فيلم حاضنة الشّمس لعمّار البيك: صور الزّمن والذاكرة

يقدّم فيلم عمار البيك "حاضنة الشمس The Sun’s Incubator نظرة غير مستقرة وغير خطية للثورات العربية من إطار محلي. تقوم مارجريتا فورستي بتحليل الزمنيّة المركّبة للفيلم، والذي تجلى بشكل رئيسيّ عبر موتيف شاشة التلفزيون.

Advertisement

يبدأ فيلم عمار البيك (من مواليد عام 1972، دمشق) حاضنة الشمس،1 بلقطة طويلة مثبتة على رجل يقف في شرفة وظهره إلى الكاميرا. الرجل هو المخرج عمار البيك نفسه، الذي نراه وهو يحدق في منظر حضري قاتم، وقد غسل المطر صروحه المجهولة. تنغمس الكاميرا في هذه الرؤية لفترة من الزمن، مما يمنح إحساسًا بأن الوقت لا يزال ساكنًا. هذه لقطة غير متحركة لرجل يواصل النظر، ومع ذلك فإن صوت المطر يذكرنا بأن الوقت ليس ساكنًاوإنّما يمر. إنه ليس تصويرًا للحركة، لا للشخصية ولا للكاميرا نفسها ، ولا هو من نوع الحركة التي يتم الحصول عليها من خلال مونتاج اللقطات. داخل الإطار ثمّة حياة إنسانيّة ساكنة، لقطة طويلة ثابتة تكاد توهم الناظرين بالتفكير في أننا نحدق في صورة.

مع ذلك، فإن صوت المطر حاضر ليذكّرنا بأن الوقت يتحرك إلى الأمام. بعبارة دولوز: ما نراه في هذا المشهد الأول هو صورة زمن عوض الصورة- الحركة. يكتب دولوز عن سينما الواقعية الجديدة الإيطاليّة، ونجد وفرة من اللقطات الطويلة التي تعرض الحياة اليومية بتفاصيلها الأكثر عاديةً والتي لا لزوم لها، ويميّز دولوز بين الصور التي تُضاف فيها الحركة من خلال المونتاج وصور الزمن، حيث الحركة قائمة في الصورة.2

pasted image 4.png

عمار البيك، حاضنة الشمس، فيلم، 11:57 دق. 2011
عمار البيك، حاضنة الشمس، فيلم، 11:57 دق. 2011
 

يتتبع فيلم البيك الذي تم إنتاجه عام 2011 تطور الثورة الشعبية المصرية وتأثيرها على الثورة السورية في ذلك العام من خلال منظور محلي خاص. المشهد التالي هو صورة مقربة لحوض يُرى من زاوية مائلة. تظهر يدا رجل في إطار الكاميرا ، في عملية غسل الطلاء الأحمر. وبينما يأخذ الطلاء في الانتشار فوق الحوض، نسمع خبرًا تليفزيونيا يبث حول المظاهرات المستمرة في القاهرة ضد حكومة الرئيس مبارك. المعلومات التي قدمها المراسل تموضع المشهد فورًا في لحظة زمنية محددة: بداية "الصحوة العربية" في عام 2011. موضوع الرؤية في هذه اللقطة هو اللون الأحمر؛ موضوع الصوت هو تقرير الأخبار في الخلفية. مرة أخرى، لا بالكاد توجد حركة في المشهد، لكنها موجودة في الصورة. تشير بداية هذه اللقطة الطويلة للرؤية والصوت النقيين إلى تفسيرات مختلفة. قد لا ندرك بشكل فوريّ أن ما تغسله اليدين هو الطلاء، إلى أن تختفيان لفترة وجيزة وتعود إلى المشهد ومعهما فرشاتان تغسلان بهما الطلاء.

