أداء ما بعد الحجْر: تينو سيغل وشركاء آخرون في down earth في برلين

في فترة التباعد الاجتماعي، يمكن لمعرض موضوعه الإيكولوجيا ان يتحوّل الى تساؤل حول العلاقات ما بين البشر. ميخال ب. رون تستعرض down earth الذي عرض في الصيف الأخير في غروبيوس باو، برلين.

مر بعض الوقت منذ أن زرت معرضًا في مؤسسة فنية. بداية، أغلِقت الغاليريهات والمتاحف بسبب الكورونا، وبعدها أغلقت متنزهات الأطفال في عطلة الصيف... أنا سعيدة بأن أول المعارض التي زرتها بعد ذلك كان Down to Earth, Climate Art Discourse Unplugged في غروبيوس باو: معرض جماعي يجسد ما يمكن للمعارض أن تفعله بالزائرين، ومع الزائرين. هذا تجسيد مهم في فترة التباعد الاجتماعي وفضاءات العرض الافتراضية – معرض يمكن للزائر فيه أن يعيش التجربة في ذلك الفضاء، في قلبه تماما، بنفسه.

تضم قائمة الفنانين أسماء كبيرة مثل قادر عطية (Attia)، اندراس غورسكي (Gursky)، اليسيا كواديه (Kwade)، توماش سراسينو (Saraceno)، وتينو سيغل ((Sehgal، وهو أيضا أحد قيّمي المعرض. الى جانبهم هناك منظرون معروفون مثل برونو لاتور (Latour) وبيتر فيبيل (Weibel). لقد اجتمعوا كلهم من أجل مشاركة الجمهور في Climate Art Discourse Unplugged. وعلى مدى شهر قصير استضاف الطابق الأرضي في غروبيوس باو أعمالا مختلفة، سيطرت على أو اقتحمت الفضاء مثل منظومات ايكولوجية متفشية. في الفضاء الداخلي المركزي ذي لسقف العالي نلتقي جرنيكا في الرمل للي منجوي (Mingwei)، وهو عمل إنشاء ينتمي الى سياق آخر، سلسلة نصوص يستضيفها غروبيوس باو، ولكنه أيضا ينسجم بشكل مدهش في المعرض من حوله: هذا نسخ نموذجي للعمل الأيقوني لبابلو بيكاسو من عام 1939، وتم إنجازه بواسطة 28 طنًا من الرمل. لقد تشوشت النسخة، اختلطت وانمحت حين تمت دعوة الجمهور في حفل الافتتاح Yلى المشي على التكعيبية التعبيرية لبيكاسو وجعلها عملا تعبيريا مجردًا على نمط فيل دي كونينج (de Kooning)، أو حتى استبدال صدمات الحرب بالتجسد الجمالي لما بعد الحرب بروح كلمت غرينبيرغ.

في حين أن المنطق الايكولوجي في نقل 28 طنًا من الرمل إلى داخل المتحف هو فعل محاط بعلامة سؤال، فإن العمل امتصاص (Absorption) لأساد رازا (Raza) يقدم لنا الإجابة: حيث غطى الفنان أرضية المتحف بتراب من محيط برندنبورغ الذي يحيط بمدينة برلين، بينما يحاول ممثلون جنائنيون وبحذر كبير أن يحسّنوا هذا التراب بمواد عضوية ومسمدة. هذا جهد يسعى إلى الحفاظ على توازن سليم في التراب بشكل مصطنع أو بشري، كهدف بحد ذاته وليس كجزء من منظومة استغلال الأرض. ثم يتم استدعاء الزوار إلى ان يأخذوا معهم القليل من التراب لاستخدامهم الشخصي، كما حدثني الممثل – الجنائني الذي يسقي التربة. وأتخيّل في نفسي حفل الاختتام، الذي سيقومون فيه بإخلاء العمل وتوزيعه ما بين بيوت خاصة، مختبرات وحدائق في أرجاء برلين، ليعود المتحف مرة أخرى إلى نظافته. وحتى حدوث ذلك، وعلى الرغم من الاغراء الخفي بإبقاء آثار أقدام بنية في جميع الفضاءات المعقمة في المتحف، فإن الحارسة تصدر الينا التعليمات بأن ننظف بقايا التراب جيدا عن أحذيتنا قبل الانتقال إلى البهو التالي في المكان. المتحف يظل نقيا بالتالي، لكن الظاهرة المرافقة للعمل كانت توسيخ أحذية الزوار. انتعلت بدَوري حذاء رياضيا جيدا (ليس ذلك المخصص لساحة العاب، وبالتالي كان هذا على ما يرام من جهتي).

