فنّ على الحدود: أسوَد وأبيض: معرض فنّي للفنان أيمن حلبي

يشكّل اللون واحدًا من العناصر المحوريّة في التعبير الفنيّ البصريّ لدى الفنان أيمن حلبي ابن قرية مجدل شمس في الجولان المحتل. عن الحياة على الخطّ الحديّ الفاصل بين الهويات المركبة التي يحملها معه كإنسان وكفنان، وعن اللون وتشكيلاته في عمله الفنيّ كلغة توصّف التشوهات والاختلالات التي عاشها ولا يزال يعيشها الواقع العربيّ في كافّة مستوياته، كان هذا الحوار.

افتتُح يوم الجمعة الموافق 29.7.2022 في غاليري مساحة للفنون البصريّة في دالية الكرمل، معرض أسوَد وأبيض: للفنان أيمن حلبي، ويتواصل المعرض حتى 1.9.2022. ومع الفنان كان هذا الحوار:

زياد حمود: أنتَ من مواليد قرية مجدل شمس. حدّثني بدايةً عن معنى أن تكون صاحبَ هويّة حدوديّة؟

أيمن حلبي: أنا من مواليد قرية مجدل شمس في الجولان المحتلّ، عام 1973. كانت مجدل شمس بالنسبة لي"جزيرة مغلقة" ومعزولة عن العالم. الشريط الفاصل من الشرق، وعالم مجهول يتحدث بلغة لا أعرفها من الغرب. من ذلك الوقت شغلني السؤال: من أنا؟ وإلى أين؟ شعرت أنني أفتقد القدرة على أن أتمنى أمنيات صغيرة، أمنيات عادية، في أن يكون لي وطني ومدينتي. مثل هذه الأماني كانت مستحيلة. وجدت نفسي مضطرًا للتعايش مع وضع غير عادي. كنت كمن يشاهد العالم من خلف الزجاج. شاءت الظروف أن يحدث اتفاق بين سوريا وإسرائيل بالتنسيق مع الأمم المتحدة بأن يسمح لطلاب من الجولان المحتل بالعبور للتعلم في الجامعات السورية. وكان لي حظ في أن أكون أحد هؤلاء.

في دمشق، كل المدينة من حولي تتحدث بلغتي. الشعور بالامتلاء واكتمال الهوية ووجودي. شيء غامر قد اختبرته لأول مرة. شعوري هذا كان منقوصا. من جديد صرتُ محرومًا من العودة إلى الجولان بحريّة باستثناء أوقات الزيارة المحددة مسبقا من السلطات. برز الشريط الحدوديّ من جديد بوصفه الحد الفاصل. صارت "تلة الصرخات" أو "وادي الدموع" على الشريط الحدودي بمحاذاة قريتي مجدل شمس وسيلة الاتصال الوحيدة المتاحة. في دمشق ينقصني مسقط رأسي وأهلي وأحبتي في الجولان. وفي الجولان تنقصني دمشق مدينتي الأولى وثقافتي ولغتي. أنا لست هنا ولست هناك! أنا على الحدود.

ز.ح: كيف تصيرُ الحديّة-الحدوديّة لغةً في التعبير الفنيّ لها دلالات خاصّة. أسألك وعيني على مراحل تطورك الفنيّ.

