رشقات دم

"علامات قطع" (Crop Marks)، أحدث أعمال شريف واكد، هو بورتريه ذاتي، صورة بحجم طبيعي، يظهر فيه الفنان برأس مقطوع. تكتب علمه ميكولينسكي عن دراما هذا القطع محاولةً تقصي انجذابنا الى صور قطع الرؤوس، مثل لوحة هنري رينو التي تصف الاعدام الوحشي في غرينادا أو قطع رأس نيد ستارك في "لعبة العروش"

Advertisement

العمل "علامات قطع" (Crop Marks)، أحدث أعمال شريف واكد، عُرض للمرة الأولى في معرضه الفردي في جاليري 1(Gallery One)، رام الله، عام 2016. وأشبه بأعمال أخرى له، يتميز هذا العمل في التزامه بالواقع السياسي الراهن، لكن من دون استخدامه بأي شكل من الأشكال كدعاية أو كتجسيد لأحداث جارية. واكد يطلب من المشاهدين إعادة فحص الآراء المسبقة، منظومات المعتقدات والتماثلات التلقائية لديهم.

 

Crop-Marks-2.jpg

شريف واكد، علامات قطع، 2016 إنشاء أرضي، صندوقان, 35X75X20  سم مربع و 71X75X20  سم مربع. زجاج، خشب، ملصق مطبوع وعجلات.
شريف واكد، علامات قطع، 2016
إنشاء أرضي، صندوقان, 35X75X20 سم مربع و 71X75X20 سم مربع. زجاج، خشب، ملصق مطبوع وعجلات.

 

العمل هو بورتريه ذاتي مصوَّر يُظهر الفنان مرتديًا بذلة بلون برتقالي فاقع، فيما تبث ملامح وجهه قلقا، وهو يوجه بصره جانبًا. الصورة معروضة كعمل انشاء ارضي مؤلف من صندوقين قابلين للتحريك. عرض الصندوقين متساوٍ لكن الطول مختلف. الصندوق الاقصر يحتوي على صورة لرأس الفنان، في حين ان الصندوق الثاني، الأطول، يحتوي على صورة للجزء العلوي من جسده. والنتيجة هي بورتريه ذاتي بالحجم الكامل ممتد على المصطبة بجزأيه، وهي صورة يمكن من ناحية نظرية ان تتشكل وتُرتب بأشكال مختلفة – مثلا، الشكل الذي يكون الجسد فيه كاملا او بشكل آخر يكون فيه الرأس مفصولًا عن الجسد، مثلما خطط الفنان عمله هذا.

 

Crop-Marks-1.jpg

شريف واكد، علامات قطع، 2016
شريف واكد، علامات قطع، 2016
إنشاء أرضي، صندوقان, 35X75X20 سم مربع و 71X75X20 سم مربع. زجاج، خشب، ملصق مطبوع وعجلات.

 

يضفي العنوان على العمل طابعه اللاذع، ولكن القاتم في نفس الوقت. مصدر المصطلح هو صناعة الطباعة، ويتطرق الى العلامات الشبيهة بالصلبان على أطراف الطباعات، حيث يُفترض قص الهوامش بالسكين، وتكون الصورة "نازفة" (لو تطرقنا إلى المعنى المزدوج للكلمة باللغة الانجليزية "bleed" في هذا السياق).
لا يمكث واكد في البعد المجرد لصناعة الطباعة فقط، بل يستغل التداعيات التي تعود الى الاصطلاح المهني، مبنى العمل ثنائي الأجزاء المضمون والشكل، من اجل خلق صورة للفنان مقطوع الرأس. ان تعليمات الانتاج الجافة التي يتطرق اليها المصطلح "علامات قطع" تجري بشكل حرفي حين تكون صورة الفنان مجزأة الى جزأين عند العنق بالضبط. النزيف الذي يرمز اليه العنوان يثير في الخيال رشقات دم غير موجودة فعليا، والآلة الحديثة لقطع الورق تستبدل بالمقصلة الأصلية، وهي طريقة كانت شائعة وناجعة لقطع الرؤوس خلال الثورة الفرنسية. وهنا يتردد ايضا صدى صور عمليات الإعدام الوحشية لتنظيم "داعش" والتي نشرت في كل العالم عبر وسائل الاتصال التقليدية والشبكات الاجتماعية، من خلال مقاطع فيديو ساهمت في تكريس صورته كتنظيم عديم الرحمة يتجاهل جميع قواعد الاخلاق والقانون الدولي. فاللباس الذي يرتديه الفنان أيضًا يساهم في قراءة الصورة بهذا الشكل: اللباس البرتقالي الفاقع لا يشير اليه فقط بوصفه "مصروع موضة" بل يرتبط جدا أيضا بالسجون في أمريكا والأسرى لدى داعش.

