درس في الهمس

معرضا اميلي جاسر وجمانة مناع الحاليان في لندن، يوفران لقاء مع استراتيجيات معكوسة للتعاطي مع محدوديات الذاكرة الأرشيفية. بار يروشلمي عن معرضَي الفنانتين

Advertisement

زوروا متجرنا الفوري دعمًا لتوهو بواسطة اقتناء طباعات فنيّة متوفّرة بإصدار محدود

الشكل الذي نفهم به ماضينا يقوم على كون الماضي زمنا منفصلا عن الحاضر. تنطوي إمكانية عيش الماضي من جديد على سحر ولكنْ أيضًا على تناقض – تناقض يوم الدين والآخرة الذي ينضم فيه الأموات للأحياء.

قبل نحو عقد من الزمن نجح باحثون في استنبات صنف قديم من شجر النخيل عمره 2000 سنة. وفيما يتجاوز الانفعال من الانجاز العلمي، أثار نشر البحث أسئلة أخلاقية ومبدئية بشأن فكرة إحياء أشكال حياة انقرضت من العالم، وإسقاطاته على علم الآثار – المجال الذي يقوم أساسًا على محاولة تخيّل، أو تذكّر، صور الماضي. مخاطبة الأموات لم تعد منذ وقت طويل مقتصرة على مستحضري الأرواح أو نابشي التراب. فمناهج التوجه الى الأرشيف، سواء كان المادي، البيولوجي أو الثقافي، تحولت الى جزء لا يتجزأ من إنتاج المعرفة الراهنة والتصديق عليها. هل يمكن إحياء ما ضاع ونُسي؟

 

מבט הצבה: אמילי ג'סיר, אירופה (חומרים לסרט, 2004-) גלריה ווייטצ'אפל, לונדון. 30 בספטמבר 2015 -3 בינואר 2016.. באדיבות האמנית צילום: דן ווייל

מבט הצבה: אמילי ג'סיר, אירופה (חומרים לסרט, 2004-) גלריה ווייטצ'אפל, לונדון. 30 בספטמבר 2015 -3 בינואר 2016.. באדיבות האמנית צילום: דן ווייל
نظرة تنصيب: إميلي جاسر، اوروبا، (مواد فيلم، 2004)
غاليري وايتشابل، لندن. 30 أيلول 2015-3 كانون الثاني 2016. بلطف من الفنانة تصوير: دان فايل

 

المعرضان الفرديان الراهنان في لندن يتناولان، لأول وهلة، الفن المظلم نفسه بإحياء الأموات. إميلي جاسر وجمانة مناع، فنانتان تمتد جذورهما عميقًا في أرض التعقيد الاسرائيلي-الفلسطيني، تستخدمان في معرضيهما الأرشيف كأداة لبحث هويات الماضي.

"أوروبا"، العمل الاستعادي لإميلي جاسر في غاليري وايتشابل، يسعى لتعقّب سيرورات الهجرة وكتم الصوت في الفضاء الأوروبي. تتطرق الفنانة في عملها الافتتاحي بالمعرض ( Material for a Film (2014 لقصة وائل عادل زعيتر، الكاتب والمفكر الفلسطيني الذي قتل عام 1972 بأيدي عناصر الموساد الإسرائيلي، حيث تم دمغه كمرتبط بمنظمة "أيلول الأسود".1 تستخدم جاسر مواد أرشيفية من حياة زعيتر وتخرج في رحلة تتقصى سيرة المثقف من خلال مقابلات مع أشخاص عرفوه وأبناء عائلته.

على مدخل فضاء العرض نقف أمام صورة تعرض جثة زعيتر وهي ملقاة على الشارع مغطاة بالدم. تعلن لنا الفنانة ان الموت العنيف غير قابل للتشويش، ولا يمكن تفادي التذكير الصريح به. لاحقا، يتألف العمل من غرفة دائرية تملي مسار الجولة فيها وتنتج ما يشبه التأريخ الزمني لموت معروف مسبقا. انطلاقا من معلومات صحفية أساسية عن ظروف وفاة زعيتر يتضح وجه شخص مثقف وداعية سلام، مما يضفي على شخصيته طبقة مناقضة لشخصية الإرهابي الخلافية.

