كلمة هيئة التحرير

معرض "فنون عربية مسروقة" ملوث بالفظاظة، الجهل، السّخف والخداع. منظموه يدوسون بجلافة إرادة الفنانين المعروضين بعدم عرض أعمالهم في اسرائيل. عضوات وأعضاء هيئة تحرير توهو يرفعون صوتهم ضد هذه الفعلة الانتهازية التي تجري تحت قناع التنوّر والحوار.

Advertisement

زوروا متجرنا الفوري دعمًا لتوهو بواسطة اقتناء طباعات فنيّة متوفّرة بإصدار محدود

نشهد في السنوات الأخيرة ظاهرة: أشخاص ينشطون في حقل الفن وسط دوس حقوق فنانين ومواطنين، تحت قناع التنور والحوار. نحن ندعو أفراد المجتمع الفني في اسرائيل الى عدم التعاون مع مثل هذه الأفعال.

ونجد أنفسنا ملزَمات بتناول هذه الظاهرة مرة أخرى اليوم، في ضوء معرض "فنون عربية مسروقة"، الذي افتتح مؤخرا في "مركز الفن والسياسة" 1:1 الذي يديره عومر كريغر. وبكلمات منظمي المعرض، الذي أطلِق في فضاء فني جديد بإدارة عادي أنغلمان وجمعية مرسل: "تُعرض هذه الأعمال في إسرائيل دون عِلم الفنّانين، ومن خلال الإدراك الكامل لعملية سلب ممتلكاتهم هذه. فبواسطة هذه المعرض نسعى إلى تعزيز واقع من التعاون والحوار في الشرق الأوسط، واقع بدون حروب واحتلال، عالم بدون حدود".

قبل سنة واحدة فقط افتُتح البينالي المتوسطي الثالث في سخنين، للقيّمين بلو سيميون بيينرو وأفيطال بار-يشاي. هناك أيضًا سعى القيّمان الى عرض أعمال لفنانين من العالم العربي، بدون علمهم ولا موافقتهم، انطلاقا من رؤية مفادها أن مثل هذا العرض لا يشكل إمكانية واردة لفنانين كثُر، سواء بسبب الظروف السياسية في مكان سكناهم، أو بسبب النظام الاسرائيلي المحتل والقمعي، أو بسبب قيَم المجتمعات التي ينتمون اليها. هناك أيضا حاول المنظمون استخدام حملة الـ BDS (المقاطعة الاقتصادية والثقافية الدولية لإسرائيل) لغرض انتاج علاقات عامة للمعرض، فعرضوا أنفسهم كضحية لوضعية عشوائية ليست متعلقة بهم، وبرروا أفعالهم بنواياهم الحسنة. يومها أيضًا ثارت معارضة جماهيرية حادة وغضب شديد على الفعلة الحقيرة.

ولكن هناك على الأقل لم يفاخر المنظمون بفعلة السرقة وعرضها كخطوة ثورية ولا بالتجاهل الفظ لإرادة الفنانين كفعل "تعزيز واقع من التعاون والحوار في الشرق الأوسط، واقع بدون حروب واحتلال، عالم بدون حدود"، على حد قول منظمي معرض "فنون عربية مسروقة". في حالة سخنين تم استعارة الأعمال من مجموعة FRAC وتم إنزالها حين طلبت المجموعة الفرنسية ذلك، وفي ضوء طلب الفنانين إلغاء الإعارة حين علموا بعرض اعمالهم في اسرائيل خلافا لإرادتهم وبدون علمهم. بل إن أحد الفنانين ذهب الى حد الادلاء بمقابلة لصحيفة "هآرتس" شرح فيها الأضرار التي قد يتعرض لها نتيجة لهذا التلاعب بالعقول. يومها كتبنا، وكتب كثيرون آخرون، حول الأضرار الممكنة التي قد تلحق نتيجة هذه الفعلة بفنانين ومبدعين وكذلك بنشاطات رفض، بحوارات، بأشكال تعاون، وبامكانيات تضامن أساسي، قائمة على مستويات جماهيرية مختلفة، وأكدنا على واجب المجتمع الثقافي بالتنصل من هذه الفعلة الخطيرة وبإدانتها.