 

Henri_regnault_maures_grena.jpg

هنري رينو، إعدام بدون محاكمة تحت سلطة الماوريين في غرينادا، 1870، متحف دورسي، باريس
هنري رينو، إعدام بدون محاكمة تحت سلطة الماوريين في غرينادا، 1870، متحف دورسي، باريس
زيت على قماش, 302X146 سم

صورة متاحة للجمهور

 

حين انظر إلى العمل تتراءى أمام بصري صورة أخرى تصف إعداما وحشيا في غرينادا، والتي صور بها، وبألوان حية، الرسام الفرنسي في القرن التاسع عشر، هنري رينو (Regnault) لوحة الإعدام بدون محاكمة تحت حكم الماوريين في غرينادا (Exécution sans jugement sous les rois maures de Grenade). هنا تموضِع نقطة الإطلالة المنخفضة الفعل على مستوى اعيننا، المشاهدين، في حين يقف منفذ الإعدام مباشرة فوق الجثة، الرأس المقطوع ورشقات الدم الواقعية التي رسمت بطبقة ثخينة من اللون الأحمر القاني. لغرض زيادة الأثر، جعل الرسام اللون ينقط ليشابه سيلان وتركيبة الدم الحقيقي. يجب عدم توجيه الاتهام الى التقاليد الاستشراقية وانجذابها الى عنف شمال افريقيا والشرق الاوسط بكونها فظة وغير لائقة سياسيًا، بل يجب علينا فقط ان نتذكر باستمتاعنا المصدوم خلال مشاهدة قطع رأس نيد ستارك في مسلسل "لعبة العروش".

 

ned stark.jpg

قطع رأس نيد ستارك، لعبة العروش الحقوق الفكرية محفوظة لصالح HBO*
قطع رأس نيد ستارك، لعبة العروش

الحقوق الفكرية محفوظة لصالح HBO*

 

لا نرى في "علامات قطع" دماءً، ولكننا في هذه الحالة ايضا ننخرط في الحدث الذي يصفه العمل، فيما يتجاوز كوننا مشاهدين او هواة فن. فمن خلال قراره موضعة العمل على الارض يقوم واكد بتفعيل الفضاء بشكل يكاد يكون غير ممكن في نوعية الأعمال التي تعلق تقليديًا على الجدار، ولا حتى في لوحات الصالون الفرنسية المزخرفة والواقعية. ان الوظيفة التقليدية للأعمال المموضعة على الارض، والتي خصصها لها فنانو الاعتدال الفرنسيون – كان تشديد مادية المشاهدين، ولا تزال اليوم ايضا بارزة في أعمال الإنشاء الانغماسية الشعبية التي تستخدم الفضاء لغرض فصل المشاهدين عن الواقع المادي لجسدهم ناقلة إياهم نحو بيئة بديلة. واكد يعمل بموازاة هذه التقاليد حين يأخذ عملا تصويريا ثنائي البعد، غير انغماسي، كان مخصصا للتعليق على الجدار، ليموضعه على الارض مباشرة. هذا الأمر يمنح البورتريه الذاتي معناه، لأنه توجد لموضع العمل تداعيات تخص السردية وكذلك تداعيات اخلاقية. فمن ناحية، وخلافا للصور العامودية، المنتصبة والمعلقة، ينظـَر الى البورتريه هنا كصورة لجسد جريح، او لجثة. من ناحية ثانية، بفضل العجلات في اسفل الصندوقين، يمكن تحريك واعادة ترتيب الصورة بحيث تخلق سردية مؤقتة لـ"ما قبل وما بعد". فالعجلات تضيف الى عمل الانشاء صفة المؤقت، وكأننا نشاهد قطع رأس مصوّر ونشاهد نتائجه المرعبة، وعندها نعيد الفيلم الى الوراء لكي نلغي الفعل او لكي نشاهد هذا الفعل مرة بعد اخرى، وبالتالي نضيف الى دراماتيكية قطع الرأس بعدا تهكميا يجعل العمل أكثر خفة.
في هذا السيناريو يصبح المشاهد جزءا من العمل إثر الإمكانية النظرية لإجراء ولإلغاء فعل القطع، وهو ما يقود الى انخراطه الاخلاقي في القطع كمشارك فيه. تعابير وجه الفنان القلقة ونظرته المشدوهة المتسائلة تشحن الفضاء المادي الذي يتموضع فيه العمل. فالمشاهد يتحوّل الى منفذ للإعدام لأنه جزءٌ من هذا الفضاء، وبالتالي جزءٌ من الفعل الواقع فيه ايضا. بهذا المعنى، توجد هنا وظيفة للإدراك التقليدي لأعمال الإنشاء الأرضية بوصفها أعمالا تفاعلية، مع انها تصل ما يتجاوز المشاركة المجردة للمشاهدين، نحو ما يحمل تداعيات أخلاقية.

 

 

*الصورة مأخوذة من "لعبة العروش" او من موقع انترنيت من إنتاج وبملكية HBO، والحقوق الفكرية محصورة بيديها. جميع العلامات التجارية والرموز المسجلة في الصورة هي بملكية HBO واشتمال هذا النص عليها لا يدل على أي تملك للعبة العروش. هذه الصورة تظهر هنا بتخويل من HBO من خلال إدراك أنه يمكن لها المطالبة بإزالتها في أي وقت تراه مناسبا.