هذا ليس مسدسًا

لماذا يُنظر الى البشرة السوداء في الحيز العام داخل الولايات المتحدة الامريكية على أنها تهديد؟ لماذا يُقدَّم فتى بريء عمره 17 عام في الاعلام الأمريكي بصفته بلطجيًا؟ ولماذا يتحول، ساندويش، مجموعة مفاتيح، كتاب توراة او زجاجة شاي على أنها أسلحة تؤدي الى إطلاق النار على مواطنين أبرياء؟ روتم روزنطال تكتب عن مشروع الفنانة كارا ليفين "هذا ليس مسدسا" الذي يرد على عشرات حالات إطلاق النار من قبل عناصر الشرطة على مواطنين – ومعظمهم رجال سود – نتيجة لخطأ في التشخيص.

 

تعود بدايات مشروع هذا ليس مسدسا (This Is Not a Gun)، للفنانة كارا ليفين، الى مقالة نشرت في مجلة هاربرز Harper's عام 2016، تحت عنوان "تحذير زناد" (Trigger Warning). وقد ضمت هذه المقالة تفاصيل، ابتداء من العام 2001 وما بعد، عن أن الشرطة شخّصت أغراضًا بشكل خاطئ على أنها أسلحة – وهو تشخيص خاطئ أدى الى إطلاق النار من قبل عناصر شرطة على مواطنين. بين تلك الأغراض: جزدان، ساندويش، مجموعة مفاتيح وكتاب توراة. ليفين التي اطلعت على هذا التقرير، تكتب في منشورات على صفحة حسابها في الإنستغرام، وتقول إن ما شد انتباهها كان ما لم يظهر في ذلك النص: تفاصيل تعرّف بالمواطنين الذين تم إطلاق النار عليهم – أسماء، اعمار وانتماء اثني. في ذلك الشتاء، دفع لقاؤها مع مع هذا النص الى مشروع بدأ في الاستوديو الخاص بها. لقد بدأت تنقش في الخشب تلك الأغراض التي وردت في المجلة. لاحقا نظمت ورشة سيراميك تحت عنوان "هذا ليس مسدسا" بالمشاركة مع منظمة 100Days Action وهي عبارة عن مجموعة فنانين تعقد لقاءات فنية مع ناشطين وتقوم بتشكيل مجتمع ناشط من خلال اعمال إبداعية، وكذلك بالمشاركة مع الفنانة اماندا ايخير (Eicher) ومتحف Tenderloin في سان فرانسيسكو. منذ ذلك الوقت عقدت ليفين 17 ورشة مشابهة أخرى، وشارك فيها مئات الفنانين الذين يحاولون خلق حيز يخلو من إطلاق الاحكام المسبقة ويمكّن من التفكير والمواجهة معا امام العنصرية ومظاهرها الراهنة والتاريخية. بين المؤسسات التي أجرت معها تلك الورشات، والتي عرضت فيها عناصر منحوتات جرى انتاجها في إطار المشروع، كانت منظمة Creative Time في نيويورك، متحف الفنون بيركلي ومتحف جيفين للفنون المعاصرة في لوس انجلس.

المرحلة الراهنة من المشروع تجسدت في كتاب يحمل الاسم نفسه، وفي اطاره يقوم 40 مبدعا، كاتبا وناشطا بالتعقيب والرد بواسطة نصوص وصور على الأغراض التي اشتبه بأنها أسلحة. هذه الردود او التعقيبات وردت في الكتاب حسب التسلسل الزمني، للوقت الذي وقعت فيه الحادثة ابتداء من العام 1999. كل تعقيب مخصص لمواطن أصيب برصاص الشرطة. لم يقتَلوا جميعهم. 83% منهم هم رجال سود. قبيل الانتخابات الامريكية بوقت قصير، حين كان مواطنون واقفين على امتداد ساعات في مراكز الاقتراع، حين كان الرئيس ترامب ينشر ويعمم نظريات مؤامرة بخصوص صلاحية ومصداقية وسائل التصويت، وحين كانت البلاد ما زالت تغلي من المظاهرات ضد عنف الشرطة والصدامات المتواصلة بين حراك Black Lives Matter وبين معارضيهم، بدا ان هذا الكتاب والزاوية الحميمية التي يطل منها يخلقان، ربما أشبه بالورشات التي عقدتها ليفين، حيزا يمكّن من القاء نظرة متعمقة على حالات متفرقة من انعدام العدل، والتي تسمى معا كمجاميع ألم يصعب وصفه، ليس معقولا وليس ضروريا. حين تدعو ليفين مبدعين وكتابًا الى المشاركة بنصوص او بصور كرد على الاحداث، فإنها توسّع القصة الشخصية للمصابين والقتلة وتربطهم معا ضمن تجربة جماعية. هكذا تزداد إمكانية اصلاح علاقات الرؤية، وتوجيه النظر نحو من لم يتمكن من المشاركة في هذا الحيز المدني.