يبدو أن منظمي المعرض في تل أبيب لم يتعلموا شيئًا من ذلك. واعتقدوا أن مجرد وعيهم المشكلة (فعلا – توزّع في المعرض أوراق تشمل الحقوق الفكرية وقائمة مراجع حول الحيّز العام) والإعلان عن ذلك، لا يعفيهم من المسؤولية فحسب، بل يضيف طبقة من الراديكالية المزعومة لأفعال الخداع والنصب المهينة التي أقدموا عليها. بدلا من إنزال الأعمال واصلوا المحاججة وكأنهم محامون أنه "اخترنا عدم نشر أسماء الفنّانين لعلمنا بعدم رغبتهم بعرض أعمالهم في إسرائيل كجزء من المقاطعة الثقافية العربية والعالمية لدولة ‏إسرائيل، وكي لا نفرض عليهم تعاونًا لا يرغبون به، وبهدف عدم تعريضهم لسيف الانتقاد واتهامات الخيانة‎."‎ فعلا بوسع الفن إنتاج وتطوير حوار، ولكن ليس بواسطة فعل اغتصاب، حتى لو أرفقت به اقتباسات لفوضويين من العام 1840 ودعوة الى "حوار مفتوح" (المنظمون هم من يحددوا قواعده). إن من يمارس الاحتلال يسرق ثم يأمر ضحية الاحتلال بالتكلّم. عمليًا، النقاشات من النوع الذي يذهب اليه المعرض تجري طوال الوقت، دون حاجة للفرض والإكراه، الخداع والترويج الشخصي العدواني.

إن مثل هذه الأفعال التي قام بها البينالي في سخنين والمعرض في فضاء العرض الجديد في جنوب تل أبيب تدوس بفظاظة جلفة إرادة الفنانين المعروضين بعدم عرض أعمالهم في اسرائيل، انطلاقا من موقف يطالب بإنهاء الاحتلال الاسرائيلي ويعارض التطبيع الذ يتعاطى مع الطرفين كمتساوي المسؤولية ومع الاحتلال كـ"صراع". هذا ليس فعلا عنيفا فقط بل ينطوي على جهل، سخافة وخداع. فوق كل شيء، يبدو أنه يتغذى من المزاج السياسي السائد في دولة اسرائيل والذي لا يمكن فصله عن السياسة الاسرائيلية العنيفة، العنصرية، الاستغلالية والمحتلة، والتي يمكن ملاحظة آثارها على امتداد الطيف السياسي كله تقريبا، وفي كل نقطة من الحيز العام. إلى ذلك يجب أن يُنسب الاستعراض الذاتي المستهجن، إن لم نقل المعيب، للمنظمين وكانهم ضحايا الوضع السائد، وليس أنهم يقومون بفعل سرقة ودوس غير أخلاقي بحكم مكانة القوة والاستعلاء. ولا يهم كم سيقومون بقفزات أكروباتيكية، وما اذا كان المعرض يقع في سخنين أو في شارع هشارون في تل أبيب. ويجب أن ننسب الى ذلك المزاج السائد ذاته، محاولة استملاك كل رد فعل على الحدث (بما يشمل هذا الرد طبعا) وكأنه ناتج ايجابي للحدث نفسه، ولم يكن ليتم لولاه. إن رد الفعل المستعلي والمستخف ومكمّم الأفواه من قبل المنظمين على أقوال الفنانة والممثلة رائدة أدون خلال حفل افتتاح المعرض، شكل بالضبط مثالا دقيقا لما يقف خلف تلك "النوايا الحسنة" التي يتشدقون بها.

من المهم التأكيد: كي تكون فنانا أو قيّمًا لا يكفي أن تعلن هذا عن نفسك. هناك حاجة لأن يتم قبولك بهذه الصفة. ونحن نرفض. نحن نراكم على حقيقتكم: فلاسفة مزعومون ومنظرّون مزيفون، وشخوص اعلام وعلاقات عامة تفتقرون لعامود فقري أخلاقي. ما الذي يتبقى من "الفن والسياسة" إذا كانت النتيجة استخداما انتهازيًا للفن؟ بماذا يختلف موقف منظمي المعرض، الذين يدّعون اليسار الجديد، عن موقف حكومة اليمين في اسرائيل؟

عضوات وأعضاء هيئة تحرير توهو