الهلال الكبير: فن وتململ اجتماعي في الستينيات – اليابان، كوريا الجنوبية وتايوان

"نحن إرهابيو فن" أعلن كاتو ياسوهيرو الذي قاد مجموعة "بعد الصفر" في الستينيات. إن هذه المقولة تمثل روح تلك الفترة، والمناخ المتوتر ضد السلطة السياسية، مثلما هو ضد السلطة الفنية أيضا، التي وجدت مساحة لها في اليابان خلال الستينيات. أييلت زوهر تكتب حول معرض بحثي استعرض طليعة هذه الفترة في اليابان، كوريا الجنوبية وتايوان

Advertisement

زوروا متجرنا الفوري دعمًا لتوهو بواسطة اقتناء طباعات فنيّة متوفّرة بإصدار محدود

كاتو ياسوهيرو (Katō Yasuhiro) لم يعد شخصًا شابًا، لكنه لا زال أنيق المظهر. يرتدي ما يبدو كنمط "هيبي" لم تطرأ عليه تغيرات من الستينيات. وبشعر طويل ومعطف ذي نمط عسكري، وقف على المنصة في احد النشاطات التي رافقت المعرض أواخر حزيران من هذا العام، في متحف موري للفن المعاصر في طوكيو، حيث عرض ببث لمرة واحدة فيلما مدته ساعة، هو عمليا عمل فيديو توثيقي لعدد من العروض الاستفزازية والمتحدّية لمجموعة "بُعد الصفر" Zero Jigen/ Zero Dimension) التي قادها كاتو خلال الستينيات. حضوره الذي يحمل طابعا قديما بعض الشيء، وأسلوبه الذي لا يزال مكرسا في الستينيات، وكذلك محاضرته التي طعّمت دون تمحيص بمقتبسات من فرويد وماركوزه، هارا كريشنا وبويس، شكلت كلها معا شهادة حية على مرحلة صاخبة ومناهضة قوامها "مناهضة الفن" في اليابان إبّان الستينيات، وهي التي فقدت الكثير من صلتها باليابان الراهنة. هذا على الرغم من أن الأسئلة الاجتماعية/السياسية/ الثقافية الماثلة أمام الجدل العام للفنانين في اليابان اليوم أيضا، يمكنها بالتأكيد أن تجد إلهاما لا بأس به في نشاطات تاكو ورفاقه.

 

קבוצת מימד האפס, מרץ 1968, צילום: קיטדה יוקיו. באדיבות קאטו יאסוהירו

קבוצת מימד האפס, מרץ 1968, צילום: קיטדה יוקיו. באדיבות קאטו יאסוהירו
مجموعة بعد الصفر
اذار 1968، تصوير: كيتادي يوكيو. بلطف من كاتو ياسوهيرو
 

إن موروث تلك المجموعة الطليعية من الفنانين يواصل التأثير وإثارة الاهتمام والفضول حول النشاطات المتطرفة والمتحدية في فنها، وخصوصا في ضوء صعود نجم خطاب محلي نقدي في العقد الأخير. في الفيلم الوثائقي الذي أنتج خلال عروض الشارع التي انجزتها مجموعة "بعد الصفر" تظهر مقاطع كثيرة جرى تصويرها في شوارع طوكيو، اوسايا وناغويا، ويسير فيها أعضاء المجموعة عراة وهم يثيرون الصخب، بجنازير على أجسادهم، قبعات تسيلندر أو اقنعة واقية من الغاز، وذلك وسط رفع لافتات تدين السلطة، غناء أناشيد هارا كريشنا، قراءة مقاطع أدبية، رقص، ركل، وأنشطة أخرى تمثل الحرية والتحررية. "نحن إرهابيو فن" (art terrorists) أعلن كاتو في مقال كتبه بعنوان "عرض صاعد في التمرد ضد حضارة الحداثة". إن هذه المقولة تمثل روح تلك الفترة، والمناخ المتوتر ضد السلطة السياسية، مثلما هو ضد السلطة الفنية أيضا، التي وجدت مساحة لها في اليابان خلال الستينيات.

