حول السحر، الأوهام وخدع الطاولة

معرض الفنان كرم ناطور الفردي "عيدو من وراي" الذي تستضيفه في هذه الفترة جاليري الفنون أم الفحم، هو أشبه بأغنية عيد ميلاد لفنان/ساحر ولد للتو. بار يروشلمي زار المعرض وعاد بمجموعة من الأفكار حول الفرق بين الخدعة وبين السحر الحقيقي.

Advertisement

زوروا متجرنا الفوري دعمًا لتوهو بواسطة اقتناء طباعات فنيّة متوفّرة بإصدار محدود

يظهر "الساحر" على أولى الأوراق في معظم أوراق لعب التروت التقليدية. هناك وجوه كثيرة وأسماء أكثر للساحر. تظهر صورته على أقدم مجموعات البطاقات التي تعود إلى القرن الخامس عشر إذ يسمى هناك المخادع، بائع الأوهام، المحتال أو المخادع (بالفرنسية،Le Bateleur؛ بالإيطالية، il bagatto/il bagattelo). يكون الساحر واقفا خلف طاولة خشبية بسيطة واضعا عليها أدوات فنه – كرات وكؤوس مقلوبة، سكاكين وعملات – أكاذيب صغيرة للخداع وحركات أيدي سريعة. بلهجة أهل ميلانو يمكن لكلمة المخادع (il bagatello) أن تعني إسكافي1، لتتحول الكؤوس المقلوبة فجأة إلى أدوات عمل صانع الأحذية وليتحول المخادع إلى حرفي.

في فترة لاحقة، فقط مع صعود الحركات الروحانية مطلع القرن العشرين، غيّر بائع الأوهام صورته فحلّ محل المخادع أو الحرفي: "الساحر" (magus)، والذي سعى إلى إدراك قوى أكبر منه. كذلك فإن أغراض الاحتيال غيرت أشكالها وتحولت إلى أغراض مقدسة، فنزع المحتال عباءته المليئة بالثقوب وارتدى زي طقوس كاهن السحر. من بدأ حياته بالخدع والاحتيال والتضليل يتحول بمرور الزمن إلى سيد الواقع، ومن يقدر على ملامسة الطبيعة الغامضة للحياة. فهو يربط ما بين "السماوي والأرضي": فيشير بيده الأولى للأسفل حيث عالم المادة وباليد الأخرى إلى السماء حيث كل العوالم الأخرى غير المتجسدة بالمادة.

 

RWS_Tarot_01_Magician-2.jpg

الصورة اليمنى: معالج وثني، من مجموعة أوراق تاروت مرسيليا.  اليسرى: الساحر (و) من مجموة اوراق التاروت ريدر-وايت
الصورة اليمنى: معالج وثني، من مجموعة أوراق تاروت مرسيليا. اليسرى: الساحر (و) من مجموة اوراق التاروت ريدر-وايت


فعلاً، إن علم السحر مضلل، وبما لا يقل عن هذا أيضًا، تتبدل شخصية العاملين فيه. الأمر نفسه كذلك في الحالة الاستثنائية للفنان كرم ناطور من خلال معرضه الفردي "عيدو من وراي" (قيمة: ايرينا غوردون)، في غاليري الفنون أم الفحم وهو بمثابة أغنية ميلاد لفنان/ساحر ولد للتو من قلب نفايات محتالي الشوارع.

في المشهد الافتتاحي للفيلم المركزي ضمن المعرض، يقف الفنان في ردهة صالون كبير، مزين بالبالونات والأعلام ومحاط بأبناء العائلة المجتمعين معا. "هذا الفيلم بدون ترجمة مرافقة" يعلن الفنان بثلاث لغات على وقع صوت تصفيق. "أيها المشاهد الكريم، مبروك، لا زلت على قيد الحياة".

