
السيادة الجريحة: الجسد الفلسطيني كرأسمال رمزي في زمن اقتصاد الحرب
في هذا المقال، لا يُنظر إلى الجسد الفلسطيني ككيان مادّي فقط، بل كمساحة رمزية تُبثّ من خلالها ممارسات السيطرة، وتُعاد كتابة أنماط الصراع عبرها. من الساحة إلى الصورة، ومن القمع إلى المقاومة، يتتبع المقال كيف يُلاحق الجسد، يُستهلك، ويُعاد تمثيله، مع محاولة استعادة معناه وسيادته من داخل الحقل البصري ذاته.
في السياق الفلسطيني، لم يعد الجسد مجرد وجود بيولوجي أو حضور إنساني في مشهد ما، بل تحوّل إلى حقل للمعنى، وأداة للهيمنة، ومجال للتفاوض السياسي. لم يعد يُفهم كفرد معزول، بل يُفكك ضمن شبكة من الحقول الخطابية: ما يُلبس عليه أو يُنزع عنه، كيف يُصوَّر، متى يُكشف ومتى يُخفى. كلها آليات تنتمي لما سماه ميشيل فوكو بـ"السلطة الحيوية"، حيث تُدار الحياة والموت ليس فقط بالقتل، بل عبر تنظيم الأجساد وتشكيلها وتوجيهها1.
منذ النكبة، ارتبط الجسد الفلسطيني بصور الفقد، والاقتلاع، والانكسار. لكنه لم يبقَ مجرد رمز لجرحٍ دائم، بل تحوّل إلى ساحة للاستعادة: صورة للمقاومة، وللفعل السياسي، وجبهة تكشف عن ملامح الاحتلال ونتائجه.
استلهامًا لدعوة رنا بركات لإعادة كتابة التاريخ الفلسطيني من منظور محلي لا استعماري، يمكن النظر إلى الجسد الفلسطيني كـ"راوٍ مضاد" يعيد سرد القصة الفلسطينية عبر الحضور البصري، والإيماءة الجسدية، أو حتى الصمت المعبّأ. بالنسبة لبركات، فإن العودة الفلسطينية ليست مجرد استعادة جغرافية، بل فعل من أفعال التذكّر، والسرد، والإصرار على سردية ترتكز على الحق، والذاكرة، والحياة. بهذا المعنى، يتحول الجسد نفسه إلى موقع للعودة والاستمرارية الثقافية.2
ضمن هذا الإطار التمثيلي، تتضح التحولات التي طرأت على الجسد الفلسطيني – من الكوفية إلى البتر، ومن الاعتقال إلى التعري – ليغدو صورة بصرية مثقلة بالمعاني. لا يُعرض الجسد كما هو، بل كما يُراد له أن يُفهم. حين يظهر كـ"إرهابي" في الإعلام الإسرائيلي أو كـ"ضحية إنسانية" في تقارير الإغاثة، يُعاد تشكيل صورته بما يخدم الحاجة السياسية للحظة.
التمثيل هنا لا يقتصر على عكس الواقع، بل يسعى للهيمنة عليه. كما تشير سوزان سونتاغ، فإن تصوير الألم لا ينقل الإحساس الحقيقي به، بل يعيد إنتاجه داخل لغة يتحكم بها المتلقي - لغة تُخضع الضحية لنظرة مَن يحمل الكاميرا.3 المسألة ليست فقط في تسليط الضوء، بل في كيفية تشكيل الرؤية ذاتها: من يرى؟ كيف يرى؟ ولماذا بهذه الطريقة؟ تتقاطع هذه الرؤية مع مفهوم "احتكار الرواية" كما صاغه إدوارد سعيد، حيث تُروى حياة الفلسطينيين غالبًا من خارجها، على يد آخرين.4 في هذا السياق، يصبح الجسد ليس فقط موقعًا للألم، بل مساحة صامتة تتكلم من خلال ما تُظهره، وما يُكبت فيها. يصبح ساحة لمعانٍ متضاربة: بين مَن يريد له أن يكون صورة للبؤس، ومَن يفرض عليه أن يكون مادة للتخويف والردع. ولا يقتصر هذا التحكم على السلطة لا تُمارس فقط عبر السرد والرؤية، بل تمتد إلى الجسد ذاته من خلال التمثيل القسري: يُصوَّر وهو مكبّل، مُهان، أو مُصاب. في مسيرة العودة الكبرى (2018)، استخدم الجسد كرسالة بصرية موجهة؛ إطلاق النار على الأطراف لم يكن اعتباطيًا، بل سياسة ممنهجة تهدف لإنتاج أجساد مصابة تُستَخدم كوسيلة ردع أمام الجماهير. الجسد هنا لم يكن فقط موقعًا للألم، بل أداة تواصل بصرية تهدف إلى بث رسالة واضحة: المقاومة تُكلّف الجسد أكثر مما يحتمل.