"الهلال الكبير" هو الاسم الذي استخدمه عناصر المخابرات الأمريكية لرسم وتخطيط خارطة جهوزية الولايات المتحدة الأمريكية في شرق آسيا – وهو قوس كبير يمتد من الخليج الفارسي، مرورا بفيتنام وحتى اليابان. قيّمو المعرض الذي أُشهِر للمرة الأولى في غاليري بارا – سايت البديل في هونغ كونغ (تشرين الأول – شباط 2014) ولاحقا في متحف موري للفن المعاصر في طوكيو، اختاروا هذا الاسم لغرض التلميح إلى السياق الواسع والفضاء السياسي الذي وقعت الأحداث بضمنه (تحت المظلة العسكرية – السياسية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية). هذا العنوان يكرس أيضا الخلفية التاريخية – السياسية – الاجتماعية التي نشط فيها الفنانون المذكورون وكذلك مجموعات عرض و "مناهضة الفن" الأخرى. تم في مدخل المعرض تنصيب جدول خطوط زمن موازية تصف الأحداث والصراعات المختلفة في شرق آسيا – من جانبها السياسي والاقتصادي – وهذا إلى جانب استعراض تطور حركات طليعية، وخصوصا حركات العرض في كل واحدة من الدول الممثلة في المعرض.

 

צ'ה בונגהיון ואחרים. מיצג עם מטריית פלסטיק ונרות, צילומים דוקומנטריים, דצמבר 1967. באדיבות המכון לחקר האומנות (KARI), סיאול

צ'ה בונגהיון ואחרים. מיצג עם מטריית פלסטיק ונרות, צילומים דוקומנטריים, דצמבר 1967. באדיבות המכון לחקר האומנות (KARI), סיאול
تشي بونغهيون وآخرون. عرض مع مظلة بلاستيكية وشموع
صور وثائقية، كانون الأول 1967. بلطف من معهد أبحاث الفن (KARI)، سيئول

 

سنوات الستينيات الصاخبة في العالم لم تستثنِ شرق آسيا أيضا وخصوصا اليابان، كوريا وتايوان وهي التي يتناولها هذا المعرض. 1960 أشارت إلى السنوات الخمس عشرة منذ انتهاء حرب آسيا والمحيط الهادي، وخمس عشرة سنة على إلقاء القنبلة النووية على هيروشيما وناغازاتي. والى جانب ذلك مثّلت السنة نجاح اليابان الاقتصادي هائل السرعة (نتيجة لحرب كوريا، جزئيا). ان هذه السيرورة وصلت ذروتها مع أولمبياد طوكيو عام 1964 (بما في ذلك إشهار قطار الطلقة)، ولاحقا معرض اكسبو عام 1970، والانفعال العالمي من الأعجوبة الاقتصادية والترميم مذهل السرعة لليابان من قلب رماد الحرب. في كوريا، بالمقابل، كانت تلك سنوات أزمة سياسية عميقة، ولم يبدأ التعافي إلا مطلع الستينيات، بعد خمسين سنة من الاستعمار الياباني (1910- 1945)، وثلاث سنوات قاسية من حرب الكوريتين (1950- 1953)، وذلك من خلال تلقيها استثمارات اقتصادية واسعة من الولايات المتحدة واليابان لعملية الترميم. خلافا لهذه وتلك، فقد وجدت تايوان نفسها في مأزق مقابل الصين الشيوعية المنطوية والمهددة، وسط حصول تايوان على دفاع شامل من الولايات المتحدة الأمريكية، وهكذا تحولت عمليا الى "جمهورية الصين". وطالما ظلت الصين منعزلة ومغلقة خلف "ستار البامبوك" (حتى السبعينيات)، بقيت تايوان عمليا الممثل الصيني في جميع المؤسسات العالمية. أسوة بهذا، يجب فهم أن اتكال دولة الجزيرة الوحيدة بشكل تابع ومطلق على الولايات المتحدة وسياستها في منطقة المحيط الهادي قد شكلت تهديدا حقيقيا على شعور السيادة المحلي.

