت سأتمكّن من إنتاج كل ذلك العمل، وتهريبه إلى الخارج، رغم كلّ الضغوط في السجن."
الجديلة الثالثة
أثناء بينالي ماردين الخامس، الذي أُقيم بين مايو ويونيو عام 2022، استُحضرت في ذهن فاطوش إروين صور التمييز وعدم المساواة التي تواجهها النساء في منطقتها. فمدينة ماردين، مثل باتمان وديار بكر، تقع في قلب المنطقة الكردية ذات الأغلبية في تركيا، وتعاني من محافظية دينية وثقافية تثقل كاهل النساء، لا سيما في الفضاء العام.
بوصفها فنانة مشاركة وواعية تمامًا للبُنى التقليدية في المجتمعات الكردية بتركيا، لاحظت إروين أن الفنانات كنّ أكثر حساسية إزاء مرور الوقت. لم تكن لديهنّ حرية اللقاء أو السهر كما هو الحال مع الفنانين الذكور؛ ففي حدود الساعة الخامسة أو السادسة مساءً، كنّ يعدن إلى بيوتهنّ، وليس دائمًا بإرادتهنّ. تقول:
"يمكنني القول إن الفنانين، والقيّمين، أو أيّ جهة أخرى قادمة من الغرب، ساهمت دائمًا في تكريس هذا الهيكل السلبي. كانوا يحاولون التعرّف إلى وجود الفنانات عبر الفنانين الذكور. من خلال اختيار عدد محدود من الفنانين الذكور والعمل معهم، وتجاهل الفنانات في منطقة تعجّ بعدم المساواة، أسهم القيّمون في تعميق هذه الفجوة."
وبعيدًا عن نطاق الفنّ، لا تتردّد إروين في الإشارة إلى الصراعات الأوسع التي تظهر في هيئة اعتداءات دقيقة أو تغييب متعمّد داخل أنشطة ثقافية تبدو ظاهريًا بريئة. سواء في توسيع آفاق الفن أو "تفجير السياقات"، من الواضح أن الثقافة، سواء عُرّفت بشكل مستقل أو فُرضت من الخارج، أصبحت ساحة معركة أخرى يتم عبرها اختطاف نضالات الجماعات المهمّشة، تحت مظلة سلطة دولة منافقة.
تضيف: "أؤمن بأن قمع الأكراد في تركيا، حيث تمارس الدولة عنفًا منهجيًا، هو قضية تمسّ النساء بشكل مباشر."
وتقول ذلك في معرض حديثها عن نضال "حركة حرية المرأة الكردية"، موضحةً: "لقد استثمرت الدولة، التي تُدرك تمامًا الرموز الثقافية والتقاليد والحساسيات المرتبطة بها، في تعزيز هذا العنف التقليدي وتشجيعه. فعمليات الاستيعاب الثقافي، والإبادة، والاستعمار، هي مكونات متشابكة لحالة دائمة من الحرب. وكما نعلم، في كل حرب، النساء والأطفال هم أكثر من يدفع الثمن."
وعلى خلاف معظم النساء، برزت فاطوش إروين كصوت نسوي كردي واضح في مشهد الفن التركي، بفضل ولعها الدائم بالوحدة، والعناد الذي نبت من رغبتها في الحرية. استطاعت أن تتقبّل سوء الفهم والاختلاف من خلال بناء علاقات متساوية مع كل من تلتقيهم، متخلّية عن التحيّزات الشائعة في علاقات الصداقة، لتمارس نوعًا من المساواة الجذرية التي قد تُفهم خطأ على أنها انعزالية أو سلوك غير اجتماعي. لكنها، في جوهرها، تستند إلى محبة للذات تنبع من تجربة الوحدة ورؤية كونية. وكما تقول بإيجاز:
"قد يُخلط بين الصدق والألفة."
كطالبة في قسم الرسم وتربية الفن في جامعة دجلة في ديار بكر، كانت إروين تتجنّب الورش الفنية الجماعية المزدحمة، مفضّلةً الحقول والمساحات البديلة التي لا تُعدّ عادةً أماكن مناسبة للإبداع، بما في ذلك، في إحدى المرات، قبو تعجّ فيه الفئران. قدّمت فنجان قهوة لحارس المكان، فسمح لها بالعمل حتى وقت متأخر، حتى أنها في بعض الليالي كانت تفقد الإحساس بالزمن. ولأن القسم كان يقع خارج المدينة، على طريق ريفي بلا مواصلات عامة، كانت غالبًا ما تعود إلى مركز المدينة على ظهر جرار زراعي أو في شاحنة صغيرة.
تقول: "لم أحبّ المدرسة يومًا في حياتي. عندما كنت في الابتدائية، كنت أهرب دائمًا. كنت أشعر بملل قاتل. كنت ألجأ فورًا إلى مكان أستطيع فيه أن أكون بمفردي."
ومع ذلك، أصبحت لاحقًا معلمة فنّ في باتمان وديار بكر وإسطنبول.