أ.ح: كانت البداية في أعمالي في المرحلة بين الأعوام 1997-2002. رسمت شخوصا نصفها ممحي وخط الظل هو الحدّ الجرح - الذي يشطر الجسد الى نصفين. وهو في الوقت نفسه المعبر عن كتلة الجسد ووجوده. المكوث على الحدود جعلت تجربتي تتعمق في معاني الأشياء ودلالاتها. فالحدّ يصبح خطًا أو ضربة سكين أو تجاور الأسود والأبيض أو تضاد لونين. كلّ منهما شرط لوجود الآخر، ولا يكتمل العمل إلا بعذابات المزج. رسمت الإنسان مختزلا بخطوط تعبّر عن وجوده لكنها مرة ملتوية ومرة حادة كالسكين، ومرة هشة تموت في السطوح، والجسم الإنساني منسوج بالخلفية وكأنه جزء منها. وجعلت خلفية العمل تراكم شفافيات تجريدية في الغالب أردت من خلالها التعبير عن تراكم الاهتراءات التي مرّت على المكان. جاء ذلك للتعبير عن علاقة الانسان الشرقي بالمكان . لاحظت ذلك بقوة في دمشق بحيث ترى الناس منسوجين بالمكان كقطعة واحدة. شدتني هذه الميزة وحاولت التعبير عنها بجعل الشخوص، أيضا، منسوجين في خلفية العمل، يولدون منه ويفنون فيه والخلفية مساحات مجرّدة وكأنها تراكم إهتراءات. تميّزت المرحلة الأولى باستخدام اللون البنيّ بصورة طاغية لإدراكي بأنني أرسم مأساة إنسانية. أما التقشف في التلوين يخدم التعبير. واعتقدت في تلك الفترة أن التلوين الحقيقي بمعناه التشكيلي العميق هو قدرة على خلق "تونات" حساسة ولا نهائية محسوبة بقوّتها وتوزيعها، وأن كل درجة لون هي عبارة عن إحداثيات في الفراغ. أو بعبارة أخرى هي (تعريف مكان) واعتمدت التنغيم اللانهائي في تحريك السطوح بين الحار والبارد، والكثيف والخفيف، والدسم الزيتي مقابل الجاف الطبشوري، والكتيم مقابل الشفاف. صار اشتغالي باللوحة كمن يصنع حياة موازية للطبيعة ومستقلة عنها بكل غناها وتعقيدها وعلاقاتها الخفية. تميّزت الأعمال الأولى، أيضا، بإغلاق أطراف العمل بضربات ومساحات داكنة تغلق الجهات الأربع للعمل وتحصر الضوء في بؤرة واحدة فقط وهذه البؤرة قادمة من البعيد خلف الشخوص المرسومة وتخترق بشفافية أرجاء العمل لتشكّل، أحيانا، ما يشبه النفق !

 

1.jpeg

بدون عنوان، قياس 100/80 ، مواد مختلطة على قماش، 2010 ، بلطف الفنان
بدون عنوان، قياس 100/80 ، مواد مختلطة على قماش، 2010 ، بلطف الفنان


ز.ح: الاهتراء، كلمة مفتاحيّة تمثّل واقعًا عربيًا ومحليا. ما هي أسئلتك الوجوديّة الحارقة وأنت تحفر في الاهتراء فنًا على مدار مراحل عمرك وتطوّرك الفنيّ؟

أ.ح: خلال دراستي في دمشق تأثرت بكتابات المؤلف المسرحي الكبير سعد الله ونوس التي كانت تحكي وجدان هذا الشعب الذي يعيش الظلم والاهتراء. ففي كتابه الأخير بعنوان (تزحلق نحو مجاهل موت عابر) تحدث فيه عن رحلة الانسان عبر التاريخ وبحثه عن الحقيقة. فشبّه مجازا تاريخ الانسان وكأنه رحلة في نفق تسير فيه عائلة من القائد - الجدّ الأكبر في المقدّمة بالتسلسل حتى أصغر الأحفاد في المؤخرة ويسرد كيف كان يتم الخلاف على الوجهة الصحيحة وتفترق المجموعات عند مفترقات الأنفاق التي ستؤدي إلى النور، بينما النور دائما من خلفهم عندما تركوه في بداية الطريق وهم بطبيعة الحال مجبرين على المضي قدما. أسرني هذا التشبيه الذي يفيض عن محلّيته ليتحدث عن الإنسانية عامة. من هنا جاءت فكرة إغلاق جهات، وجعلت، أيضًا، مصدرًا واحدًا للحرارة في اللوحة وهو جسم الانسان المرسوم بدلالة على أن الضوء القادم من الخلف البعيد يخترق الجسم ويولد فيه مصدرا لضوء حار ينعكس بدوره في أرجاء اللوحة. الأسئلة المركزية التي استحوذت على بحثي في تلك الفترة هي كيف أخلق عملا يوازي الفكرة الأدبية) التعبير(وقوة التأليف البصري) أن يكون جديدا( ومعاصرًا ضمن مسيرة الفنون البصرية المعاصرة واعتبرت يومها أن العمل الصادق هو العمل المعاصر. واعتبرت الأعمال الحيّة هي أعمال معاصرة لأنها امتلكت القدرة على التأثير ومخاطبتنا في الراهن. ولا يهم ان كانت قد أنجزت قبل مئات السنين. والعكس صحيح، أي أن الأعمال المكرورة هي أعمال ميّتة.