بدأت اليابان العقد الجديد بسلسلة من المظاهرات الصاخبة لمجموعات واسعة من المواطنين، الطلاب والعمال، الذين خرجوا لإطلاق سخطهم واستنكارهم لنوايا النظام تجديد اتفاق الدفاع مع الولايات المتحدة الأمريكية.1 لقد استفاق كثيرون في اليابان من وهم" الديمقراطية و السلام" بعد أن رأوا ما تفعله الولايات المتحدة في قواعدها العسكرية على ارض اليابان لغرض إدارة حرب كوريا والحفاظ على توازن عسكري أمام الاتحاد السوفييتي في آسيا، وكيف أن رئيس الحكومة نفسه، نوبوسكي كيشي، يعمل بشكل غير شرعي بالمرة (ينظر الهامش 1) بغية تمرير التصويت في البرلمان الذي صادق على استمرار اتفاقية الدفاع أمام الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال خيانة مصالح الأمة. المظاهرات تواصلت ثلاثة أسابيع فقط ولكن بصمَتها، أثرها ومظاهر غضبها بقيت في الذاكرة الجماعية لليابان لسنوات كثيرة تالية.2

شهدت السنوات اللاحقة لتلك الفترة صخبا ثقافيا لافتا تضمن ظهور منتجين سينمائيين جدد مثل اوشيما ناغيسا (Oshima Nagisa) (1932-2013) ("ليل وضباب في اليابان", "قصة شباب قاسية", "عنف في الظهيرة", "الموت شنقا", "يوميات حرامي في شنجوكو", "حديقة الحواس" والكثير غيرها), وكذلك فنانين أفراد ومجموعات طليعية نشطت في الفترة نفسها مثل بُعد الصفر المشار اليها أعلاه، هاي رد سنتر (Hi Red Centre) وشخصيات أخرى – يوكو اونو هي الأشهر بالطبع وعملها ( Cut Piece 1964) الذي عرض في اطار المعرض.3

 

Yoko Ono, Cut Pieces (1964)

Yoko Ono, Cut Pieces (1964)
Albert Maysles + David Maysles

 

إن القيمين الأربعة – كوسمين كوسطنس مبارا-سايط (هونغ كونغ)، دوريون جونغ – القيمة الرئيسية في M+  (هونغ كونغ), لزلي ما,  قيمة Ink Art  و M  (هونغ كونغ), ومامي كاتاوكا من متحف موري (طوكيو) – تعاونوا معا في العمل على هذا الموضوع المشحون والمعقد واستحضار شيء من الغضب، السخط، العجز، السياسة والرغبة في التعاطي مع واقع سياسي معقد جسده أولئك الفنانون في عملهم. وتعكس الأراشيف الثلاثة ثلاث ثقافات كانت مرتبطة بحبل الصرة بالماضي البعيد،4 وكانت تقاليدها الثقافية والفنية مرتبطة الواحدة بالأخرى حتى نهاية القرن التاسع عشر. على النقيض من ذلك، فان النصف الأول من القرن العشرين ترافق بعنف متطرف من اليابان نحو تايوان5 وكوريا: احتلال، استيطان، استعمار، تعامل قاس ٍ وعنيف واستغلال موارد الدوليتن (مواد خام وقوى عاملة). مع ان النظام الكولونيالي الياباني في كوريا وتايوان انهار عام 1945 مع هزيمة واستسلام اليابان لدول التحالف،  فإن التوترات، الكراهية، انعدام الثقة والنظرة السلبية نحو اليابان تواصلت لسنوات كثيرة تالية، بل هي قائمة إلى حد ما اليوم أيضا. يعرض المعرض قسما من الرغبة في إنشاء شراكة متجددة بين الدول الثلاث، وهي رغبة نابعة من الحاجة في إنتاج نزعة تسوية، ثقة مجددة وإمكانية لربط الاراشيف الثلاثة تحت فكرة من التشابه والموازاة، وبالتالي، تجاوز حاجز العداء والتشكيك – وهو الذي لا يزال يشكل جزءا من الخطاب اليومي للدول الثلاث. بهذا المعنى يمثل المعرض نوعا من الفعل الطليعي الجديد بمحاولته ربط هذه الثقافات القريبة مجددا بعضها ببعض.6