 

4.jpg

أساد رازا، امتصاص, 2020, بلطف الفنان منظر إنشاء Down to Earth. Climate Art Discourse Unplugged غروبيوس باو، برلين 2020 أنتج العمل ضمن مشروع الفن الشعبي كلدور وعُرض أول مرة في سيدني، أستراليا، عام 2019. © Berliner Festspiele

أساد رازا، امتصاص, 2020, بلطف الفنان
منظر إنشاء Down to Earth. Climate Art Discourse Unplugged غروبيوس باو، برلين 2020
أنتج العمل ضمن مشروع الفن الشعبي كلدور وعُرض أول مرة في سيدني، أستراليا، عام 2019. © Berliner Festspiele

 

لاحقا وصلنا إلى مشاركة توماش سرسينو في المعرض، بعنوان "رجل العنكبوت"، في عالم الفن في برلين: رسالة مفتوحة من عناكب كان يمكنها أخيرا أن تزدهر حين كان المتحف مغلقا، وهي تطلب من الأقلية الشابة – الجنس البشري – أن تتعامل بتسامح مع حضورها كأغلبية أقدم منها على وجه الكرة الأرضية. أو بكلمات العناكب التي تمت ترجمتها، افتراضا، الى اللغة الإنكليزية التي تهز الخيوط: "نحن نعيش هنا منذ 380 مليون سنة في حين أن قسما منكم البشر، موجودون هنا فقط منذ 200 الف سنة. هل يمكن للأقلية أن تتعلم كيف تعيش مع الأغلبية؟". في القاعة وُضعَت مرآة موجهة إلى زاوية السقف، حيث يمكن رؤية خيوط شباك العنكبوت وهي تنشأ بشرط أن نعثر على الزاوية الصحيحة التي لا تظهر فيها صورتنا نحن داخل المرآة.

 

 

الموسيقى تملأ الفضاء وكأنها مقدمة لعمل تينو سيغل. خلال التجوّل ما بين الغرف اكتشفنا في النهاية أن العازفين من جوقة STEGREIF.orchester الذين يعزفون دائما بدون مايسترو ولا نوتة ولا كراسي. Unplugged مقطوع عن الكهرباء – الموسيقى لديهم تهدف الى إثارة الشعور بمعايشة هذا المكان، داخل الفضاء الموسيقي الذي نشأ داخل المتحف. هذا إجراء ذكي لعرض أداء موسيقي ضمن قيود الابتعاد الاجتماعي – الإمساك بالمستمعين حين يكونون في حركة، داخل قاعة كبيرة شبابيكها مفتوحة.

 

2.jpg

 Stehgreif Orchester. Down to Earth. Climate Art Discourse unplugged, Gropius Bau, Berlin, 2020 Berliner Festspiele/Immersion تصوير: أيكا فلكنهورست
Stehgreif Orchester. Down to Earth. Climate Art Discourse unplugged, Gropius Bau, Berlin, 2020 Berliner Festspiele/Immersion
تصوير: أيكا فلكنهورست

 

العمل الادائي لتينو سيغل ليس مسجلا وليس موثقًا أبدًا. نحن ندخل الى داخل "حالة": مجموعة من الممثلين تتناقش بواسطة اقتباسات قصيرة في موضوع "محادثة". "في... قال أحدهم..." يعلن أحد المشاركين والآخر يرد. التعابير الصوتية مسموعة بوضوح في حين أن لغة الجسد بطيئة بعض الشيء وهي تتأخر في التعبير عن أفعال عادية تافهة مثل تمشيط الشعر باليد كإيماءة ترمز الى التفكير، التساؤل، والتفحص. "من يقولون عن أنفسهم إنهم مستمعون جيدون هم غالبا ليسوا مستمعين جيدين بالمرة"، يقول ممثل ويجعل جميع الحاضرين يضحكون، من ممثلين ومشاركين على حد سواء. من هو المصغي الجيد؟ ذلك الذي يطلق أصوات الهمهمة باتجاهك أم ذلك الذي يقاطع كلامك؟ ذلك الذي يقول "أنا أفهم تماما ما الذي تقصده"، ويكرر "أنا"، "أنا"، "أنا"، مرة بعد الأخرى ويدعي أنه يصغي إليك؟ ذلك الذي يلخص ما تكون قد قلته قبل لحظة (يروي أحد الممثلين أن طبيبا نفسيا أوصاه مرة بأن يتصرف بهذه الطريقة في المحادثات)، أو ربما هو المصغي الصامت، الذي ينقطع مرة بعد أخرى، أهذا هو المصغي أم من يتركون بعض الحيز للمتحدث؟ أحد الممثلين (أعتقد أنه كان ذلك الذي ارتدى قميصا مع ميني ماوس الذي شدّ انتباهي خارج المتحف قبل ان أدخل، ربما كان حينها في استراحة القهوة) يعترف أنه في آخر المحادثات التي ينقطع فيها على أحيان متقاربة، يشكره المتحدث ويقول كم كان من اللطيف ان يتحدث مع شخص مثله أصغى اليه فعلا... يا لها من محادثة رائعة! ونحن المستمعون هل ينظر الينا ضمن هذه الحالة؟ ينظر الممثلون نحونا مباشرة في عيوننا، ويقولون في صوت واحد: "اهلا وسهلا بكم في الحالة". هذه الإيماءة تجعل عينيّ تدمعان: متى كانت المرة الأخيرة التي نظر فيها عمل فني مباشرة في عينيّ؟ أو شخص غريب؟