احد المعروضات المثيرة للانفعال في المعرض هو صورة نسخة "قصص ألف ليلة وليلة"؛ كتاب حكايات شعبية عربية شكل أسطورة ومصدرا إلهام لكثير من المفكرين في فترة زعيتر، والذين اعتبروه عملا سياسيا إبداعيا. (بيير باولو بازوليني Pasolini، مثلا وضع سيناريو للكتاب عام 1974 بعد سنتين على وفاة زعيتر). الكتاب الذي عمل زعيتر على ترجمته الكاملة للغة الايطالية، وُجد في جيب فوق صدره خلال قتله وهو مثقوب برصاصة من جهته اليمنى.

بالنسبة لكل من يعرف أيقونوغرافية التخليد الإسرائيلية، فلا يمكن لصورة الكتاب الذي أطلق عليه الرصاص  أن لا يذكر بورقة كلمات قصيدة "أغنية السلام" التي كانت في جيب يتسحاق رابين يوم اغتياله. معا يشكل الكتاب والورقة سترتين واقيتين شاعريتين ولدتا بجانب الجسد المثقوب بالرصاص. وهما يظهران مجددا كموضوعين رمزيين يضافان الى هيكل الذاكرة الرسمية. انه نفس  Lieu de memoir (النصب التذكاري) الذي يكتب عنه بيير نورا (Nora)2 في كتابه حول ميكانيكية بناء ذاكرة الأمة، والمسافة غير القابلة للجسر بين التاريخ ككتلة متجانسة وبين الذاكرة كمركب متملص ومفصّل.

 

אמילי ג'סיר חומרים לסרט (פרט) (מברק: 18.10.1972)) 2004- מיצב מולטימדיה, 3 עבודות קול, עבודת וידאו אחת, טקסט, תצלומים וחומר ארכיוני. הוקם בחלקו בתמיכת הביאנלה של וונציה. © אמילי ג'סיר

אמילי ג'סיר חומרים לסרט (פרט) (מברק: 18.10.1972)) 2004- מיצב מולטימדיה, 3 עבודות קול, עבודת וידאו אחת, טקסט, תצלומים וחומר ארכיוני.  הוקם בחלקו בתמיכת הביאנלה של וונציה. © אמילי ג'סיר
إميلي جاسر مواد فيلم (تفصيل) (ألف ليلة وليلة لوائل زعيتر 2004)
إنشاء ميديا مختلفة، 3 انتاجات صوتية، فيديو واحد، نص، صور ومادة أرشيفية. أقيم جزئيا بدعم بينالي فينيسيا. © إميلي جاسر

 

في عمل سابق عنوانه  (ex libris (2010-2012, تم إنتاجه وعرضه للمرة الأولى في دوكومنتا 13، تتقصى الفنانة أثر أرشيف الكتب الموجود في المكتبة القومية في القدس، وفيها كتب أصحابها فلسطينيون تم طردهم أو هربوا من بيوتهم بعد عام 1948 وتم تأميم الكتب لصالح الدولة.3 صور الكتب موضوعة على رفوف أشبه بشواهد قبور بلا أسماء.

 

אמילי ג'סיר חומרים לסרט (פרט) (מברק: 18.10.1972)) 2004- מיצב מולטימדיה, 3 עבודות קול, עבודת וידאו אחת, טקסט, תצלומים וחומר ארכיוני. הוקם בחלקו בתמיכת הביאנלה של וונציה. © אמילי ג'סיר

אמילי ג'סיר חומרים לסרט (פרט) (מברק: 18.10.1972)) 2004- מיצב מולטימדיה, 3 עבודות קול, עבודת וידאו אחת, טקסט, תצלומים וחומר ארכיוני.  הוקם בחלקו בתמיכת הביאנלה של וונציה. © אמילי ג'סיר
إميلي جاسر مواد فيلم (تفصيل) (برقية: 18.10.1972) 2004)
إنشاء ميديا مختلفة، 3 انتاجات صوتية، فيديو واحد، نص، صور ومادة أرشيفية. أقيم جزئيا بدعم بينالي فينيسيا. © إميلي جاسر

 

المعنى المزدوج الكامن في العنوان ex libris، وهو مصطلح لاتيني يستخدم لوصف ملكية شخص أو مكتبة كتابًا معينًا، يرمز بسخرية إلى تصنيف تلك الكتب المصادرة بالحروف (AP) Abandoned Property "أملاك متروكة". إن عمل جاسر والبحث المرافق له يعكسان الإحباط الكبير جراء التفتيش في الأرشيف، وهو إحباط نابع من المسافة الراسخة في الشهادة الأرشيفية ما بين الموضوع وسياقه الأصلي، اللذين سيبقيان للأبد منفصلين ومشروخين الواحد عن الآخر.