فيما يتجاوز البعد التاريخي والثوري، قدم المعرض إمكانية جديدة لفهم جديد في اليابان داخل الفضاء الآسيوي. بعد نحو 150 سنة من إدارة الظهر للفضاء الآسيوي عموما، والصيني خصوصا، والتوجه إلى دول الغرب، أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، تجد اليابان نفسها اليوم معنية إلى درجة كبيرة بتجديد علاقاتها مع آسيا، واستعادة العصر الذهبي للعلاقات الثقافية والاقتصادية المتفرعة بين الصين واليابان كما كانت عليه. يجب هنا الاستدراك والقول إن الأمر مقبول جدا في حلقات المثقفين والفنانين، على الرغم من ان الحلقات السياسية تسودها تحفظات غير قليلة وقلق من الصعود المتسارع للصين، وخشية من مناخ انتقام من جهتها بسبب الأحداث القاسية التي رافقت الاحتلال الياباني للصين بين الأعوام 1930و 1945.

يتألف المعرض من صور، مقاطع سينمائية، فيديو توثيقي، مجلات، وقطع صحف من تلك الفترة. يحمل هذا المعرض مبنى أرشيفيا. أسلوب العرض يحاول عمليا إنتاج ثلاثة اراشيف متوازية من الأعمال الفنية والعروض، لا تماس او تلامس بينها، وإنما بوصفها حدثت الواحد بجانب الآخر. هذا الشكل من الأرشفة بصورة عرض، فيما يتجاوز بُعد الذاكرة، والترسيخ التاريخي الذي ينتجه، يساعد أيضا في خلق التوتر، والتمييز بين خطوط تشابه واختلاف كطريقة لفهم السيرورات الكثيفة إبّان الستينيات في آسيا، وتأثيرها المتواصل حتى اليوم. من اللافت رؤية التشديد الخاص على الجانب الفردي والابتكاري لهؤلاء الفنانين، وهم يقدمون بوصفهم يحملون طاقة ولغة أدت إلى أحداث تغيير في عالم الفن لدى اليابان، كوريا الجنوبية وتايوان، خلال السنوات التالية لذلك.

إن مثل هذا التعاون يعطي بعدا جديدا لفهم العلاقات التاريخية البعيدة، فترة الحرب، وكذلك للاهتمام المشترك الذي كان لدى الفنانين في الدول الثلاث داخل حركات الطليعة، والعمل السري، الاستعراضي، والتفكيكي خلال الستينيات، والذي كان بوسعه أن ينقذ الخطابات المحلية من الشعور بفائض اجتماعي عائلي وحداثة متكلسة داخل مجموعات الفن التي نشطت حتى ذلك الحين في المحيط المحلي.

 

קאנג גוקג'ין, ג'ונג גאנגג'ה, ג'ונג צ'אנסונג. רצח על גדת נהר האן, 17 לאוקטובר, (16:00). באדיבות המכון לחקר האומנות (KARI), סיאול

קאנג גוקג'ין, ג'ונג גאנגג'ה, ג'ונג צ'אנסונג. רצח על גדת נהר האן, 17 לאוקטובר, (16:00).  באדיבות המכון לחקר האומנות (KARI), סיאול
كانغ غوكجين، جونغ غانغجا، جونغ تشانسونغ. قتل على ضفة نهر هان
17 تشرين الأول (16:00). بلطف من معهد أبحاث الفن (KARI)، سيئول

 

لقد ابرز المعرض نشاط "مناهضة الفن"، من خلال التمحور في أعمال عرض في اليابان، كوريا الجنوبية وتايوان، في العقد نفسه الذي يعج بتغيرات واسعة في العالم كله. في حين أن سنوات الستينيات شكلت فترة حرجة من ناحية اجتماعية وسياسية، وشهدت تحولات وتغيرات كثيرة، فقد كانت الخلفية في كل واحدة منها مختلفة - وقعت التغيرات في اليابان على خلفية اتفاقية الدفاع مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ في كوريا، على خلفية صعود حكومة جديدة وتسارع النشاط الاقتصادي؛ أما في تايوان فعلى خلفية التوترات مع الصين. وفي حين طغى التجريد الحديث على تيار الفن المركزي في اليابان وكوريا في تلك الفترة، فإن الإنتقالة الى حركات الطليعة التي استخدمت بشكل مباشر جسد الفنان بزغ نجمها ليس فقط كحالات محددة تأثرت بأساليب مختلفة من العرض في المراكز الثقافية الكبرى في الغرب (ايب كلاين، كريس باردن، وغيرهما)، وإنما أيضا من إمكانية الحديث عن العرض كتعبير ثقافي محلي يوفر جوابًا على العروض التي تمت في الغرب، انطلاقا من رؤيا وعمل في السياق الثقافي المحلي.

