حاضر متقدّم: فرضيات حول المخيال الثقافي في الشرط الأوسط

ظهرت في الفترة الاخيرة كتابات كثيرة حول طرق عمل مؤسسات الثقافة في الشرق الأوسط. كيف يمكن لهذه التقارير أن تساهم في تطوير فهم وتطوّر النتاج الثقافي في المنطقة، وما الذي تتجاهله؟ لمى سليمان تستعرض العدد الأخير من سلسلة منشورات دار "إبراز" حول الثقافة البصرية في الشرق الأوسط وفي شمال افريقيا.

Advertisement

زوروا متجرنا الفوري دعمًا لتوهو بواسطة اقتناء طباعات فنيّة متوفّرة بإصدار محدود

Anthony Downey (Ed.), Future Imperfect: Contemporary Art Practices and Cultural Institutions in the Middle East, Visual Culture in the Middle East Vol. 3, Berlin: Ibraaz and Sternberg Press, 2016, 430 pages. 

"مستقبل منقوص: تجارب فنية معاصرة ومؤسسات الثقافة في الشرق الأوسط" (2016) هو الاصدار الثالث ضمن سلسلة لدار "إبراز"، التي تتناول التجارب الثقافية والواقع الاجتماعي – الثقافي على طول الشرق الأوسط وعرضه. هذا الجزء من السلسلةعبارة مجموعة واسعة من المقالات التي تبحث أشكال الإنتاج الثقافي في سياقات تاريخية مختلفة في العالم العربي (المغرب، الجزائر، القاهرة، بيروت، فلسطين، بغداد، اسطنبول، اليمن ودول الخليج)، والسيرورة التي تؤطّر فيها سوق العولمة النيوليبرالية والرأسمالية مؤسسات الفن في المنطقة وتفرض عليها العمل وفقًا لقيامها.

هذا العدد الذي حرّره أنتوني داوني ، رئيس تحرير "إبراز"، ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول يصف عددًا من التوجهات لـ "سياقات اقليمية، إلى جانب صور تاريخية من العداوة بين مؤسسات الثقافة وبين القمع السياسي"؛ الثاني يفحص الطرق التي يمكن للمؤسسات فيها أن تتطوّر من خلال تبنّي المناهج النقدية لمنتجي الثقافة؛ بينما يبحث الثالث المعاني التي تسقطها مفاهيم مثل "متاحف ضخمة" ، "قوة ناعمة" ومشروع الحداثة المعولم على مستقبل المؤسسات الثقافية.

 

161129_strn_futureimperfect_content_2-1.jpg

غلاف كتاب "مستقبل منقوص: تجارب فنية معاصرة ومؤسسات الثقافة في الشرق الأوسط"
غلاف كتاب "مستقبل منقوص: تجارب فنية معاصرة ومؤسسات الثقافة في الشرق الأوسط"

 

تقع في مركز الكتاب منظومة مسائل نابعة من عدة أبحاث. الأولى، بحث نشاط الضغط السياسي على مؤسسات الثقافة في المنطقة، الذي يغيّر ويكرّس تطوّر المسلمات الاجتماعية، السياسية والثقافية؛ المسألة الثانية، فحص نشاط التجارب الفنية النقدية التي يمكن أن تعرض نقدًا معارضًا، منيعًا وبناءً بشكل راديكالي مقابل سيرورات النيوليبرالية والعولمة؛ وأخيرا، مسألة "كيف يمكن لبنى تحتية وبنى جديدة أن تنمو، من داخل سياقات مشحونة جدًا وفي الوقت نفسه نشطة وحثيثة بالتأكيد" (ص 18).

يشير داوني في المقدمة: "إن المستقبل المنقوص هو فعلا عددٌ منقوص، لأنه لا يمكن لأية منشور ة منفردة ادعاء التمثيل التام لكل النتاج المؤسسي والثقافي لمنطقة بأكملها" (ص 17). وهكذا، فهو يعترف، بأن الهدف من مجموعة المقالات هو تحديد مسار السياقات التاريخية للإنتاج الثقافي بوصفها إضافة هامة على الجدل الراهن حول وظيفة الثقافة في العالم العربي، وتوفير المعلومات حول "وضع مؤسسات الثقافة المعاصرة في الفترة التي يتم تعريفها بواسطة تشكيلة واسعة من النشاطات المؤسسية، النشاط السياسي ونماذج نيوليبرالية شائعة من العقلنة الثقافية" (ص 17- 18). المجموعة تقدم تحليلات عالية القيمة ومعلومات بحثية مفصلة حول الشكل الذي ينشط فيها الحقل الثقافي في العالم العربي، والشروط الاجتماعية – السياسية الواقفة في صلبه. 