 

this-is-not-a-gun.jpg

غلاف كتاب "هذا ليس مسدسًا" (2020)، تحرير كارا ليفين، إصدار Sming Sming Books & Candor Arts  بلُطف Sming Sming Books & Candor Arts
غلاف كتاب "هذا ليس مسدسًا" (2020)، تحرير كارا ليفين، إصدار Sming Sming Books & Candor Arts
بلُطف Sming Sming Books & Candor Arts

thisisnotagun-back.jpg

غلاف كتاب "هذا ليس مسدسًا" (2020)، تحرير كارا ليفين، إصدار Sming Sming Books & Candor Arts  بلُطف Sming Sming Books & Candor Arts
غلاف كتاب "هذا ليس مسدسًا" (2020)، تحرير كارا ليفين، إصدار Sming Sming Books & Candor Arts
بلُطف Sming Sming Books & Candor Arts

 

ليفين، فنانة تقيم في لوس انجلوس، تفحص في اعمالها نقطة اللقاء بين الصادم، الوهمي، الفيزيائي والميتا-فيزيائي. في هذا السياق، This Is Not a Gun يضمن الثيمات المركزية لعملها في السنوات الأخيرة، والتي تتراوح ما بين النحت، الفيديو والنشاط الاجتماعي.1 قبل صدور الكتاب هذا العام، نشرت ليفين في الإنستغرام صورا فوتوغرافية من عمل كان يفترض ان يكون في المعرض الذي تأجل بسبب الكورونا، وذلك في محاولة لمشاركة المتابعين إحباطها العميق من التقلبات السياسية حولها، والشكل الذي تؤثر فيه على الحياة اليومية. عمل الفيديو لقد بكيت مرة أخرى حين استمعت للأخبار، (Cried Listening to the News Again)، هو توثيق فيديو لمدة 24 ساعة لبالونات هيليوم تتهجى عنوان العمل، والتي علقتها الفنانة ما بين شرفات البناية التي تعيش فيها في هوليوود. بالنسبة اليها، كانت هذه طريقة للتفكير بالشكل الذي نتقاسم فيه معا مشاعر شخصية في حيزات عامة وكيف نتواصل بالمشاعر الواحد مع الاخر – وهي مسألة تعززت مع الاغلاق الذي عاشته كاليفورنيا بسبب الكورونا.



475A7421-41.jpg

ورشة في إطار "مؤتمر لأجل الحريات"، كارا ليفين، أنجيلا هنسي وكنديس فرايس
ورشة في إطار "مؤتمر لأجل الحريات"، كارا ليفين، أنجيلا هنسي وكنديس فرايس

475A7291-16.jpg

ورشة في إطار "مؤتمر لأجل الحريات"، كارا ليفين، أنجيلا هنسي وكنديس فرايس
ورشة في إطار "مؤتمر لأجل الحريات"، كارا ليفين، أنجيلا هنسي وكنديس فرايس



ترسم المؤلفة والناقدة الثقافية الينا جروس Gross في مقدمة الكتاب التقلب ما بين المعروف والغريب وما بين المفهوم وغير المفهوم، وهو ما يميز الردود المتسرعة لعناصر الشرطة. فهم يشخصون الأغراض خلافا لحقيقتها (هذا ليس مسدسا) وكذلك من يمسكون بتلك الأغراض (انهم لا يشكلون خطرا جديا على حياتهم). يرفض "المشروع" تقبل العنف البوليسي المخل بالقانون ويرفض سرديات الهيمنة والسيطرة التي تشخص مجموعة مفاتيح كقطعة سلاح ورجلا اسود غير مسلح على انه تهديد. "[...[ الهاتف المحمول هو هاتف محمول. مفتاح البراغي هو مفتاح براغ. هذا ليس مسدسا، ولن يكون مسدسا ابدا. هذا ما هو فقط". بالإضافة الى الحيز الذي تسعى الورشات الى فتحه وإنشائه للمشاركين بها، يبدو ان الكتاب يقترح أيضا حيزا إضافيا، حيزا آمنا يمكن طرح الأسئلة فيه، يمكن فيه رؤية انعدام المعقولية التي تميز حالات اطلاق الرصاص: الجزدان الذي تحول الى مسدس، المفاتيح التي تحولت الى مسدس، الجسد البشري الذي تحول الى تهديد. يعرض الكتاب صورا لأغراض تشابه وتمثل الأغراض الاصلية (مثلث بيتسا، قفل، جزدان) والى جانبها تعقيبات نصية). عمليا، هذا العرض في الكتاب يفصل ويقطع الأغراض عن مشهد اطلاق الرصاص وبذلك يبرز مجددا ذلك التقلب ما بين المعروف والغريب، بين التشخيص وفشل التشخيص الذي تتحدث عنها جروس.