 

KaramNatour_RAM_01.jpg

كرم ناطور، ستيلز من عمل الفيديو "عيدو من وراي"، 2018، غاليري الفنون أم الفحم
كرم ناطور، ستيلز من عمل الفيديو "عيدو من وراي"، 2018، غاليري الفنون أم الفحم


بالنسبة لمن يعرف القليل من أعمال ناطور السابقة، فإن استخدام قوة اللغة والكلمات ليس انشغالا بالسيمياء البسيطة فحسب، بل إنه أداة لعب مركزية يعمل بها وينتج مراوغات في العالم المحيط به. ففي العمل Yoman من العام 2014 مثلا، يجلس برفقة شقيقه التوأم على المسطبة وهما يقلدان أصوات حيوانات، وفقا لتعليمات أمهما. أو العمل Heat in My Head من العام 2015، الذي يبدأ بالطلب من الوالدة أن تتحدث بالعبرية فقط وليس بالعربية. إن اللغة لدى ناطور هي أشبه بمشهد معركة، ألعاب قوى، ومن يعرف الكلمة الصحيحة، الاسم الصحيح واللغة الصحيحة هو من يحوز السيطرة على الآخر.2

إن الإعلان عن التنازل عن استخدام الترجمة المرافقة مع بدء هذا الفيلم، هو اختيار واع من قبل الفنان للتنازل عن الوسائل المساعدة له نفسه: القدرة على أن يكون مترجَما ومفهوما لدى المشاهد. وهذا أيضا تنازل عن قوته كمنتج وكمراوغ بالكلمة. هذا الفيلم سيكون بدون ألاعيب رخيصة، يعلن، ويذكرنا بأننا ما زلنا على قيد الحياة؛ إن الصورة يمكن أن تنوجد بدون وساطة اللغة أيضا. إن الكلمات على طاولة عمل الساحر/الفنان لا تؤدي دور الدالّ فقط – بل إنها مرشد طريق وحامل معنى وقوة. فهو يطلب منا، من عائلته، من المكان الذي يعيش فيه أن "يعيدو وراءه"، أن يكون مرشدا في الدرب الجديدة التي يمشي فيها الآن.

في مشهد آخر، يقف ناطور وخلفه جميع رجال العائلة الموسعة. يطلب منهن أن يعيدوا من ورائه ويقول: "أنا إنسان"، "أنا هنا"، "أنا حيوان"، "أنا رقم". وأشبه بطلاب مدرسة، يتضاحكون ويعيدون وراءه بسرور. في مشهد آخر من الفيلم، أشبه بصورة مرآة، تم تصوير نساء العائلة على خلفية سوداء وهن يحملن صحونًا بأيديهن. كل منهن تقوم بدورها بكسر الصحن والقول : انكسر الشر. ومثلما في طقوس إزالة الحسد و"العين"، تقف أمهات القبيلة ويتحررن من قيود غير مرئية، لربما شخصية أو جماعية. هنا تقف الكاميرا كشاهد على الفعل لتوثقه.

 

KaramNatour_RAM_08.jpg

كرم ناطور، ستيلز من عمل الفيديو "عيدو من وراي"، 2018، غاليري الفنون أم الفحم
كرم ناطور، ستيلز من عمل الفيديو "عيدو من وراي"، 2018، غاليري الفنون أم الفحم

هل تظل هذه الأفعال في حدود الايماءة الرمزية، أم أنها تنجح في تجاوزها لتكون شيئا ذا معنى منفرد، لا يحتاج وساطة عالم الفن أو اللغة؟ هل ناطور فنان أوهام، مخادع أم ساحر؟ للاجابة على هذا السؤال يبدو أننا سنضطر لوضع عدد من الفرضيات الأساسية لتعريف ما هو السحر.

في استعراض واسع، ينقسم مفهوم السحر (Magic) إلى تعريفين مختلفين: الأول هو عالم الاوهام، خفة اليد والألاعيب اليدوية التي تهدف لخداع المشاهد وجعله يشكك في ما تراه عيناه. والتعريف الثاني مأخوذ من عالم الانسانيات (الأنثروبولوجيا) وبحث الأديان (ما يسمى أحيان Magick) والذي يسعى إلى تعريف منظومة معتقدات وممارسات اجتماعية لا تدخل نطاق سيطرة الدين أو العلم. عالم الاجتماع والانسانيات مارسيل ماوس (Mauss)، من القرن الفائت، حاول في مؤلفه: "نظرية عامة للسحر"، صياغة فرضيات أساسية لمفهوم السحر. وفقا لوصفه، السحر بالمفهوم الأنثروبولوجي هو فعل اجتماعي يعمل على تقـْنِية قوى اجتماعية جماعية ناشئة عن منظومة إعتقادات مشتركة. وهو يتطرق إلى مفهوم السحر كظاهرة قائمة في كل مجتمع، حضريا كان أم قبليا، وهي ترافق المجتمع كخيط ناظم للمعتقد الجماعي الذي يتكرس على امتداد الأجيال.3 الساحر وفقا لماوس، يعمل مع قوى وعلامات دالّة جماعية مثل القانون، العرف، اللغة والقيمة الجمالية، ويترجمها بواسطة الطقوس إلى ممارسات عملية ذات معنى بالنسبة للمجتمع بأكمله (العلاج، التنبؤ بالمستقبل، إزالة اللعنة وما شابه).