يتألف المعرض من ثلاث سرديات متوازية، وبالأساس لان حركات الطليعة انطلقت في المواقع الثلاثة دون علاقة بينها. احد عوامل ذلك هو الماضي الاستعماري، الذي لا يزال صداه يتردد في علاقات الحقد والعداء إلى حد ما، وكذلك الفجوات السياسية والثقافية بين الدول المذكورة الثلاث.

لمحة تاريخية سريعة عن أسباب التوترات الثقافية بين الدول الثلاث: عام 1895 ضمت اليابان تايوان وفي العام 1910 كوريا، وحولت الدولتين إلى مستعمرتين تابعتين لها – وهو فعل أجج توترات كبرى ترافقت بتمرد وكراهية عميقة نحو اليابانيين في آسيا. ومع انتهاء الحرب في آسيا ومنطقة المحيط الهادئ واستسلام اليابان لدول التحالف، وجدت المستعمرات السابقة دربها نحو الاستقلال، وسرعان ما استبدلت المشاعر بالمخاوف المتزايدة أمام السلطة الشيوعية التي تتعزز قوتها في كوريا الشمالية والصين. عمليا، جرى اللقاء الأول بين فنانين في تايوان وكوريا مع الفن الحديث تحت حكم الاحتلال الياباني فقط. مع انتهاء الحرب، تحولت اليابان إلى دولة مناهضة للحروب بحكم الدستور الجديد عام 1967، ولكن في كل واحدة من الدول الثلاث، ضمن مكانتها المحددة والمتميزة في "الهلال الكبير" كان (ولا يزال) هناك حضور قوي لقوى عسكرية أمريكية على أراضيها. ولهذا، نشأت علاقات متبادلة واسعة مع الولايات المتحدة الأمريكية في مجالات حياتية مختلفة، وتسللت الثقافة الأمريكية الى نسيج الحياة المحلي حيث لها تأثير كبير ومكانة خاصة في كل واحدة من الدول على نحو يختلف من الواحدة لجارتها. نتيجة للمنظومة السياسية الجديدة والحضور الأمريكي الكثيف – في السياقات السياسية، العسكرية، مثلما هو الامر في السياقات الثقافية – فان أحداثا مثل خطاب النشاط لدى حركات فنية أمريكية (وأوروبية) دخلت الى الدول الثلاث. هذا المعرض تناول على نحو خاص تأثير حركات الطليعة الغربية وفنانين مثل جوزيف بوي، الان كابرو، جورج متسيوناس، ومجموعة فلوكسوس، الذين كان لهم تأثير هائل على حركات الطليعة في اليابان، كوريا الجنوبية وتايوان.

Cut Piece ، عمل يوكو اونو هو ربما أكثر الانتاجات شهرة في المعرض. هذا عمل يتناول العنف المباشر – لمساعدة مقص بعد سيرورة طويلة ، بطيئة، مليئة بالتوتر، يقوم جمهور المشاهدين بقصف فستان الفنانة، القطعة تلو الأخرى، حتى يصبح عارية تماما. هناك عمل لافت آخر للفنانين جيرو تكامتسو (Jiro Takamatsu), جامبي اكاسغاوا (Genpei Akasegawa), وناتسيوكي ناكانيشي (Natsuyuki Nakanishi) – الفنانون الثلاثة اشتهر كل منهم بعمله المستقل ولكن ايضا في إطار مجموعة (HRC (Hi Red Centre التي نشطوا في إطار عروضها بمنطلقات مختلفة. في عمل ("حدث تنظيف", 1964) الذي يشمله المعرض، أجروا عرض تنظيف شوارع – مزودين بدلاء، خرق قماشية وأقنعة وجه، خرج فنانو  HRC الى حي جينزا الثري وطلبوا من جمهور المارة مساعدتهم في حملة تنظيف الشارع والمدينة. كان هذا فعلا نقديا رد بشكل مباشر على الأساليب التي طلبت بها السلطة تجنيد سكان المدينة لتنظيفها، تجديدها وترميم واجهتها نحو الألعاب الاولمبية. ولدى تاكامتسو، اكاساجوا، نكاشيني، تحول الحدث الى لحظة نقدية, فقد كان العمل احتفاءً ساخرا بالطريقة التي تم فيها تجنيد الجمهور لهدف مشكوك جدًا في ضرورته أو نجاعته. هذا الموضوع يتردد صداه جيدا اليوم ايضا بشأن الاستثمارات الكبرى التي تخططها اليابان من اجل الألعاب الاولمبية بطوكيو عام 2020- وهي سيرورة تجر خلفها جدلا ونقدا شعبيين هائلين.