Christine Wong Yap, text for Barry Millsap_2.jpg

 كريستيان وونغ ياب "هذا ليس مسدسًا" (2020) تحرير كارا ليفين، إصدار Sming Sming Books & Candor Arts  بلُطف Sming Sming Books & Candor Arts
كريستيان وونغ ياب "هذا ليس مسدسًا" (2020) تحرير كارا ليفين، إصدار Sming Sming Books & Candor Arts
بلُطف Sming Sming Books & Candor Arts


الأغراض التي تم تشخيصها بشكل خاطئ على انها أسلحة وانتجها المشاركون في الورشات تبرق بشكل خاطف على طول الكتاب. هناك صفحتان مزدوجتان في مطلع الكتاب تفصل تلك الأغراض – بيتسا، ساندويش، نظارات شمسية، علبة معدنية مطعوجة. وهي تطل مرة أخرى، على نحو منفصل، قبل كل نص. التأويل النحتي الذي تقدمه ليفين يقطع تلك الأغراض ويفصلها مرتين. المرة الأولى عن المنظومة الاستخدامية وشكل ظهورها في الحياة اليومية، وفي المرة الثانية تقطعها عن الشكل الذي رآها الشرطيون في ايدي من تحولوا الى ضحايا إطلاق نار. حين تكون هناك أغراض منحوتة ومصنفة على ورقة بيضاء فهي تقريبا معدومة السياق، تقريبا بريئة تماما.

"This Is Not A Gun," by Cara Levine, for LAABF 2020

Cara Levine, This Is Not a Gun, an online workshop at the 2020 LA Art Book Fair

 

يبدو انه في هذه المرحلة تطفو إمكانية التفكير في تلك الأغراض داخل الكتاب على انها ايماءة سوريالية، اقتباس كابوسي للفنان البلجيكي رينيه ماجريت، الذي منح تأويلا مجددا لأغراض يومية وصادرها من معناها الأصلي بواسطة سلب مظهرها المعروف. في لوحته المعروفة من عام 1929، خيانة الصور، يظهر غرض نفهم انه غليون وترافقه كتابة مظللة، "هذا ليس غليونا". ماذا يحدث لجهاز الهاتف النقال حين يشتبه في انه مسدس؟ حين تقود الشبهة الى المساس البالغ بحياة انسان؟ وأليست هذه أفدح اشكال خيانة الصور؟

كيس حلويات سكيتلز وزجاجة شاي بارد (أريزونا)، "تمثل طفولتي وسذاجة معظم أبناء وبنات الشبيبة الذين ترعرعوا في2 Inner city". تكتب شامل بيل Bell في نص مخصص ومهدى لترايبون مارتين، الذي كان في ال-17 من عمره حين ظن جورج زيمرمان أنه تهديد حين كان يمشي في شارع وأطلق النار في ظهره. ، تكتب بيل أن سكيتلز والشاي البارد هي أغراض "اشعلت في البداية حراكا دوليا ضد العنف الممارس تحت رعاية الدولة". في فلوريدا، عام 2012، كان مارتن يمشي في شارع ماطر ورأسه مغطى بقبعة معطفه وبيده كيس سكيتلز. تصف بيل كيف ان الأغراض التي حملها بدأت تطل في النصوص التي كتبتها، في اعمال سمينار قدمته، وكيف انها تعمقت أكثر فأكثر في الاشكال التي ينظر فيها الى البشرة السوداء وحضورها في الحيز العام بشكل مسبق على انها تهديد، سلاح، مع تفضيل وسائل الاعلام الامريكية الصور التي ظهر فيها مارتن أشبه ببلطجي منه كفتى ساذج بريء عمره 17 عاما، لأنه كان في المكان غير الصحيح، في الوقت غير الصحيح، وبلون البشرة غير الصحيح، وكيف ان كيس السكيتلز وقنينة الشاي التي كان يحملها لم ينظر اليها كعلامة للسذاجة، وانما، مثلما حاول الاعلام اليمين ان يعرض الامر، كمشروب مقوى بعقاقير طبية، وذلك من اجل تعزيز الانطباع ان مارتن لم يكن بريئا.