تقوم جاسر بمعالجتها المشددة بإزالة الغبار عن تلك الكتب المخبأة، تجمع آثار قلم رصاص، أوراقا مطوية متآكلة، بقع أوساخ، واختصارات أسماء أشخاص باتت ذكراهم منسية. إن صور الماضي تهمس لها من كل جهة وهي تمشي كشبح ما بين الكتب المتروكة، تجعل التاريخ المجهول لمن اضطروا لترك بيوتهم، يطفو من خلال حضورها.

صحيح إن جاسر في هذا المعرض تهمس في آذاننا قصص أموات، لكنها تبقى متشظية وبلا ملامح. بهذا المفهوم ، فإن فعل الإحياء لديها هو فعل فعال لكنه يبقى ناقصا. فهل كل ما تبقى لنا هو النظر بألم نحو الماضي الموصود؟

معرض جمانة مناع، بالمقابل، يعرض فتحة تهوئة للجمود التاريخي نفسه. ففي فيلمها الأخير ( Magical Substance Flows into Me (2015المعروض حاليا في جاليري تشيزنهايل في المدينة، تتقصى آثار سيرة حياة عالم الاجتماع الإنساني روبرت لخمان (Lachmann, 1892-1939) والذي عمل خلال فترة الانتداب البريطاني في فلسطين كباحث في الموسيقى الشرقية.

 

ג'ומאנה מאנע חומר קסום זורם אל תוכי (2015). תצלום הפקה. הוזמן בשיתוף פעולה של המכון לאמנות שארג'ה וגלריה צ'יזנהייל עם מוזיאון מאלמו והביאנלה בסידני. באדיבות האמנית וגלריה CRG (ניו יורק).

ג'ומאנה מאנע חומר קסום זורם אל תוכי (2015). תצלום הפקה. הוזמן בשיתוף פעולה של המכון לאמנות שארג'ה וגלריה צ'יזנהייל עם מוזיאון מאלמו והביאנלה בסידני. באדיבות האמנית וגלריה CRG  (ניו יורק).
جمانة مناع. مادة ساحرة تجري داخلي
2015. صورة إنتاج. عمل طُلب بالتعاون بين معهد فنون الشارقة وغاليري تشيزنهايل ومتحف مالمو وبينالي سيدني. بلطف من الفنانة وغاليري CRG (نيويورك)

 

تبحث مناع في كتابات لخمان وتسجيلات من برامج راديو قام بتقديمها، وأسمع فيها وحلل تسجيلات ميدانية من مختلف المجتمعات التي عاشت في فلسطين تلك الفترة. فتخرج الى رحلة تصوير في أعقاب تلك المجتمعات، في محاولة لإعادة فهم بحث لخمان ولكن من خلال عينيها في الحاضر. الفيلم مقسم الى فصول حيث ان كل فصل يصف مجتمعا مختلفا: السامريون ، البدو، اليهود المغاربة، الأكراد، اليمنيون ومجتمعات فلسطينية في الضفة الغربية للأردن. حين يتم وضعهم مقابل الكاميرا تطلب منهم ان يسردوا عن ثقافتهم وتقاليدهم الموسيقية القديمة التي حفظوها. وهم من جهتهم، يقفون جميعا ليقدموا لحظة من هويتهم الموسيقية. ومن خلال أصوات العزف والغناء يضعون بين أيدي الفنانة معرفة تتجاوز الأجيال، لم تكتب في كتب ولا يمكن لأية مكتبة أن تخزنها.

في احد المشاهد توثق مناع قبيلة بدوية، وهي تتوجه الى من يبدو كشيخ هذه القبيلة، وتسمعه مقطوعة عزف على الربابة قام لخمان بتسجيلها في القبيلة نفسها قبل سبعين سنة. الشيخ ، الذي لم يعزف منذ عشرين عاما، يمتلئ بالانفعال ويطلب ان يعزف لها، لكنه يستصعب استعادة جودة اللحن.