عودة إلى أعمال السحر لدى ناطور: يبدو أنه يستوفي تلك التعريفات الأساسية. مثلما ذكرت أعلاه، يتوجه ناطور إلى أبناء عائلته، رجالا ونساء، بالغين وشبابا، ويقوم بأفعال تواصل وترابط بينهم بواسطة وقوفهم معًا أمام الكاميرا. سواء من خلال كسر الصحون أو بواسطة الدرس باللغة العربية، يقوم باستخدام العلامات الدالّة الاجتماعية الخاصة باللغة والصورة لينتج طقس علاج بواسطة الجسم العائلي الذي ينتمي إليه – منظومة مركبة عديدة الطبقات ينتج في داخلها أفعال تهشيم، إصلاح، تعليم والتئام.

كأحد أنصار تاريخ الفيديو، يدمج الفنان في أعماله اقتباسات من أعمال مشهورة تعود إلى مطلع عهد فن الفيديو، العصر الذهبي لفنانين مثل بروس نومان (Nauman)، جون بالديساري (Baldessari)، جوزيف كوسو (Kosuth)، وكريس باردن (Burden)، حين شكلت الكاميرا البيتية فضاء جديدا عذراويا لاكتشاف الوسيط ولانطلاقه. يعود ناطورإلى تلك الأعمال الأيقونية كمؤمن يعود للتحدث مع أهله الأقدمين، فيرتبط بعلم سلالة الفيديو دالا على الطلائعيين والآباء المؤسسين الذين يمكنونه من القيام بالممارسات الطقوسية.

في عمل مركزي آخر في المعرض Alive من العام 2018, يقوم بالتصوير من داخل سيارة في أرجاء المدينة التي وُلد فيها، شفاعمرو. يمد يده من الشباك مشيرًا الى أشخاص، أغراض، ومواقع. "هذا البيت حيّ"، "هذه العصافير حية"، "هذه الكنيسة حية"، "هؤلاء الناس أحياء"، مكررا ذلك بتصريفات مختلفة عن كل شيء يؤشر اليه بإصبعه. كل شيء حي، يذكّر مشيرًا بإيماءة بسيطة مثيرة للتعاطف. ليس في إشارته هرميّة ما بين الناس، الحيوانات، الأغراض والمواقع، سوى الاعتراف بطاقة الحياة الكامنة في كل شيء.

سواء أكان ذلك الجسد العائلي المادي أو الجسد الجماعي لعالم الفن، فإن فعل استحضار الحياة هو الماثل في أساس أفعال ناطور، وما يمكنه من انشاء فضاء من الثقة مع الممثلين المشاركين في أفلامه ومع المشاهد الذي يراها. ليس بوسع الساحر هنا العمل وحده، وهو متعلق بثقة المجتمع به (عائلته في هذه الحالة) وبأفعاله كي ينجح في اعطاء القوة لأفعال سحره.

 

Alive2018_01.jpg

كرم ناطور، ستيلز من عمل الفيديو Alive, 2018، غاليري الفنون أم الفحم
كرم ناطور، ستيلز من عمل الفيديو Alive, 2018، غاليري الفنون أم الفحم

Alive2018_02.jpg

כרكرم ناطور، ستيلز من عمل الفيديو Alive, 2018، غاليري الفنون أم الفحمם נאטור, סטילס מתוך עבודת הוידאו Alive, 2018 מתוך התערוכה "חזרו אחריי" הגלריה לאמנות אום אל פחם
كرم ناطور، ستيلز من عمل الفيديو Alive, 2018، غاليري الفنون أم الفحم