على الرغم من أن المكالمات التي وصلت الى مركز الطوارئ اثبتت ان الشرطة طلبت من زيمرمان عدم تتبع وملاحقة مارتن، فقد تمت تبرئته من اية تهمة في المحكمة. ان تجربة الحضور والظهور المرئي في العالم بلون بشرة يُنظر اليه على انه تهديد، هي مسألة تتكرر في الكتاب. "افترض ان الرجال السود لا يمكنهم ان يمشوا بشكل اعتيادي في الشارع"، تكتب ليلى ويفور Weefur في نص مخصص لجوزف فينيل Fennel، وهو نص مكتوب من وجهة نظره: "انه لشعور غريب ان تمشي مع شعور من الترقب عديم الراحة خشية مما قد يحدث ومن ظهور رجال بيض بالزي الرسمي". فينيل تعرض لاطلاق الرصاص عام 2008، حين اشتبه في ان مجموعة المفاتيح التي كانت بحوزته هي مسدس.

 

cara1_small.jpg

קארה לוין
كارا ليفين

 

ينتهي الكتاب في أنبوب حوض استحمام (الذي اشتبه أيضا وفقا لعدد من البلاغات بأنه موقِد نار – "برينر"( وفي نص كتبه بروفيت ووكر (Waker) ويظهر على الصفحة كرسالة نصية، مع أخطاء الطباعة الاصلية. هذا النص مخصص لزهيد فاسيل (Vasseel) وهو رجل عمر 34 عاما قتلته الشرطة في كراون هايتس في بروكلين، بعد ان اشتبه شرطيون ان الماسورة التي كان يحملها هي قطعة سلاح. قام 4 عناصر شرطة باطلاق النار عليه عدة مرات، بعد ان تم تلقي بلاغات بأن الرجل يوجه مسدسا نحو المشاة والسابلة في الشارع. لم تتم محاكمة عناصر الشرطة. كان ووكر ضيف السيدة الأولى، ميشيل أوباما، في مناسبة الخطاب الرئاسي السنوي لأوباما عام 2015. وقد قضى في السجن ست سنوات بسبب سطو قبل ان يقرر تغيير حياته. بعد اطلاق سراحه من السجن انهى لقبا دراسيا في الهندسة، وبدأ يعمل كمهندس بناء وأسس Watts United Weekend وهو برنامج ينظم لقاءات في نهايات الأسبوع لمئات الناس لتعزيز العلاقات بين سلطات القانون، العائلات، أبناء المجتمع، أطفال وشبيبة ترعرعوا في احياء فقيرة. يكتب ووطر عن الشعور بالخوف الذي رافق سنوات نموه جنوب لوس انجلس في سنوات الثمينينات والتسعينيات من القرن الماضي: الخوف من يكون هناك ما تأكله، الخوف من معركة، رصاصة، عناصر شرطة. ويكتب انه في كل نهاية أسبوع كان ملاذه ساعات عمل مكثفة ونشطة في ساحة بيت عمته. هناك، حين كان طفلا عمره 9 سنوات، غرس اشتالا وعزق الأرض ونظفها من الأعشاب. وهو يكتب عن الشعور الذي رافق العمل الجسدي، الليموناده التي كانت تحضرها له عمته في نهاية العمل، وكيف انها كانت تتحرك على كرسي عجلات إثر التهاب مفاصل (روماتيزم) خطير، والى أي حد نجحت في انتاج وتشكيل حيز ممن الحب له ولأبناء عائلته، على الرغم من انها رفضت السماح له بإسقاء النباتات والمزروعات بالأنبوب المطاطي وهو أكثر جزء ممتع من العمل، تجدر الإشارة) والى أي درجة يرغب في انها معه اليوم الى جانبه والى جانب ابنته. بين الانبوب، النص، العنف المتربص في كل لمحة حياة وبين حيز العائلة الذي ينتج حولها محيطا امنا ومحميا، تبرز التناقضات المستحيلة اللامعقولة الكامنة في كل واحدة من هذه القصص، وفي كل واحد من الأغراض التي حسمت مصير من كانوا يحملونها.

  • 1. من أجل المكاشفة الضرورية، لقد شاهدت اعمالها في إطار مجموعة الفنانين اليهود التي اديرها في لوس انجليس The Institute for Jewish Creativity، كجزء من عملي في American Jewish University.
  • 2. أي، في الاحياء التي تقع خارج مركز المدينة، التي تقطنها مجموعات من الطبقة الاجتماعية-الاقتصادية الأكثر ضعفا وفي حالات كثيرة، هي مجتمعات سوداء على نحو أساسي.