 

מינורוהירטה "ארוע הניקיון של High Red Center (הידוע רשמית כהיו נקיים! וגם המהלך לעידוד ניקיון וסדר במטרופולין"). 1964. © מינורו הירטה. באדיבות גלריה טאקה אישי, טוקיו

מינורוהירטה \"ארוע הניקיון של  High Red Center (הידוע רשמית כהיו נקיים! וגם המהלך לעידוד ניקיון וסדר במטרופולין\"). 1964. © מינורו הירטה. באדיבות גלריה טאקה אישי, טוקיו
مينورو هيرتا "نشاط التنظيف لـ High Red Center (المعروف رسميًا بـ كونوا نظيفين! وكذلك اجراء تشجيع النظافة والترتيب في المدينة")
1964. © مينورو هيرتا. بلطف من غاليري تاكا ايشي، طوكيو

 

مشروع تشي بونغهيون Choi Boong-hyun كان الاحتفال الأول في سيئول  وعنوانه "احتفال مع مظلة بلاستيكية وشموع". العارضون رقصوا في حلقة حول تشي، والذي انشد أغاني ثورية من القرن التاسع عشر في حين كان الراقصون يشعلون الشموع التي تم إلصاقها بالمظلة. وخلال دوران المظلة كانت نقاط الشمع تتطاير بسرعة بكل اتجاه إلى أن تنطفئ الشموع. صورة المظلة شكلت استعارة لمفهوم "مظلة دفاع نووي" وإسقاطات هذا المفهوم على العيش في كوريا الجنوبية والخوف الدائم القائم من القوة النووية لشقيقتها الشمالية.

صور تشانغ تشاو تانغ Chang Chao-Tang هي إحدى مجموعات الأعمال الأطول والأكثر أهمية في تايوان وتمتد على نحو ستة عقود. مجموعة الأعمال التي عرضت في المشروع الحالي ضمت سلسلة "صور حديثة" (1965)، وهي تعرض سلسلة بورتريهات استعراضية لأصدقائه الذين تم تصويرهم في مواقع مهجورة وفضاءات طبيعية في نواح العاصمة تاييبي (Taipei)  التي مرت سيرورة تصنيع سريعة في تلك الفترة. وكمن تأثر بالفن الحديث في الغرب ومن كتاب تايوانيين عاصرهم، فان بورتيهات تشانغ تظهر شخوصا مقطوعة، عديمة الأوجه، مشوشة وقلقة – كجزء من محاولة إظهار الجوانب الصادمة تغيرات الكثيفة التي مرتها تايوان خلال القرن العشرين.

المعرض هو محاولة هامة ولافتة لتناول اراشيف معلومات انطلاقا من تحليل السيرورات التي تم تنسيقها جزئيا فقط، حيث تلعب المادة البصرية دورًا ثانويًا مقابل المعرفة والإدراك بشأن مساهمة المشاريع المختلفة وتأثيرها على روح الإبداع بهذه الدول في العقود اللاحقة. ان التعاطي السياسي والاقتصادي، الرغبة في الارتباط بلغة تمثيل جديدة والعمل المكثف على أساليب عرض جديدة، صور وفيديو آرت أدت إلى هذا الازدهار الذي نرى ثماره حتى اليوم في عالم الإبداع البصري في تايوان، كوريا الجنوبية واليابان.