في المرحلة التي تلتها، 2003-2009، والتي كنت مقيمًا فيها في الجولان، بعد عودتي من دمشق طغى - الإحساس بالعزلة على أعمالي. وبدأ لون جبل الشيخ الرمادي يحتل خلفية الأعمال وأصبح الرمادي رمزًا للامكان واللا زمان. فرسمت شخوصي وكأنها مقصوصة وملصقة على المساحة الرمادية. ودخلت في مرحلة فيها لون الشخوص أشدّ وضوحًا وقوة في التعبير عن قوة الفرق والاصطدام بين ما هو ميت (الرمادي) وما هو حيّ (الشخوص) وعدت الى ثنائية الوجود وعدمه والجدليات الدلالية المتعلقة بهذه الثنائية .

ز.ح: ثمّ يأتي الأبيض والأسود، والنقلة إلى تعبير عريض ومُقلق عن الحالة الاجتماعية والسياسية المحليّة.

في 2010-2014 مرحلة الأسود والأبيض. بطبيعة وجودي في قريتي، مجدل شمس، أصبح للبيئة المحيطة والوضع الاجتماعي والسياسي الأثر الأكبر في أعمالي. بدأت بالتعبير عن السخط من الطقوس المحلية المركبة بتعقيداتها الاجتماعية السياسية والدينية، وأسباب التخلف والهزيمة باعتبار المكان هنا، عينة صغيرة لما يحدث في العالم العربي ككل. بدأت بنقد الفكر الديني وانطلقت من الرموز القريبة التي تخصني والتي تنطبق على الحالة العربية العامة. اعتقدت أن الطريق الوحيد للنهوض هو الاعتراف بالهزيمة أولا، ومن ثم نقد ورمي كل العقائد والممارسات المترتبة عليها والايمان بالقيم الإنسانية والمستقبل المفتوح.

في هذه المرحلة رسمت بورتريهات وشخصيات مشوهة المعالم محاطة بهالات بيضاء أو سوداء تقف مبتورة في الرمادي للتعبير عن مدى انقطاعها عن المحيط أوجدت لي رموزًا للدلالة على الأفكار مثل الشجرة المعلّبة والمحروقة كدمغة دلالةً على الفكر الديني السلفي الذي يعمل على تعليب كل ما هو طبيعي وحرقه برمزية اللون الأسود بمقابل الشجيرة الشفافة الطبيعية البيضاء المضيئة المكتوب بداخلها أحيانا عبارة (الله) بشفافية. استعملت الأشكال المغلقة البيضاء أو السوداء الصريحة بالتعبير عن الفكر الأحادي الجامد مقابل الاشكال المفتوحة الهشة التي تحتوي على الكثير من التنغيم والتراكم والشفافية بالتعبير عن الانسان والطبيعة، وخلقت جدلية بين ما هو منسجم مع الطبيعة وما هو ضد الطبيعة.

 

2.jpeg

انسان، قياس 100/90 ، مواد مختلطة على قماش، 2009 ، بلطف الفنان
انسان، قياس 100/90 ، مواد مختلطة على قماش، 2009 ، بلطف الفنان

 

ز.ح: إلى أيّ مدى أنت متأثّر بالفنان الألماني. أسألك وأرى تقاطعات وتقاربًا بين العمل الفنيّ ومعنى الوجود.