للوهلة الأولى، يشير اللون الأحمر والتقارير حول المظاهرات في القاهرة إلى احتمال وجود تفسير مختلف، حيث يرتبط اللون الأحمر بالدم، والأخبار في الميدان بشرارات العنف مؤخرا. هناك معنيان يتبعان بعضهما البعض أو يتعايشان داخل فعل المشاهد والإصغاء من قبل المشاهد. قراءات محتملة ترمز إلى مجاز الطلاء ومجاز الدم: احتجاج سلمي مقابل احتجاج دموي. مدفوعًا بالحاجة إلى معرفة حقيقة القصة، نُترَك أمام سرد مزيف. كما يصف دولوز: لا يوجد خط تفسير واحد، وإنّما العديد من الخطوط المتعايشة خلال زمن اللقطة. السرد يزيف عندما يتوقف عن إعطاء الانطباع بأننا نواجه حقيقة واحدة فقط وأنّه، على العكس من ذلك، هناك مجموعة من الحقائق المحتملة أو حتى وجود مجموعة من الحقائق في نفس الآن. سعينا للحصول على إجابة واحدة مرفوض. السينما تكشف لنا "عجزنا عن التفكير".3

The Sun's Incubator - حاضنة الشمس

عمار البيك، حاضنة الشمس، فيلم، 11:57 دق. 2011

 

اللقطة التالية تنقل المشاهد إلى مصدر بث الأخبار. شاشة تلفزيون عن يسار مهدٍ، وكلاهما أمام الكاميرا. يتم عرض صور مباشرة للمتظاهرين من القاهرة، بينما يقدم صوتٌ شعارًا تكرره الحشود ("يلا نغير الدستور"، "ارحل، ارحل حسني مبارك!" ...).4 على يمين التلفزيون، تقوم أمّ بتغيير حفاظة الطفلة وإلباسها. تواصل ممارسة روتينها اليومي في غفلة عن الصور والأصوات أو متجاهلةً إياها، مما يشير إلى أنها أصبحت، من خلال التلفزيون، مجرد حضور آخر. تؤدي وفرة وتكرار صور الاحتجاجات إلى عدم مبالاة أولئك الذين يعيشون بجوار صورهم الإذاعية.

في المشهد التالي، تواجه الكاميرا شاشة التلفزيون مرة أخرى، والتي تم إيقاف تشغيلها الآن، على الرغم من أنه لا يزال بإمكاننا سماع نفس الأصوات الهاتفة عاليًا للمتظاهرين في القاهرة. عن يسار التلفزيون، تظهر امرأة من ممر مظلم وتبدأ في البحث عن سترتها في خزانة ملابس. هذه صورة زمن أخرى: في حين أن المونتاج الكلاسيكي كان سيمثّل فعل ارتداء السترة بدمج لسلسلة لقطات للتلميح له رمزيًا، أو حتّى قطع المشهد، باعتباره فائضًا عن الحاجة، فالسينما المصنوعة من صور زمنية يستهدف تحديدا هذه اللحظات التي تبدو غير ذات صلة وزائدة. تظل كاميرا البيك أمامية وساكنة، لتصبح شاهدًا على الإيماءات اليومية. أثناء البحث عن سترتها، تختفي المرأة خلف باب خزانة الملابس، حتى أننا لا نرى سوى ملصق مظاهرة مرتجل مصنوع من الورق المقوى، معلق على مقبض الباب، مكتوب عليه: "ارحل، الحريّة لمصر".5

 

pasted image 3.png

عمار البيك، حاضنة الشمس، فيلم، 11:57 دق. 2011
عمار البيك، حاضنة الشمس، فيلم، 11:57 دق. 2011

pasted image2.png

عمار البيك، حاضنة الشمس، فيلم، 11:57 دق. 2011
عمار البيك، حاضنة الشمس، فيلم، 11:57 دق. 2011
 

pasted image 1.png

عمار البيك، حاضنة الشمس، فيلم، 11:57 دق. 2011
عمار البيك، حاضنة الشمس، فيلم، 11:57 دق. 2011

 

شيء آخر، يبدو أنه بلا أهميّة، يحدث في هذا المشهد. تم إيقاف تشغيل التلفزيون ولكن لا يزال بإمكاننا سماع أصوات المحتجين. في حين أن اللقطات السابقة بدت تشير إلى مصر كواقع بعيد صار راهنًا فقط من خلال تمثيلها الإعلامي، يتساءل المشاهد الآن إذا لم يكن المتظاهرون في الشارع خارج هذا الزمن. ما افترض المشاهد أنه صحيح يصبح غير مؤكد. السرد مزيّف، ويزعزع الاستقرار.