*

الفنانون المشاركون: تشانغ تشاو تانغ (تايوان) ( (Chang Chao-Tang, تشي بونغهيون (كوريا الجنوبية) (Choi Boong-hyun), تشوانغ لينغ (تايوان) (Chuang Ling), Hi Red Center (اليابان), هوانغ هواجنغ (تايوان) ((Huang Huacheng, جونغ جانغجا (كوريا الجنوبية) (Jeong Gang-ja), لونغ تشيوو (هونغ كونغ) (Leung Chi Wo), كانغ غوك-جين (كوريا الجنوبية) (Kang Guk-jin), يوكو اونو (اليابان)، بعد الصفر (اليابان) (Zero Jigen/ Zero Dimension).


  • 1. تم توقيع اتفاق الدفاع المشترك بين الولايات المتحدة واليابان للمرة الأولى عام 1952، مع انتهاء 7 سنوات احتلال أعقبت الحرب في آسيا والمحيط الهادئ. بما أن دستور اليابان الجديد حظر عليها كل شكل من النشاط العسكري، فإن وظيفة الدفاع عن اليابان اخذتها الولايات المتحدة على عاتقها من خلال بناء سلسلة من القواعد العسكرية على طول اليابان وعرضها. واشتملت على قواعد ضخمة لسلاح الجو التي شكلت قواعد انطلاق للطائرات خلال حربي كوريا وفيتنام. اتفاق الدفاع يتجدد كل 10 سنوات تقريبا، وقبيل تجديده عام 1960 ساد اليابان سخط كبير (بفعل طريقة استخدام الولايات المتحدة تلك القواعد كأداة لخدمة المصلحة الأمريكية في آسيا) وهو ما تجسد في خطابات ممثلي المعارضة في البرلمان. ولكن بما أن رئيس الحكومة كيشي كان معنيا بوقف الجدل وتجديد الاتفاق قبل زيارة آيزنهاور الى اليابان عية 19 أيار، فقد استقدم الشرطة الى البرلمان ودخله عناصرها وأخرجوا أعضاء المعارضة بالقوة. وتم اقرار الاتفاق فور ذلك، بأصوات الائتلاف الحكومي، ودون إزعاج... وقد نشر الأمر في اليوم التالي بشكل واسع في الصحافة وهو ما أدى الى اندلاع مظاهرات مليونية استمرت نحو ثلاثة أسابيع وشلت الحياة في طوكيو بشكل تام. للمزيد من التفاصيل: Packard, George R. (1986). Protest in Tokyo: The Security Treaty Crisis of 1960. Princeton, NJ: Princeton UP (Reprint of: Connecticut: Greenwood, 1978) 15, 40-42.
  • 2. هذه السنة التي تعد سنوات حكم القيصر الحاكم وفقا للتقويم الياباني، وتبدأ من جديد مع كل اعتلاء لقيصر جديد.
  • 3. Karatani Kōjin (2012). 'The Discursive Space of Modern Japan', History and Repetition, New York: Columbia University Press, 47-84.
  • 4. Ming Tiampo (2011). 'Decentering Originality: Originality, Individualism and Subjective Autonomy', Gutai: Decentering Modernism, Chicago and London: University of Chicago Press, 37-43.
  • 5. كانت تايوان ممثلة لـ"ثقافة الصين" طوال تلك الفترة، بسبب غياب الصين عن خريطة العلاقات الدولية في السنوات 1949-1972
  • 6. تم بموازاة المعرض عقد مؤتمر أكاديمي بالاشتراك مع جامعة طوكيو بعنوان Global Asia and Diasporic Art in Japan and Asia - ودعيت اليه كواحدة من المتحدثات حيث ناقشت السؤال: لماذا في موريمورا ياسوماسا المهروف بطرح ومسرحية صور ايقونية ثقافية، توجد صور اسيوية قليلة جدا (ثلاث صور فقط: ماو تسي تونغ، المهاتما غاندي، ومشهد اعدام جندي فيكونغ بأيدي ضابط شرطة سايغون، التي صورها ايدي ادامز عام 1968). للمزيد حول المؤتمر والمتحدثين:: http://www.mori.art.museum/eng/nyu/index.html