الفن يواجه الزنزانة

عندما يروي الفنّ حلم الفنان بالحرية في سجون الاحتلال، يصبح المستحيل ممكنًا بين كلبش السّجن وعامل الوقت وتجربة التفاصيل في رقعة المكان المضادّ للحياة.

من الصعب على من لم يختبر الأسر أن يفكر فيما يفعله الأسير في سجون الاحتلال طيلة إقامته، فما الأسر سوى قتل الشعور باللحظة الآنية، وتقزيم القدرة على الشرود في المستقبل، وتكثيف كل المشاعر الإنسانية النابعة من الحبّ، كالشوق والاحتياج، ووضعها في مناورة مع مشاعر قاسية يفرضها المعتقل كالغضب والرفض والشعور بانعدام الاتصال مع العالم.

لم يكن يعرف الفنان محمّد العزيز عاطف كيف عليه أن يقضى حبسه في سجن عوفر الإسرائيلي، وكان التغلّب على الفراغ والتحكم في الشوق والحنين هما الفكرتان الأساسيتان التي حاول تحقيقهما، وقد كان الرسم مفتاحه الأوحد، ليحرر فيه نفسيته، ويكسر شبح الوقت البطيء الذي يتعاظم جبروته في السجون.

في غرفة 14 من سجن عوفر يقدم السجان للأسرى قهوة رديئة لا يحبونها، وكانت هذه القهوة مادةً أساسية في صناعة لوحات الفنان التي هُرّبت من الأسر على دفعات في الزيارات الصباحية للأسرى يوم الثامن عشر من كل شهر، ثم سارت في طريقها إلى بيوت الأسرى المحررين، وتجمعت سوياً بعد خروج محمد من السجن في حزيران الماضي، ولاحقاً حين استلم محمد مجموعة اللوحات تفاجأ بعددها ورآها كما لو أنها المرة الأولى إذ يقول إن اللوحات هي خطة من عقله للحفاظ على نفسه، وكانت هذه اللوحات هي نتاج تجربته الفنية التي خاضت الأسر، ونجت منه بفضل الخيال الحر وأدوات المعتقل البسيطة مثل أعقاب السجائر والقهوة، وإنسانية الأسرى إذ منحوا محمد استثناءات للعمل في الليل وإضاءة الغرفة أثناء نومهم، والعمل على طاولة طعامهم، فكان معرض غرفة 14.

ضمّ المعرض لوحات جمعت بين التشكيل والخط العربي، فكانت حروفيات، يستخدم فيها محمد الكلمة الحادة كالشفرة، ويمزجها بالتشكيل الذي يمنح خيال المشاهد قدرة على تكوين مفهومه الخاص من اللوحة، في محاولة لحمايته من الاستسلام أمام النص المكتوب. شملت اللوحات أنواعًا مختلفة من النصوص، منها الراديكالي، والصوفي، والنصّ الأدبيّ الفلسطينيّ.

 

,

1.jpeg

لوحة لا تصالح ، قهوة، أعقاب سجائر، قلم حبر أسود جاف، 43X43.5، 2022
لوحة لا تصالح ، قهوة، أعقاب سجائر، قلم حبر أسود جاف، 43X43.5، 2022


في السجن كان يذاع يومياً ابتهال "مولاي إني ببابك" عبر الراديو للشيخ سيد محمد النقشبندي، وتسبب هذا التفصيل الصغير ضمن مجموعة التفاصيل الكثيرة والبعيدة عن الإنسانية في المعتقل، بجعل هوية بعض لوحات المعرض صوفية، تحمل جملاً متأملة في احتياج المرء للحب، وانغماسه في عاطفته، وبالتالي تتويجه لمفهوم العشق كطوق نجاة من كلبش السجن.