يكتب دولوز أن السينما تقوم بفعل اللا-توطين، لأن "الشاشة ، بصفتها إطار الإطار، تعطي معيارًا مشتركًا للقياس للأشياء التي ليس لها معيار[...]".6 ومع ذلك، فإن اللاتوطين في هذا المشهد الخاص في فيلم البيك لا يتعلق فقط بكيفية احتلال الأجسام للفضاء. السؤال الأكثر جذرية هو: ما هو المكان والزمان اللذين يشغلهما على الإطلاق؟ الجواب بالتأكيد لا يمكن أن يكون أحادي الجانب. ما من شك في أن الفيلم تم إعداده خلال فترة الثورات العربية. ومع ذلك، فإن التعاقب الزمني المنطقي للأحداث داخل الفيلم يتأرجح. الأحداث ليست منظمة على طول التسلسل الزمني الخطي. عوض ذلك، ينتقل السرد ذهابًا وإيابًا من لحظة إلى أخرى. تتدفق أزمنة مختلفة إلى هذه المشاهد: أولاً، هناك لحظة الحاضر الفعلي، تلك التي تلتقطها الكاميرا؛ هناك لحظة التحضير للاحتجاج، والتي تكون فيها شخصيتان من فيلم البيك في حالة انتظار، تم عرضها بالفعل في المستقبل القريب؛ وأخيراً، فإن صوت المتظاهرين القادم من التلفزيون يردد صدى الماضي القريب. الحاضر الفعلي، المستقبل الوشيك، والماضي الفعلي.

في الواقع، فيلم حاضنة الشمس هو فيلم بيرغسونيّ. إنه فيلم عن الزمن ، عن حاضر لا يمكن فهمه، يكشف عن المستقبل، بعد أن صار ماضيا.7 فهم بيرغسون للزمن بصفته تعايشا، وليس كتعاقب لحظات، هو جوهر رؤية دولوز للسينما. أزعم أن فيلم البيك يمثل رمز هذا التعايش من خلال موتيف شاشة التلفزيون. تشترك جميع صور الفيلم في شيء واحد: شاشة التلفزيون كجهاز حفزيّ يوجه تدفق الزمن. في الواقع يتدفق الحاضر إلى الماضي من خلال شاشة، والعكس صحيح: أن يصبح الماضي حاضرًا مرة أخرى، ومتحقّق ومتذكَّر.

 

 

pasted image 0.png

عمار البيك، حاضنة الشمس، فيلم، 11:57 دق. 2011
عمار البيك، حاضنة الشمس، فيلم، 11:57 دق. 2011

 

يعمل البث التلفزيوني كإعادة لفهم بيرغسون للذاكرة. يشتهر بيرغسون بعمل إعادة تجميع الذاكرة من خلال صورة مخروط مقلوب، حيث تمثل النقطة تجربة فردية وظل الزاوية - الحاضر الفعلي. معا، يمثّلان تجربة الحاضر الفوري. من أقصى أطراف المخروط ، تتدفق جميع التجارب إلى السعة، محتلّةً أحد أقسامه، وهو منطقة من الماضي، لتصبح ذكريات صرفة. التذكر يعني أن يتم تحديد موقع الشخص افتراضيا في منطقة من الماضي، تحديد حدث ,وجلبه إلى السطح، إلى الزمن الحاضر. بالنسبة إلى بيرغسون، تأخذ الذكريات حالة الصور عندما يتم تذكرها فعليا. من ناحية أخرى، فإن الذكريات الخالصة، والذكريات التي لم يتم تذكرها بعد، هي صور افتراضية غامضة موجودة بشكل مستقل عن الحاضر الجديد الذي يمكن فيه جعلها حادة مرة أخرى، تم تذكرها.8 في فيلم البيك، يتدفق الحاضر الفوريّ من خلال شاشة التلفزيون إلى الماضي والوراء: تعرض شاشة التليفزيون صورًا من الماضي، وتصل بها إلى الزمن الحالي للفيلم. يتجسد الماضي في شكل صور ، وبالتالي ، ينقل الفيلم لنا ذكريات.