 

د. أنتوني داوني، سلطة، معرفة ورعاية في سياق المجتمع المدني في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا (MENA)

 

مستقبل منقوص هو منقوص أيضا لأنه يضفي لدى القارئ حاجة في بحث مقارن أوبحث رابط للتبادلات الثقافية القائمة (أو المتخيلة) في المنطقة ومعنى نشر الثقافة والخطاب نحو مشهد ثقافي عربي شامل أوسع. ولكنه يفشل في التطرق إلى اسئلة جوهرية تتعلق بنشر الفن والمنتوج الثقافي الآخر، تبادله وتلقيه:أية تأثيرات إجتماعية – سياسية يمكن ان تقع على مجتمعات عربية مجأورة؟ أية أشكال من الشبكات الثقافية قائمة بين مجتمعات ثقافية مختلفة؟ وكيف يمكن لهذه الشبكات أن توفر المنتوج الثقافي العربي للمنطقة بأكملها؟ إن الكشف المنسّق لتشكيلة التجارب والمنتجات الثقافية العربية تشكل مفتاحًا لفهم أكثر اكتمالا للأشكال التاريخية المختلفة للثقافة والمجتمع العربيين – وهو فهم لا يقتصر على تقديم التقرير الاعلامي العادي حول صراعات، توترات سياسية وواقع عنيف. إن توجهًا كهذا نحو الثقافة العربية من شأنه أن يساهم في النقاش المستمر حول كيفية إمكانية تفسير تجارب الثقافة والفن العربيين المعاصرين أو تعريفها من ناحية شكلانية ، مضمونية، أو عملية. لا يمكن التقليل من أهمية أشكال النشر والتبادل في الوضعية الاجتماعية – السياسية الراهنة، إذ هناك علاقة وثيقة بين بحثها وبين الأهداف الاساسية للمستقبل المنقوص حين يطرح نقاشات متكررة ، وإن كانت متملصة، حول سؤال: ما هي الحداثة العربية وكيف تعمل كخطاب كولونيالي بأشكال تنظيم معولمة للثقافة والتي تسيطر عليها الرأسمالية النيوليبرالية؟

مع ذلك، يوفر عددٌ من مقالات المجموعة نظرة آسرة على مشاهد ثقافة مختلفة في الثقافة العربية. ففي المقال "كم تبقى من المستقبل؟ حول السرعة والانحسار في المؤسسة الفنية في القاهرة" تقوم آنيا تشرمسكي، وهي قيّمة غاليري "تاون هاوس" في القاهرة بين السنوات 2011- 2015، ببحث السياق السياسي للفترة اللاحقة للثورةوتعاطيه مع التغيير في الانتاج الثقافي. عام 2004، "عرضت سلسلة معارض حول الموضوع، الثابت، القابل للتطوير، الجميل، على خلفية عدم الهدوء السياسي والاجتماعي" (ص 31). تشرينسكي تتساءل: "هل كان هذا التغيير تحولا نحو الجمال ام انسحابا من الواقع؟ احتضان ام ابتعاد؟" (ص 233)، وتحاجج بأن تغيير الاتجاه "أثّر على قدرة التفكير في تواريخ ومستقبلات ممكنة بفعل الانشغال اليوتوبي بفهم وتذكر الحاضر بواسطة القرار حول ما الذي يجب تذكره وما الذي يجب نسيانه. وفتح منظومات خلاصيه من الذاكرة، المخاوف التي تشوه قدرتنا على تقييم المستقبل، الذي يستوعَب على انه طويل جدا، أو كحاضر متملص ومتقلص سبق ان حدث. في هذا الوضع الوجودي "الأشكال المرضية لفهم المستقبلية تبزغ وتبرز حين تتشوش منظومات فهم الحاضر وكتابته استرجاعيا بوصفه ذاكرة. المستقبل هو تخيّل الماضي الذي يكتب مجددا بواسطة معايشة الحاضر، والذي يظل على الدوام بعيدا بعض الشيء" (ص 237). اللافت على نحو خاص في ادعاء تشرمسكي هو معالجتها النقدية للبعد الزمني ارتباطابالتجربة الفنية، وكذلك الشكل الذي تتطرق فيه إلى تجربة الزمن في الواقع الاجتماعي – السياسي. وهي تضع هؤلاء جميعا امام الاقتصاد السياسي الواقف في صلب المنتوج الثقافي الذي مر عملية عولمة:

"يوجد لدى الغرب (مثلما جرت العادة على تسميته...) فيتيشية للفن من العالم "النامي"، الذي يُنظَر اليه كحقيقي وصاحب موقف، وسائر الافكار البالية من هذا النوع –فانتازيا الفن الذي يعمل ضد الاجندة المهيمنة بواسطة انتاج مساحة لـ "الحرية". وفقا لهذا، فان التوجه نحو الجمال سيشكل فعلا تواطؤا رجعيا. ومع التنازل عن فانتازيا المقاومة يمكننا ان نرى في التوجه نحو الجمال ليس انسحابا نحو فضاء آمن بالذات، بل فرصة للإرجاء. ان اللقاء الجمالي يمكّننا من الخروج للحظة خارج الزمن... موفرًا وقتا للتذكر، وهكذا ايضا بالتالي، ربما رجعة لمعاودةمتعمقة في تخيّل المستقبل (ص 244- 245).

‏تحاجج ‏تشرمسكي بأنه في حين تشمل التجربة الجمالية جوهريًا "إرجاءً، انعدام حركة وتمحورا في الرضى الذاتي" (ص 246)، فانها ربما تستوعَب كضئيلة مقارنة بالوظيفة التي يؤديها الفعل المباشر والعمل السري المناهض للقوة السياسية. وعلى الرغم من ذلك، تقول، فإن "طريقة فعل معينة في هذه الفترة من انعدام اليقين، حيث المقاومة باتت غير ممكنة، هي تفضيل التجارب التي توسع تخيّل الزمن نفسه... التلذذ بتضييع الوقت. وحيث اننا ملزمون بطأطأة الرأس امام سلطة الخيال، نقوم في العمل السري بوظيفة القراصنة التابعين له" (ص 246).

 

 

متاحف وحداثة في شبه الجزيرة العربية" - كارين اكسل
مركز الدراسات الدولية والاقليمية

 

في مقال اضافي "التعبير الاستعراضي المعولم: حداثة وسوبر حداثة في متاحف شبه الجزيرة العربية" تتقصى كارين اكسل، وهي قيّمة ، باحثة ومختصة في مصر القديمة، مؤسسات الفن في دول الخليج، وخصوصا المتاحف الضخمة الحداثوية كممثلة لـ "جمالية العولمة التي تحركها الرأسمالية المتأخرة... والتي يتم تبنيها في شبه الجزيرة العربية بوصفها تدل على حداثة المنظر" (ص 39). توفر فضاءات الثقافة هذه مدخلا إلى المنظومة المعولمة من خلال تأطير الثقافة وتميل إلى ارضاء النخب الثقافية المعولمة ومكانة "المتفرغين" في النصف الشمالي للكرة الارضية، والذين يشكلون اقلية داخل مجموعة السكان الواسعة المؤلفة من سكان المكان وعمال متنقلين بمكانة غير ثابتة.

في نقدها للسوبر حداثة، وهو مصطلح وضعه عالم الأنثروبولوجيا مارك أوجيه1 تستند اكسل على متحف الفن الاسلامي في قطر وعلى "متحف"، المتحف العربي للفن الحديث، كمثالين للخطاب الممأسس حول الحداثة الرأسمالية العالمية الذي يستخدم "مبنى معرفي مرسخ في اشكال الفهم الغربية" (مقتبس ص 326). ان جمالية المكعب الابيض التي تنتهجها هذه المؤسسات هي وفقا لادعائها نتاج لـ "اللاأمكنة المعولمة".2 وفقا لأقوال أوجيه هذه "امكنة بدون تاريخ، منقطعة عن مسائل الهوية، ولا تندمج في امكنة سابقة"3. المساحة في قطر تشكل مباني سوبر حديثة بكونها تقوم فقط "بتوثيق وحفظ انماط حياة معاصرة غيرت صورتها اثر الثراء الكبير الذي جلبه النفط".