في هذا السياق، تُعدّ حالة الطفل محمد الدرة (2000) نقطة تحوّل بصرية شكّلت وعيًا جماعيًا عالميًا. جسده، الذي احتمى بذراعي والده، تحوّل إلى رمز لفقدان الأمان، حتى داخل حضن الأسرة. غير أن هذه الصورة نفسها خضعت لاحقًا للتشكيك، والإنكار، وإعادة التأويل، كجزء من آليات نفي الألم. في كل اجتياح عسكري، يُعرض الجسد الفلسطيني كدليل، وكوسيلة للإذلال. لكن هذا التمثيل لا يختفي؛ بل يُعاد تدويره في الذاكرة الجمعية الفلسطينية، ليغدو رمزًا. تُعلّق صوره على الجدران، تُرسم على الحيطان، وتُستعاد في شعارات الاحتجاج. الجسد المُهان ينتج بذلك معنى مضادًا: من الضحية إلى الشاهد، ومن الغياب إلى الأيقونة.
يدرك الاحتلال تمامًا قوة هذا التمثيل، ولذلك يسعى إلى السيطرة عليه: تارةً بالتشويه (مثل الادعاء بفبركة مشهد محمد الدرة رغم التوثيق)، وتارةً بالطمس (منع المصوّرين من الوصول لمناطق الاشتباك)، وتارةً بإعادة التوظيف (استخدام صورة الجسد الفلسطيني كرمز لتهديد أمني). النتيجة أن الجسد لا يُترك ليحيا مساره الطبيعي، بل يُدار كما تُدار الموارد: يُنتج، يُعرض، يُخزن، ويُعاد استهلاكه حسب الحاجة. وضمن هذا التكرار، يتحول الجسد الفلسطيني إلى ساحة تفاوض، ليس فقط بين السياسي والعسكري، بل أيضًا بين الرمزي والمادي، وبين الذاتي والجماعي.
وفي المقابل، هناك لحظات تُستعاد فيها السيادة على الجسد، كما في إضرابات الأسرى عن الطعام. خضر عدنان، الذي أضرب حتى استشهد في عام 2023، جسّد هذا المعنى حين استخدم جسده كسلاح مقاومة: رفض العلاج، والغذاء، وحتى الكلمات. جسده كان ساحة معركة مكشوفة، تفضح منطق السيطرة وتعيد صياغة الفعل السياسي. الجوع هنا لم يكن علامة ضعف، بل إعلانًا عن امتلاك الذات. كما تقول جوديث بتلر: "الجسد المقاوم يُعيد تعريف نفسه في اللحظة التي يُسلب فيها الاعتراف به5
تجربة عدنان ليست حالة فردية، بل نمطًا يتكرّر مرارًا: تُمارس المقاومة الفلسطينية من خلال الجسد، حين يتحول إلى سلاح لا يمكن مصادرته. عندما يصبح الألم تصريحًا سياسيًا، والمعاناة فعلًا، تنقلب المعادلة: الجسد الذي أُريد له أن يصمت، يتكلم بأعلى صوت.
من هنا تبرز أسئلة فلسفية عميقة: ما معنى أن يمتلك الإنسان جسده؟ أن يختار كيف يعيش ألمه؟ أن يرفض التمثيل القسري ويخلق تمثيله الذاتي؟ هذه الأسئلة لا تُطرح فقط في الزنازين، بل في كل فضاء يخضع فيه الجسد للمراقبة، والفرض، والتشييء. ومع ذلك، في زمن الصورة الرقمية، تُهدد هذه السيادة من جديد. فالجسد الفلسطيني، الذي كان دومًا ساحة صراع، يدخل الآن سوقًا جديدًا: يُصوَّر، يُعبأ، ويُباع.
تُمنح الجوائز لأكثر الصور "صدمة"، وتُستثمر في حملات تضامن لا تخلو أحيانًا من دوافع سياسية أو تجارية. السياحة الإنسانية التي زارت مستشفيات غزة، صوّرت الأطفال الجرحى وروّجت صورهم لأغراض إعلامية، حوّلت الجسد إلى خلفية لمشهد سياسي استهلاكي صرف، لا إلى قضية حقيقية.