بالتصرف كمجاز للزمن البيرغسونيّ، تعرض شاشة التلفزيون الرحلة من الافتراضي إلى الفعلي والعكس. في اللحظة التي يمر فيها الحاضر عبر الشاشة، فإنه يصبح في عداد الماضي بالفعل. بالنسبة للزمن الذي تنتظر فيه الأحداث، فإنها تكون في حالة افتراضية، لا في الماضي أو الحاضر ولا تذكر، ولكن يحتمل أن تكون ثلاثتها معا. أحيانا، يبدو أن شخصيات الفيلم لا تولي أي اهتمام للشاشة. مع ذلك، لا تزال الصور تتدفق بوتيرة خالصة، مثل الذكريات الخالصة :9 الشخصيات غير مدركة لها في معظم المشاهد. هذه الذكريات التي تظهر على الشاشة، بالتالي، مستقلة عن وعي الفرد.

الزمن بصفته التعايش بين الأزمنة يكشف عن طريقة نظر مغايرة إلى التاريخ، حيث يتم التعامل مع المكان والزمان كفئات مفتوحة تولد وجهات نظر متعددة حول الحقائق. هذا هو ما يسعى إليه فيلم حاضنة الشمس. يتجنب سرد الفيلم إعطاء إجابات أحادية الصوت للمشاهدين. بالنسبة إلى دولوز، التزييف يعني عكس تأكيد الذات للصدق: السينما لا تقدم لنا الحقيقة أبدًا، لكنها ليست كاذبة. سينما الصورة الزمنية تجعلنا نتساءل عما نعتقد. ما حقيقة الثورات العربية؟ الفيلم الذي يزعم أنه قدم إجابة على هذا السؤال سيكون مضللاً. إذا كان التاريخ لا يحمل حقيقة واحدة، فإن السينما أيضًا كذلك.

 

  • 1. عمار البيك، حاضنة الشمس، فيلم، 11:57 دق. 2011 https://vimeo.com/40351473
  • 2. Deleuze, Gilles, Cinema II, The time-image. trans. Hugh Tomlinson and Robert Galeta (London: Bloomsbury Academic, 2019), 1-12.
  • 3. Deleuze, Gilles, Cinema II. The time-image, 161-194.
  • 4. اللقطات المعروضة على التلفزيون أثناء الفيلم عبارة عن مونتاج قام الفنان بتحريره من مواد فيديو مختلفة (يشمل نشرات الأخبار التلفزيونية ومقاطع فيديو YouTube).
  • 5. تم تصوير الفيلم في بيروت، لبنان. أثناء التصوير، كانت المظاهرات تجري في بيروت أيضًا.
  • 6. Deleuze, Gilles, Cinema I. The movement-image, trans. Hugh Tomlinson and Barbara Habberjam (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1997), 14.
  • 7. Bergson, Henri, Matter and Memory (London: George Allen & Unwin LTD, 1911), 170-232.
  • 8. حول مفهوم بيرغسون للافتراضي راجع: Bergson, 170-232; Deleuze, Cinema II, 82-86.
  • 9. حول الفرق بين "الصورة -التذكر" و "التذكر الخالص" راجع: Deleuze, Cinema II, 53-54.