 

Museum_of_Islamic_arts_SOP.jpg

המוזיאון לאמנות איסלמית, קטאר
צילום: שנין אולקרה

Photo by: Shahin Olakara

Steve_Sabella_Mathaf.jpg

ستيف سابيلا، مستوطنة – ستة اسرائيليين وفلسطيني واحد 2008-2010. "متحف"، المتحف العربي للفن الحديث، الدوحة، قطر. انشاء طباعات صور بالحجم الطبيعي, 230X164, كل واحدة تم الصاقها على ألومنيوم
ستيف سابيلا، مستوطنة – ستة اسرائيليين وفلسطيني واحد 2008-2010. "متحف"، المتحف العربي للفن الحديث، الدوحة، قطر.
انشاء طباعات صور بالحجم الطبيعي, 230X164, كل واحدة تم الصاقها على ألومنيوم

 

القيم والمنظر بيتر ويدل، والذي تقتبسه اكسل في هذا المقال، يقول ان المكعب الابيض هو "كلمة مرادفة للفن الشمال امريكي والأوروبي الذي يغطي على الفروق الاجتماعية، الجندرية، الدينية والاثنية باسم الأوتونوميا الجمالية ولغة الصور الكونية، وبهذا تُقمع الفروق بين مصادر مختلفة للفن" (ص 328). وفقا لأكسل، فان جمالية المكعب الابيض كدال على السوبر حداثة تستغل في دول الخليج "من اجل مهاجمة دمج الحداثة الفنية العربية بالحداثة الغربية بواسطة عرضها في السياق الايديولوجي الملائم". هذه التسويغات تظهر تأملا عالي القيمة بالصورة التي تشكل فيها الفن، نتاجات الثقافة ونقد الثقافة في الشرق الأوسط، موشورات لبحث ثقافات عربية، وتبلورها من خلال سيرورات قوى سياسية، عولمة، وتتجير". (4)

 

مارك أوجيه، معمار ولامكان، من تالينا اوليكول، , Vimeo 

 

في السياق الفلسطيني العيني تبرز نقطة اضافية واخيرة على بساط البحث، والتي تضع اسقاطات الكتاب داخل اطار أوسع من التفكير حول نتاجات الثقافة في العالم العربي. هناك مقالان مخصصان للنقاش حول نتاجات ومؤسسات الثقافة في فلسطين. الأول، "مؤسسات جماعية: حالة فلسطين" هو مقابلة مع القيم جاك برسكيان الذي يتحدث عن اهمية التكاتف بين مؤسسات الثقافة في فلسطين لغرض انتاج ثقافة على جانبي الحدود، مثلما في حالة بينالي قلنديا الدولي. المقال الثاني، "نشاط ضد اللامرئية: مواجهة مع السياسة المؤسسية للإنتاج الثقافي في فلسطين"، لريما صالحة فضة، وهو يبحث واقع فلسطين بوصفها خاضعة لـ "بلاغة بصرية للعنف العسكري والادارة الكولونيالية"، والتي تنتج "مظهرا استعراضيا للعنف" داخل "اقتصاد سياسي لصناعة الميديا المعولمة". وتسأل فضة كيف "يتم انتاج خطاب بصري جديد يسمح لصور اكثر اهمية للانخراط السياسي والنقد الراديكالي بالبزوغ في الفضاء العام الدولي؟ أم ان التجسيد البصري للعنف ينجح في التغلب أو بالأحرى تجاوز أشكال التمثيلات الاخرى والتعتيم عليها؟" (ص 150).

المشكلة الجدية النابعة من قراءة المقالين هي عدم تطرقهما إلى النتاج الثقافي والفني الفلسطينيين في مناطق ما يعرف "الخط الاخضر"، وهو ما يقود إلى جعلهما مشاركين في الفهم المقلص لفلسطين كجزر لمنطقة محتلة. في هذا الجزء من فلسطين الذي يوجد ميل إلى نسيانه، هناك نمو نشط للإنتاج الثقافي المعاصر، والذي يعرقَل أو يتم صده بسبب ربطه بالخطاب الاستعماري وممارسات المؤسسات الاسرائيلية، أو بسبب نضاله من اجل انتاج مستقل وغير تابع، امام توجه مقيد بمصادر تمويل وتبادلات ثقافية فلسطينية، عربية أو دولية.