وتضيف:
"أصبحت معلمة فقط لأنّ المهنة تتعلق بالفنّ. وأنا سعيدة بذلك، لأني كنت أعرف كيف أصل إلى الأطفال الذين يشبهونني، وإلى أولئك المختلفين."
الجديلة الرابعة
في أعمالها الفنيّة، التي تتنوّع بين الرسم، النحت، التنصيب (التركيب الفني)، والعروض الأدائية، غالبًا ما تعبّر فاطوش إروين عن ذاتها بشكل شخصيّ عميق. ومع ذلك، فإنّ قمع الأكراد لا يظهر في أعمالها بصورة مباشرة أو فجّة. تقول:
"أنا مهتمة بالواقع الاجتماعي الذي نشأت فيه: السلطة، الدولة، المناخ السياسي، الإقطاع، التقليدية، والتجارب والعمليات النفسية التي عشتها كشخص يناضل من أجل الحرية وسط كل هذا."
في نهاية المطاف، تُعدّ طفولتها المصدر الأساسي الذي يغذّي مشروعها الفنيّ. ففي ظلّ دوّامات العنف والعنصرية بين الأتراك والأكراد، تجد إروين صعوبة في احتمال الألم الناتج عن التواريخ المزوّرة، وثقل القضايا التي لا يمكن هضمها. وهكذا، يصبح الزمن عندها غير خطّي. تشرح: "بدأت تجربتي من الملاحظة، الشهادة، والنضال مع ما كان يحدث داخل عائلتي ومجتمعي. وبمرور الوقت، اكتسبت هذه التجربة بُعدًا وشكلاً تطوّر من النضال الخام إلى فعل إبداعي."
حين كانت طفلة، لم يكن مسموحًا لها بقصّ شعرها قصيرًا. لكنها، حتى لو أُتيحت لها الفرصة، لم تكن لتفعل. كانت تشعر أن شعرها يمنحها أجنحة، وكل خصلة منه كانت وسيلتها للطيران بعيدًا. كانت لحظات هروبها الأولى بمثابة عروض أدائية مبكّرة.
وفي مشهد فنيّ بات فيه الانسحاب أو الانكفاء موقفًا سياسيًا شائعًا بين العاملين في المجال الثقافي، استجابةً لحالة الانسداد الناتجة عن القمع والاعتقالات في تركيا، تبدو إروين أقرب من أي وقت مضى لهذا الاتجاه. عروضها الأدائية تجسيدٌ فعليّ للمقاومة؛ فهي تبرّر ذلك النوع من "الهجرة الداخلية" الذي ميّز تجارب المفكرين المناهضين للفاشية في ظل النازية، وشعراء الرفض في ظل الصهيونية، والمناضلين من أجل الحرية في أنحاء العالم.
في عرضها الأدائي Şiryan (2012–2015) ، المأخوذ من الكلمة الكردية التي تعني "تدفّق"، قامت إروين بثقب جلدها بإبرة كانت تستخدمها في طفولتها، وشوّهت بصمات أصابعها عمدًا، كفعل رمزيّ لمقاومة نظام الشرطة القمعي الذي يميز ضد الأكراد عبر التنميط العرقي.
وفي عمل آخر بعنوان Salt -2012 ، استجابت إروين لتاريخ الإعدامات العلنية التي تعرّض لها الأكراد في تركيا، خاصة بعد أن أُعدم أفراد من عائلتها لمجرّد كونهم أكرادًا. ذهبت إلى أماكن اشتهرت بحوادث الإعدام، وأدّت عرضها في بحيرة الملح التركية، بحثًا عن شفاءٍ أرضيّ لجروح لا تزال مفتوحة.
الفيديو الناتج عن هذا العرض، والذي لا تتجاوز مدّته ثلاث دقائق، يُظهرها تسير في المسطحات الملحية الجافة للبحيرة، مستذكرةً أفراد عائلتها الذين تعرّضوا للضرب أو الإعدام في مختلف أنحاء تركيا - بمن فيهم والدتها، التي تعرّضت للعنف في تلك المنطقة القاحلة. سارت إروين لساعات وسط المياه المفرطة الملوحة حتى نزفت قدماها، متحدّية سخرية المارّين. ولم تكن ترتدي سوى وشاح خفيف من نوع "تُلبَنت"، مثل ذاك الذي ترتديه "أمهات السلام الكرديات"، النساء اللواتي ينظّمن احتجاجات أسبوعية في قلب إسطنبول للمطالبة بكشف مصير أبنائهنّ المغيّبين أو المقتولين على يد الدولة. تقول:
"العقلية التي تسعى لمحو لغة وثقافة من خلال سياسات الاندماج لا تكتفي بتدمير الأجساد؛ بل تعيد تدمير الجسد نفسه، مرارًا وتكرارًا، حتى بعد فنائه." ثم تضيف:
"أفكر باستمرار: ماذا يمكننا أن نفعل في وجه شرّ لا يُرضينا؟ يمكننا أن ندير ظهورنا ونمضي. يمكننا أن نحاربه. أو يمكننا أن نحاول تحويله إلى شيء آخر، عبر الخَلق."