لا يمكن فصل تمثيل الجسد الفلسطيني عن البُعد الاقتصادي الأوسع للاحتلال. كما يُدار الجسد سياسيًا، يُستغل اقتصاديًا ضمن ما يُعرف بـ"اقتصاد المعاناة". تتحوّل صور الأجساد المصابة إلى أدوات لجذب التمويل، تُستخدم في تقارير المنظمات، الحملات، وأحيانًا تُحوّل إلى منتجات سينمائية وتلفزيونية. هذه الاقتصاد الرمزي لا يُنتج معاني فقط، بل يُنتج رأس مال: تُباع الصور، تُسوَّق، وتُدمج في شبكات إعلامية وإنسانية ذات مصالح خاصة. وبهذا، يصبح الجسد الفلسطيني جزءًا من "سوق الحرب"، حيث تُستغل الهوية والألم لتحقيق مكاسب، لا دائمًا لصالح الفلسطينيين، بل أحيانًا على حسابهم.
بدأت بعض الأعمال الفنية الفلسطينية الحديثة في تفكيك هذا الاقتصاد البصري للجسد، كاشفة التناقض العميق بين تمثيل الجسد كرمز سياسي، وتسويقه كمنتَج. في هذا السياق، الفن لا يكتفي بتوثيق الألم، بل يُظهر كيف يُستهلك ويُعاد إنتاجه ضمن أنظمة ثقافية واقتصادية تحكمها منطق السوق. مثلًا، في أعمال منى بنيامين، يُستخدم السخرية السوداء، الصور الفوتوغرافية، والاستعادات الأدائية لذكريات الطفولة لتفكيك التوقع من الجسد الفلسطيني أن يؤدي دائمًا دور الضحية. في فيديو Tomorrow, again (2023)، تستعيد بنيامين السيطرة على سرد الألم، مستخدمة لغة الإعلام، ولكن لكشف آليات التوزيع والاستهلاك ذاتها.
هنا تتضح المفارقة الأخلاقية: من جهة، يسعى الفن لعرض واقع المعاناة الفلسطينية وكسر الصمت. ومن جهة أخرى، فإن تكرار تمثيل الجسد المجروح - في الإعلام، الحملات، والفن - قد يُثبت صورة الفلسطيني كضحية فقط. حين يظهر الفلسطيني دائمًا حزينًا، منهكًا، هشًا، يُسلب منه الحق في أن يُرى كإنسان كامل، فاعل، ذو سيادة. يصبح الجسد أسيرًا للصورة: عليه أن يبدو متألمًا كي يُرى. وهذا هو الفشل الأخلاقي؛ حتى التمثيل الذي يُراد به إثارة التعاطف، قد يُعيد إنتاج دور الضحية ويمنع الفلسطيني من التعبير عن الحياة، والفعل، والأمل.
والسؤال الذي يظل قائمًا: من يملك حق تمثيل الجسد الفلسطيني؟ من يقرّر كيف يُعرض، ولمن؟ وهل يمكن للفلسطيني أن يستعيد صورة جسده بعيدًا عن عدسة الآخر، ومنطق الاستهلاك والشفقة؟ التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تفكيك الصورة الاستعمارية، بل في إنتاج صورة بديلة، لا تمجّد الألم، ولا تتاجر بالمأساة، بل تفتح أفقًا للحياة.
الجسد الفلسطيني ليس فقط موضع ألم، بل مجال للمعنى. وإذا كان قد تعرّض للقمع، فقد غدا كذلك ساحة للمقاومة. أما اليوم، فإن مقاومة التمثيل لا تقل أهمية عن مقاومة الرصاص. وهنا يصبح دور الفن، والأدب، والإعلام البديل ضروريًا: لإنتاج تمثيل فلسطيني للجسد لا يعيد تدوير الجرح، بل يعيد إنتاج الكرامة، والسيادة، والحق في أن يُرى الإنسان كاملًا – لا كأيقونة، ولا كضحية، بل كصوت حي ومتحرك في عالم يريد له أن يصمت.
- 1. Foucault, Michel, The History of Sexuality, Vol. 1. Pantheon Books, 1978.
- 2. Barakat, Rana,"Writing/Righting Palestine Studies: Settler colonialism, Indigenous Sovereignty and Resisting the Ghost(s) of History", Settler Colonial Studies, Vol. 8, No. 3 (2018), 349–363.
- 3. Sontag, Susan, Regarding the Pain of Others. Farrar, Straus and Giroux, 2003.
- 4. Said, Edward, Culture and Imperialism. Vintage Books, 1993.
- 5. Butler, Judith, Precarious Life: The Powers of Mourning and Violence, Verso, 2004.