تبدو مشاهدة الفيلم كتحليق الطائر بين الهويات المختلفة التي تزورها الفنانة. وهي تنسج بنظرة متسامحة صورة متفرعة لمجتمعات القدس ومحيطها من خلال فولكلور ثري من الغناء واللحن. توجه كاميراتها الى الوجوه، الى الحميمي: ها هنا مطبخ، وهنا حديقة بيت، وخيمة. يبدو انه من اجل توثيق تلك المعزوفات يجب عليها الدخول الى الغرف الداخلية. الحياة في الخارج لا تسمح بمعايشة تلك اللحظات النادرة، ولا يمكن سماع هذه المحادثات والمعزوفات داخل حشد صارخ.

"ماذا يعتقد اهلك عما تقومين به؟"، يسأل الفنانة والد زوجها في بداية الفيلم. وهي تشرح بإسهاب عن عملها. يبدو أنها هي أيضا تستصعب وصف عبء المشروع الذي أخذته على عاتقها.

 

ג'ומאנה מאנע חומר קסום זורם אל תוכי (2015). תצלום הפקה. הוזמן בשיתוף פעולה של המכון לאמנות שארג'ה וגלריה צ'יזנהייל עם מוזיאון מאלמו והביאנלה בסידני. באדיבות האמנית וגלריה CRG (ניו יורק).

ג'ומאנה מאנע חומר קסום זורם אל תוכי (2015). תצלום הפקה. הוזמן בשיתוף פעולה של המכון לאמנות שארג'ה וגלריה צ'יזנהייל עם מוזיאון מאלמו והביאנלה בסידני. באדיבות האמנית וגלריה CRG  (ניו יורק).
جمانة مناع. مادة ساحرة تجري داخلي
2015. صورة إنتاج. عمل طُلب بالتعاون بين معهد فنون الشارقة وغاليري تشيزنهايل ومتحف مالمو وبينالي سيدني. بلطف من الفنانة وغاليري CRG (نيويورك)

 

وهي تقرأ بصوت عال من الأوراق الصفراء في سجلات لخمان وكأنها تحاول بواسطة صوته فهم خلجات صدر باحث الموسيقى المتوفى الذي تجري معه حوارا. ان المشرق، كما تحاجج المرة تلو الأخرى في فيلمها، ليس سوى وهما غربيا يشجع الانتقال. صحيح أن وجه الأرض مشروخ ولكن تحتها توجد شبكة من العلاقات والتفرعات التحت أرضية المنجدلة معا، وتجسر على ما يعجز سطح الأرض عن جعله يلتئم.

ان معرضي جاسر ومناع المعروضين بالتزامن في المدينة نفسها، يوفران لقاء استراتيجيات متعاكسة من التعاطي مع محدوديات الذاكرة الأرشيفية. في حين ان جاسر تستخدم المادة الأرشيفية كأداة تأشير الى ما هو غائب، نحو المعلومة والسرديات الناقصة؛ فإن مناع تتبنى توجها أجرأ بكونها تتقصى المادة الأرشيفية كنقطة انطلاق أو خارطة طريق. بواسطة كاميراتها والمقابلات التي تجريها تحاول فهم تركيبة ملامح المكان الذي تعيش فيه الآن، وتتقصى أثر المسار الجاف، تذهب بكثير من المهارة في أعقاب مصدر المياه المستتر. لا حاجة لإيقاظ الأموات، كما يتضح. فهم يسيرون حولنا، متحجرين أحياء في  تواريخ يبدو أنها انقرضت من العالم.

 

معرض إميلي جاسر في غاليري وايتشابل في لندن يعرض حتى 3 كانون الثاني 2016.

معرض جمانة مناع في جاليري تشيزنهايل في لندن يعرض حتى 13 كانون الاول 2015.

 

  • 1. منظمة إرهاب فلسطينية نشطت في سبعينيات القرن الماضي. عُرفت خصوصًا بسبب خطف وقتل أحد عشر رياضيًا اسرائيليا في ميونيخ، 1972.
  • 2. Nora, P. (1989). Between Memory and History: Les Lieux de Mémoire. Representations, (26), 7-24
  • 3. تجدر الإشارة هنا الى البحث الذي أجراه د. غيش عميت وكشف القضية قبل عدة سنوات: غيش عميت "بيع الكتب لمن فازوا بمناقصة شراء نفايات ورقية"، مجلة مطاعَم، 12، 2007. يُنظر أيضًا: غيش عميت، اكس لبرس، تاريخ من النهب، الحفظ والتملّك في المكتبة القومية بالقدس، معهد فان لير ودار هكيبوتس همئوحاد للنشر، القدس 2014 (ترجمة غير رسمية)