 

 

pasted image 0 (3).png

قميص الممثل كان تقريبًا كهذا
قميص الممثل كان تقريبًا كهذا
 
 

لقد التقيت بأعمال تينو سيغل قبل ذلك، في المعرض الشخصي الكبير الذي قدمه في المتحف نفسه. على الرغم من ذلك، فإن العمل راكم قوة جديدة في فترة ما بعد الحجر وقبل الحجر الصحي الذي ينتظر كل شخص خلف الزاوية. هذه مشاركة فضاء مع أشخاص آخرين، في عمل فني لا يمكن نقله بتقنية الزوم، وغير موجود في شبكة الانترنت ولن تقوم نتفلكس بشرائه. في لحظات معينة كان الجلوس داخل عمل سيغل أشبه بعض الشيء بمشاهدة بينج لمسلسل "حب على الطيف" والذي جرى فيه أيضا تفكيك مركبات محادثة الى تفاصيل تفاصيلها وتمت دراستها كي تطبق لاحقا في لقاء ناجح بهدف العثور على "مواضيع اهتمام مشتركة". في كل مرة استقبلني فيها الممثلون في عمل سيغل في حالة إضافية، شعرت بغواية البقاء لحالات أخرى قبل ان أغادر الغرفة. هل تعودت على المشاهدة الخاملة للتفاعلات المتبادلة الإنسانية فقط على الشاشات أو بوسيط ما؟

من الناحية الايكولوجية تبين ان أعمال سيغل ناجعة جدا: لم تحتج شيئا سوى الممثلين أنفسهم. لم تستخدم فيها مواد ولا آثار أقدام ولا أغراض ولا أي تبذير. نحن فقط، في أفعال متبادلة، والآن على بعد آمن الواحد من الآخر ومع شباك مفتوح.1

يتواصل المعرض بتوجه متفائل جدا،أو ربما مثمر، بشأن علاقاتنا مع البيئة. ليس هذا عرضا أدائيا حول نهاية العالم ويحذرنا من الاحتباس الحراري. هذه التوجهات المثيرة للاكتئاب تخاطب الجمهور بدرجة أقل في واقع الوباء. برونو لاتور، على سبيل المثال، أنشأ بالمشاركة مع فريدريك إي تواتي (Aït-Touati) "غرفة عمل" لبناء ديكور لعرض يجسد مؤتمرا فلسفيا. بمساعدة وسطاء يحث الزوار أيضا على تخيل أشكال جديدة كي تكون مع "أرجل على الأرض"، ولإنتاج علاقات جديدة معها. ليس محاولة استعادة أية "أصلانية" (وهو ما سيشكل خطأ فادحا أمام المقولة البالية بشأن تخيلات متخلفة وغريبة حول أصلانيين يعيشون "قريبا من الطبيعة")، وانما تشغيل الخيال لإنتاج شيء آخر، جديد. "أين نلتقي الأرض" – هذا هو السؤال المركزي.