لا دلالات ملموسة على شعور الفرد بحريته، خاصة إن كان فلسطينياً، لكن ثمة إيمان راسخ بالحرية انعكس على لوحات غرفة 14، فالزنزانة كانت الحقيقة الأكيدة حين رُسمت لوحة بعنوان "لا تصالح"، وهي أول لوحة رسمها محمد في السجن، وكانت تعبيراً صريحاً عن تجاوز فكرة الأسر مقابل التأمل في معنى الحرية والكرامة، وبعض اللوحات حملت نصوصاً صوفية تعبر إلى روح المتفرّج عبر الطاقة الجمالية في الخط العربي وأثر التعمّق في الجملة الذي يصل لكل فرد بطريقة خاصة.


2.jpeg

يا حرية، قهوة، أعقاب سجائر، قلم حبر أسود جاف، 43X43.5، 2022
يا حرية، قهوة، أعقاب سجائر، قلم حبر أسود جاف، 43X43.5، 2022


في بداياته رسم محمد على جدران مخيم العروّب، ثم تملكتّه رغبة في جعل رسمته تحكي شيئاً ما، وتخرج صوتاً واضحاً من حائط المخيم، فتعلم الخط على يد الأستاذ شاهر الجابري، ولاحقاً في رام الله كان تلميذاً للفنان والخطاط ساهر الكعبي، ومن شعوره بأهمية ثنائية التشكيل والكلام تشكّلت هوية مشروعه الفنيّ، فلم يكن الأسر محرّكه الأوّل، بل الشّعور بالرفض.

 

3.jpeg

الباسل، قهوة، أعقاب سجائر، قلم حبر أسود جاف،58X43 ، 2022
الباسل، قهوة، أعقاب سجائر، قلم حبر أسود جاف،58X43 ، 2022


حين يبدأ الفنان مشروعه بافتتاح معرضه الخاص، يكون السؤال عن الفئة المستهدفة في هذا الفن محقاً، إذ يأخذ البعض اعترافاً بمشروعه من فنانين آخرين سبقوه في التجربة، وتمكنوا من إصدار الأحكام الفنية على الأعمال، إلا أن رجاء محمد تمثّل في أن تصل لوحات غرفة 14 إلى المتلقي العادي وتلمس وجدانه بالدرجة الأولى، يليه اهتمامه بالمختصين ليقيّموا تجربته بصورة فنية بحتة، مما يمكنه من تطوير أدواته في الأعمال القادمة.

في الجهة المقابلة للوحات غرفة 14 عُلّقت لوحة للفنان الفلسطيني سليمان منصور، استخدم فيها الفنان نفس الورق المصبوغ بقهوة السجناء الذي ا
ستخدمه محمد في سجن عوفر، وأكمل في لوحته المسيرة الطبيعية أو لنقل المرتجاة للإنسان في هذه الحياة وهي التخلص من الظلم والاستبداد، فعنون سليمان منصور لوحته (ما بعد الحرية)، سعياً لأن تكمل اللوحات ما تريد قوله لا ما يريد محمد؛ الحرية هي رسالة الفن منذ بدء الخلق وإلى الأبد.

IMG-20220924-WA0012.jpg

سليمان منصور، ما بعد الحرية، قهوة، أعقاب سجائر، قلم حبر أسود جاف،60x44، 2022
سليمان منصور، ما بعد الحرية، قهوة، أعقاب سجائر، قلم حبر أسود جاف،60x44، 2022

 

4-1.jpg

الجنوب، قهوة، أعقاب سجائر، قلم حبر أسود جاف، 57X43، 2022
الجنوب، قهوة، أعقاب سجائر، قلم حبر أسود جاف، 57X43، 2022

يكمل محمد اليوم عمله على جدارية تصل إلى٣٠٠ متر مربع، ويعمل في مرسم الفنان سليمان منصور، ينتج باستمرار لوحات دون الانشغال بما يريد أن يقوله بالتحديد في مشروعه الفني، فهو يرى أن الإنتاج الفني تعبير عن الانفعال الشعوري لكل ما يحدث حوله، وهو غير خاضع للخطط والطموحات، فالرسم هو المهم، وكل لوحة هي فكرة قائمة بحد ذاتها.

 

أقيمَ المعرض في مركز خليل السكاكيني الثقافيّ بين 19 وحتى 25 من أيلول الجاري