أ.ح: أنسيلم كييفر فنان عملاق, شرف كبير لي أن تقترب أعمالي إلى عتبات أحد معابد الإحساس الفني في العالم. وأعتقد ما يجعلك تشعر بالتقارب هو اشتغالي في جدليات الحياة والموت من خلال الأسود والأبيض والأسئلة الوجودية المترتبة على ذلك فكل منهما شرط لوجود الآخر واشتغالي بالخط " الجرح" -كما وضحت سابقا- والرمادي وعلاقته بالزمان والمكان. وأعتقد أن المشترك الأكبر بيننا أننا نقف نفس الوقفة على الحدود في صراعات الإنسان الذي لم يتوقف منذ وجد عن مصارعة أخيه الإنسان بدائرة عبثية لا فكاك منها.

ز.ح.: من يعاين لوحاتك الأخيرة يرى بوضوح تكثيف النقصان وغلبته على الامتلاء أو الملاء على طول الرسمة وعرضها. النقصان يأتي في هيئات: تقديم القليل، حذف التفاصيل بدلا من إكمالها، الألوان التي تضرب جذورًا في "ميلانخوليا" النقصان بصفته بطل اللوحة يعبّر عن قلق وجوديّ وجرعة "بصريّة" من الخوف.

أ.ح: أعتقد بأن الرسم هو القدرة على المحو، وكيف أترك الخطوط والأشكال تغيب وتولد بحالات متعددة ،فكل شيء متحرك أو مُراوح وغير يقيني. وقد يكون "قلقًا وجوديًا" وأعتقد بأن قيمة الفراغ لا تقل أهمية عن الامتلاء فهي بعلاقة شرطية وجدلية بنفس الوقت. أرسم المساحات الضبابية الموحية بالفراغ كمن يرسم الجمر تحت الرماد وأحب أن أترك للمشاهد مهمة إكمال ما هو غير مرسوم. فيكفي مثلا: أن أرسم جزء من وجه لأقول أن هذا وجه. بهذا المعنى أعتقد أن المحو هو الامتلاء بعينه.



3.jpeg

صرخة، قياس 300/130 ، اكريليك وفحم وباستيل على ورق مقوى، 2010، بلطف الفنان
صرخة، قياس 300/130 ، اكريليك وفحم وباستيل على ورق مقوى، 2010، بلطف الفنان

 

ز.ح: لا يطمح العنصر الجسداني في هذه اللوحات الى تصنيفات وفق تمثلات جنسية أو بيولوجيّة. كلّهم في ذات الخندق، والإنسان لا يتجلّى في شكل ذكر أو أنثى واضحي المعالم. إلى أيّ مدى يأخذنا هذا التجريد الجسداني إلى المستقبل، أو كيف نرى مستقبلا عبر جسد تجريدي؟

أ.ح: دائما أرسم أولا ومن ثم أفكر وأحلل لماذا رسمت على هذا النحو. ولاحظت فعلا أنني عندما أقوم بتبسيط الجسد الإنساني عبر الخط يكون في بعض الأحيان غير محدد الجنس، وأحلل ذلك بأنني أرسم الإنسان وعذاباته ولا يشغلني لحظتها إن كان أنثى أم ذكر لأن تحقيق الإنسانية يسري على كليهما .



4.jpeg

بدون عنوان، قياس A3، اكريليك وحبر على ورق مقوى، قياس A3 ، 2011، بلطف الفنان
بدون عنوان، قياس A3، اكريليك وحبر على ورق مقوى، قياس A3 ، 2011، بلطف الفنان



ز.ح: تختفي الرغبة والايروسية، أو لنقل تغيب عن المشهد البصريّ المباشر. لماذا تتوارى الرغبة خلف التجريد، ألا يمكنها أن تكون حاضرة في قلب الأسود وطباقه الأبيض وتسجّل أيضًا موقفًا؟

أ.ح: عندما أرسم يتملكني شعور بأنني أريد التعبير عن كل شيء في الحياة دفعة واحدة ،تخرج الشحنة غالبا على شكل جسد إنساني أو وجه وهي حالة إنسانية مرتبطة بكل شيء دفعة واحدة. أحيانا أستخدم العري للتعبير عن الحقيقة التي تأتي على شكل جسد مضيء مقابل الضّد والتشوه المعتم بهذه الصيغة أعبر عن الطبيعة البشرية بشهواتها ونزواتها عندما يمتزج ويتشوش كلا الطرفين.