في أهم مشاهد الفيلم، يشارك الفنان، عمه، وكذلك إبن وابنة خالته. انها عبارة عن لقطة تصوير طويلة واحدة، يؤديها العم فقط، على نحو استثنائي في أعمال ناطور. يهمس العم في غرفة ضيقة وصغيرة لكل واحد من المشاركين بالدور الذي سيقوم به، ويضعه في المكان المخصص له في العرض. ناطور يقف في المركز بدور الشمس، ابن الخالة بدور الأرض وابنة الخالة بدور القمر، وكلاهما يدوران حول الشمس. وفي رقصة غير متقنة وجدية يقوم جميع المشاركين بأدوارهم في المنظومة الشمسية، يدورون ويتحركون في الفضاء الضيق حين يروح العم يتنقل بينهم بحركات إخراج غامضة ويرتبهم وفقا لمنطق داخلي خفي. في مرحلة ما من المشهد، يتغير نظام الأشياء.. تفلت الشمس من مكانها في مركز الكون، وتختلط جميع الكواكب معا دون نظام، تاركة العم الساحر وحيدا في الغرفة وهو يتأمل في الكاميرا بحركاته المبهمة. هناك شيء ساحر في الجانب المسرحي لهذا المشهد، الذي تم تصويره بلقطة واحدة فقط تاركا المشاهدين عديمي الحيلة والقدرة على فهمه التام. ولتظل قوانين ما حدث معروفة للمشاركين فقط.

KaramNatour_RAM_10.jpg

كرم ناطور، ستيلز من عمل الفيديو "عيدو من وراي"، 2018، غاليري الفنون أم الفحم
كرم ناطور، ستيلز من عمل الفيديو "عيدو من وراي"، 2018، غاليري الفنون أم الفحم

KaramNatour_RAM_03.jpg

كرم ناطور، ستيلز من عمل الفيديو Alive, 2018، غاليري الفنون أم الفحم
كرم ناطور، ستيلز من عمل الفيديو Alive, 2018، غاليري الفنون أم الفحم


السحر، كما يلخص مرسيل ماوس "هو كل طقس لا يشكل قسما من أي جماعة منظمة: فهو خاص، سري، غامض ويتوجه في نهاية المطاف الى المحظور".4 بهذا يرمز ماوس الى الساحر كشخصية لا تشارك في ثقافة الدين المنظمة والهرمية. بل تقع مصادره على هامش المجتمع، وتكمن قوته في الخط الفاصل بين الوهم والواقع. ومثل عم ناطور الساحر، الذي يخلط قوى الكون ونظام الأشياء، فالفنان أيضا يجسد دوره في الثورة الصامتة للنظام العائلي-الجندري، يتلاعب باللغة والهويات كمخادع محترف.

إن تاريخ السحر في العالم مضلل بحكم طبيعته، وكذلك الأمر طبيعة الساحر (وهي بالصدفة طبيعة الفنان أيضا). الخط الفاصل بين المشاهد الخيالية والانعكاس الحقيقي غير واضح، مثلما كنا نودّ ربما. ومثلما في كل سحر جيد، فالأوهام ليست ألاعيب زائفة فقط، والحقيقة، إن كانت موجود، تتم معايشتها بين حيلة وأخرى، وهي ظاهرة لقلة من اللمّاحين الأذكياء فقط.

 

معرض كرم ناطور "عيدو من وراي" (قيّمة: ايرينا غوردون)، غالير الفنون أم الفحم، استمر حتى 27 أيلول 2018

 

 

 

  • 1. (Bill Butler, Dictionary of the Tarot. (Schocken, 1975; ISBN 0-8052-0559-4
  • 2. في تقاليد "شامانيّة" كثيرة، كل شيء وشخص لديه "اسمه الحقيقي" الذي يعبّر عن جوهره الحقيقي. معرفة الاسم من قبل شخص آخر تمكّنه من السيطرة على كيانه.
  • 3. Mauss, M., 2001. General Theory of Magic. Taylor & Francis, Inc
  • 4. "any rite that is not part of an organized cult: a rite that is private, secret, mysterious, and ultimately tending towards one that is forbidden" Hanegraaff 2006, p. 716; Hanegraaff 2012, p. 165.