بعدها يتم استدعاؤنا الى غرفة المختبر من قبل شخص يتحدث عن أننا نحن – الأحياء – نسكن في طبقة دقيقة فقط من "منطقة حساسة": نحو 7 أمتار فوق وتحت وجه الأرض، ليس أكثر. "بالتالي، فالعالم مسطح!" أفهم الآن. الاعتراف بالمنطقة الحساسة يهزّنا ليس أقل من اكتشاف ان الأرض تدور حول الشمس وليس العكس، هكذا يقول لنا ذلك الشخص. "إذا كان العالم يدور، فكيف سيجدنا الله؟" سأل الكاردينال جاليليو. وتتم دعوتنا بعد ذلك الى تناول ورقة وأقلام رصاص والتعبير عن خيالنا، وشرح كيفية ارتباطنا بالتراب. أنا حامل مرة أخرى، وأرسم ثانية جنينًا سعيدًا مرتبطًا بالأرض فقط بواسطة فرج ورجل أمه. مرافقتي لزيارة المتحف ترسم أسهما للأعلى وللأسفل وتشرح هذا مصعد – لأننا مرتبطون أو متأثرون في ثنايا هذه الطبقة الدقيقة. أنا أرسم مواد غذائية للجنين في هيئةأزهار ونحلة وشجرة تنثر بذورها في الربيع. مرافقتي ترسم أصدافا. من الصعب الاستجابة الى مثل هذه المهمة في إطار تلقائية زيارة المتحف، ولكننا نأمل بأن تساعد مساهمتنا لاتور والطاقم المرافق له لاحقا.

 

3.jpg

منظر إنشاء, Down to Earth. Climate Art Discourse unplugged, Gropius Bau, Berlin, 2020 أندراس غورسكي  أندراس غورسكي  أنتراكتيكا (2010) تابيت بلطف ستوديو أندراس غورسكي وسبروث ماغرس أندراس غورسكي  محيط II و VI (2010) تابيت بلطف مجموعة فيديو أندراس غورسكي ومج
منظر إنشاء, Down to Earth. Climate Art Discourse unplugged, Gropius Bau, Berlin, 2020 أندراس غورسكي

أندراس غورسكي
أنتراكتيكا (2010) تابيت
بلطف ستوديو أندراس غورسكي وسبروث ماغرس
أندراس غورسكي
محيط II و VI (2010) تابيت
بلطف مجموعة فيديو أندراس غورسكي ومجموعة سبروث ماغرس

كريستين بيروث
Berliner Pfütze (Neukölln) (2020)
بلطف الفنانة

تصوير: أيكا فلكنهورست
Berliner Festspiele/Immersion

 

الوقت المتبقي للزيارة يتناقص . ويجب عليّ أن أخرج قريبا لأخذ طفلتي من الروضة، بينما ستذهب صديقتي إلى المكتبة، حيث تحتاج في فترة الكورونا إلى حظ طيب كي تتمكن من العثور على مكان للجلوس فيها. صور القمر الصناعي المدهشة لاندرس غورسكي، أنتركتيكا ومحيط II و VI كلاهما عملان من العام 2010 وتبدو اليوم مثل سياسة قديمة: أعمال من نظام زيارة المعارض القديم حين كانت الاعمال تعلق على الجدران ويأتي المشاهد أمامها كي يشاهدها. العمل بقعة ماء برلينية نويكلن Berliner Pfütze (Neukölln) لكرستين بيروث، الموجود في القاعة نفسها لأن هو أيضا يتناول الماء، تثير انفعالا أكبر وهي مؤثرة أكثر: لقد أخذت الفنانة بقعة ماء من الحارة التي أقطن فيها، نويكلن، وهو ليس أنظف الأحياء في هذه المدينة – لو وصفنا ذلك بلطافة – ونقلتها إلى داخل المتحف. إن المحليّ، ذلك الذي يتواجد الآن وهنا، أكثر إثارة للانفعال، أكثر حدة من المنظر الذي نراه من بعيد ومن فوق. لربما أن هذا صحيح أيضا بالنسبة لعالم الفن اليوم.

  • 1. سيغل معروف أيضًا برفضه السفر جوًا. حين يزور الولايات المتحدة يصلها بالسفينة، قبل سنوات من نضوج غيرتا تونبرغ (Thunberg) بما يكفي لاتخاذ قرار كهذا. عام 2012 شرح للورين كولينز أنه يرغب في "فحص السؤال عما إذا كان بوسع (السوق) ربما المتاجرة بأشياء ليست بضائع مادية"، مثلما صاغتها الصحفية لورين كولينز، "فنان الأسئلة: اللقاءات الاستفزازية لتينو سيغل"، نيويوركر (6 آب 2012). ينظر أيضًا: العامود الساخر لدوريان باكيتا في هايبرإليرجيك، الأول من نيسان 2019 حيث أعلن: "بعدما رفض التكنولوجيا طيلة حياته، تينو سيغل يقع في عشق الانستغرام".