تظاهَر بالموت

"إمكانية بحث العالم بواسطة مشاهدات امبيرية والخلوص الى استنتاجات بشأن طبيعة الواقع، غيّرت بشكل تام مقدرتنا على إدراك العالم المحيط بنا". بار يروشلمي حول العلم والفن في معرض States of mind: Tracing the edge of consciousness - Mind, Edge, Consciousness,  المعروض حاليا في مجموعة ويلكام، لندن

Advertisement

زوروا متجرنا الفوري دعمًا لتوهو بواسطة اقتناء طباعات فنيّة متوفّرة بإصدار محدود

شافاسانا1 (shavasana), أو كما توصف بـ "وضعية الميّت" هي وضعية يوغا يرقد فيها الشخص على ظهره، ساقاه منفرجتان قليلا، يداه ممدودتان الى جانبي الجسد، وكفتا يديه نحو الأعلى. ممارسة الشافاسانا معناها أن يكون الشخص في وضعية السكون المطلق التي لا حركة فيها سوى حركة الوعي على وجه الجسد. ليس صدفة أن الكثير من ممارسي اليوغا يرون في هذه الوضعية الأهمّ في معجم الوضعيات، لأنها تجسد الرغبة في الارتباط مع الموت، التحرر من قيود الجسد المادي والولادة من جديد كوعي ذاتي.

 

imageserv.jpeg

تراكم طبقة الزهايمير – 4245
تراكم طبقة الزهايمير – 4245
موروث كحال. معهد كحال (CSIC). مدريد، معروض في " States of Mind: Tracing the Edges of Consciousnes", مجموعة ويلكام

 

لقد شكلت القدرة على محاكاة الموت دائمًا، وما زالت، موضوعًا يثير مزيجًا من الدهشة ومن عدم الارتياح بين البشر. نحن نخشى كمخلوقات عقلانية من التفكير في أن الوعي من شأنه أن يتغير وقد يختفي. الحالات الملتبسة مثل الحلم او أخذ مواد مغيّرة للوعي، تشكل على الدوام مصدرا للفضول. انعدام اليقين بخصوص وجود الوعي يترافق بخلافات كثيرة حول طبيعته، وهو جزء لا يتجزأ من تطور العلم والفلسفة الحديثين.

فرنسيس كريك (Crick, 1916-2004) هو عالم في البيولوجيا وعلم الأعصاب، ومن روّاد البحث في مجال الوعي، ومعروف بشكل خاص كواحد من مكتشفي الـ D.N.A, . ويورد في كتابه ״The Astonishing Hypothesis״2 : "فكرة أنك ’أنت’ بكل أفراحك وأوجاعك، ذكرياتك واهدافك، هويتك الذاتية وقدرتك على الاختيار، لست أكثر من سلوك لعدد هائل من خلايا الأعصاب والجزيئات المرافقة لها"3.

 

imageserv (1).jpeg

رينيه ديكارت. نظرة على الجزء الخلفي للدماغ الذي يحتوي على الغدة الصنوبرية
رينيه ديكارت. نظرة على الجزء الخلفي للدماغ الذي يحتوي على الغدة الصنوبرية

 

لم ينهٍ كريك الذي توفي عام 2004 بحثه أبدًا، لكن الأسئلة التي فكر بها وصاغها بقيت تحوم في الجو. وبقي الوعي، بكل تركيباته،  غموضًا غير قابل للكشف. الفيلسوف ديفيد تشالمرز، (Chalmers) صاغ بشكل ثاقب صعوبة مشكلة الحديث عن الوعي حين اطلق عليها اسم "المشكلة الصعبة". وفقًا لتشالمرز، بدأ بحث الوعي في ثمانينيات القرن الـ20 فقط، حين بدأ باحثون بمجال الدماغ وعلماء فيزياء ببحث هذه المسألة الوجودية بشكل مباشر، وهي التي بقيت حتى الآن مقتصرة على علم النفس والفلسفة. وبالفعل، فإن العلم يعرف اليوم كيف يحلل نموذج الدماغ وتشخيص ردود فعل وعيوية عصبية فيه، ولكن كل ما يمكن إدراكه من هذا هو تشخيص كيفية شعور الوعي. المادة الرمادية لم تسلمنا أسرارها بعد.