إن فشل العاملين في الثقافة، المعلقين والنقاد الفلسطينيين، مثل فضة وبرسكيان، والمتمثل في قبول هذه الشروط كجزء لا يتجزأ من الثقافة الفلسطينية، هو أمر خطير على عدة مستويات: قبل كل شيء، إن مثل هذا الخطاب النسياني يقفز عن مبادرات فنية وثقافية ذات طابع مجدد ولافت من ناحية الصورة، المضمون والمنهج. ثانيا، أنه يتجاهل الاختلافات والمغايرات الجدية في شكل إستخدام مؤسسات الثقافة في الضفة الغربية في الفن والثقافة كوسيلة لعرض، فحص وتحدٍّ الاحتلال، وميل التجارب الثقافية في فلسطين المحتلة لمحاولة التمسّك مجددًا بالفضاء السياسي والثقافي بواسطة جمالية الفقدان. إن هذا الانقطاع المعرفي يشير إلى شرخ جوهري في المجتمع والثقافة الفلسطينيين ويتطلب الفحص. ثالثا: ان عدم الاعتراف بالإنتاج الثقافي في فلسطين التاريخية يخضع لأجندة ما بعد إتفاقيات أوسلو ويلائم نفسه للهيمنة القومجية المتوافقة مع الاحتلال، وبالتالي يظل غير واعٍ لدوره في دفع تقسيم وانفصال المجتمع والثقافة في فلسطين.

الامر يصبح اكثر اهمية في سياق القراءة الآخذة بالتوسع للمقاطعة، والتي يفترض بالفلسطينيين في 1948 الالتزام بها على الرغم من العوائق الكبيرة التي تضعها أمام الإنتاج الثقافي. وعلى الرغم من ذلك، فانهم كمنتجين ناشطين للثقافة الفلسطينية، ما زالوا يتعرّضون للإقصاء والتهميش ولا تعرض عليهم بدائل اقتصادية مقابل الموقف المستقل والهش الذي يتخذونه وقلما يتم شملهم في تعاونات ثقافية ، اكاديمية أو مهنية . " ("هذه المنطقة الجغرافية" غير المرئية هي أيضا بيت لمشاريع مستقلة (مهرجانات افلام وكذلك شبكات وتبادلات ثقافة تنتج حول الموسيقى والفن البصري)، التي يمكن ان نسميها "لا-مؤسسات". انها تنتج ثقافة عربية وتتوجه اليها بواسطة جهد واصرار على إختراق الحدود السياسية والفصل الاجتماعي والثقافي الذي تفرضه- بواسطة الاصرار على الاندماج في أطر الثقافة الفلسطينية والعربية الأوسع.

 

 

1.png

المتحف الفلسطيني صور من فيديو تسويقي 'About the Palestinian Museum'
المتحف الفلسطيني

صور من فيديو تسويقي ‘About the Palestinian Museum’

2.png

المتحف الفلسطيني

صور من فيديو تسويقي ‘About the Palestinian Museum’

 

في ضوء هذا من المهم التطرق إلى واحدة من النقاط الأخرى التي يطرحها الكتاب:

".... ان عددا غير قليل من المؤسسات يدعي اليوم تمثيل مواجهات وصراعات ... الشرعية الفنية، النقدية والقيمية الممنوحة لمثل هذه الأعمال هي على الغالب قسم من مسلسل تتجير معولم... "القيمة" المنسوبة إلى صور المواجهة والسلب تكاد لا تتراكم لدى الذوات الموصوفة في الاعمال، مما يؤدي إلى السؤال الحارق حول قدرة العمل المستقل: من يربح من أعمال الفن التي تدعي تمثيل الصراع؟ (داوني، ص 23)

بالتالي، بمكن لـ "مستقبل منقوص" أن يشكل مفترقا ممتازا من أجل البدء بالتفكير من خلال وعي الثقافي وتاريخي القوي قادرعلى التنبؤ برؤى وتجارب زمنية وإنتاج ثقافي من خلال نظرة ما بعد كارثية. ومع ذلك، لكي يبزغ مثل هذا الخطاب التبادلي فعلا، يجدر بـ "مستقبل منقوص" وتحليلات ثقافية أخرى من نوعه، فتح مجال للنقد الذاتي نحو النظرة ، الرسمية بالأساس، لإنتاج الثقافة في العالم العربي كسيرورة مؤسسية فقط، ويعترف بحيوية النشاط النامية من الحقل، التي تخترق الحدود وتظل سيّالة من الناحية الجيوسياسية.

 

 

  • 1. بالأساس من كتابه عام 1995 Non-Places: Introduction to an Anthropology of Supermodernity (London: Verso)
  • 2. أوجيه مقتبس ص 328- 329
  • 3. في هذا السياق ، من المهم الاشارة إلى الميل نحو فحص مؤسسات بواسطة العدسة نفسها، وهي الشائعة في اعمال فنانين مهمين أصلهم من الشرق الأوسط، وخصوصًا المتحف المتخيّل للفنون العربية المعاصرة لوليد رعد، الذي اتخذ أشكالا مختلفة في بعض من أعماله.