ألعاب ما بين بين

منذ أن شاهد العالم وتاجر الأقمشة الهولندي أنطونيو فان ليفنهوك (van Leeuwenhoek) الكائنات الصغيرة تحت عدسة مجهره، عام 1672، ساد الوهم بأنه لا يوجد شيء يعجز العلم عن رؤيته. ومثلما صاغ الأمر د. ألين بيتس (Bates)، أستاذ تاريخ الطب في جامعة UCL، خلال محادثة أجريتها معه قبل عدة أشهر: "في خمسينيات القرن الماضي وصل لأول مرة الى مختبراتنا  المجهر الألكتروني4، وفجأة بدا لنا أنه لا شيء في العالم سيلوح أمامنا من دون أن يكشف لنا أسراره". الاعتقاد بأنه لو نظرنا فقط قريبًا بما يكفي فستنكشف أمامنا حقيقة مذهلة، هو اعتقاد لا يزال متجذرًا اليوم في علوم الطب.

وبالفعل، فإن مجموعة ويلكام تكشف أمامنا عدة تفاصيل آسرة من بدايات فترة أبحاث الدماغ: رسومات لخلايا عصبية من وضع سنتياغو رمون كاجال  (Ramón y Cajal, 1852-1934)، أحد روّاد بحث الدماغ، ورسومات دماغ بشري لرينيه ديكارت (René Descartes, 1596-1650), ، الفيلسوف الفرنسي الذي آمن بأن عنصر المادة وعنصر الروح نتجا من مواد مختلفة، ويرتبطان بواسطة الغدة الصنوبرية الموجودة في مركز الدماغ الخلفي.

بالنسبة الى علماء القرون الماضية، كان سلخ الأكواع ومجموعات سكاكين التشريح علامة فاصلة على مناهج البحث المستمر، ومحاولات اكتشاف الوعي في مكان ما بين تعرجات أنسجة وخلايا الأعصاب.

جزء آخر لافت للإهتمام في المعرض هو مجموعة صور التقطها ضابط فرنسي اسمه لويس دارجيه (Darget)، وهو عالم هاوٍ ومهتم متحمس بالروحانيات. وقد اعتاد اجراء تجارب بالاستعانة بألواح تصوير كان يضعها على جبين من عالجهم. الصور الملتقطة التي غالبا بدت كمجموعة بقع رورشاخ مجردة، شكلت أساسا لبحث دارجيه، الذي آمن انها عمليا بصمات لتفكير المعالجين على لوح التصوير. الجمل المرافقة مثل "التقطت الصورة بواسطة وضع لوح التصوير على جبين السيدة دارجيه وهي نائمة" لا تكشف جانبا من الحياة الشخصية للزوجين دارجيه فقط، (ويبدو شبه مؤكد بأن السيدة دارجيه قضت وقتا طويلا تحت ألواح التصوير الخاصة بزوجها)، بل توفر أيضًا إطلالة لافتة للاهتمام على العلاقة بين العلم والتصوير في فترتها الأولى، وكذلك على الطابع الذي شكل فيه اختراع جهاز التصوير بأشعة رنتغن، مصدر ايحاء لتجارب شاعرية من ذلك القبيل. 

 

imageserv (2).jpeg

غوشكا ماكوغا، المسرنم
غوشكا ماكوغا، المسرنم
2006. بلطف من الفنانة، وكيت مكغاري، لندن

 

إحدى النظريات اللافتة في مجال بحث الوعي اليوم، تُدعى بان-سيكيزم5 (Pan-psychism), وهي تدعي أن لكل شيء في العالم وعيًا خاصًا به. لقد عرض عالم الدماغ جوليو تونوني (Tononi) عام 2012 معادلة رياضية اسمها PHI6 والتي تحاول قياس كم من المعلومات ينتقل في الدماغ خلال ثانية محددة، وربط ذلك بقوة الوعي الكامنة لدى أشكال الحياة المختلفة قياسًا بمستوى تركيب دماغها. صحيح أن نظرية تونوني كانت جديدة لكن الفكرة الميتافيزيقية من خلفها تُتداول منذ مئات السنين. والبحث العلمي في اعقاب الوعي يرتبط بشكل وثيق مع صعود حركات روحانية في القرن الـ19، والتي تأثرت بنظريات علمية مختلفة.

إن ظواهر المشي خلال النوم (السرنمة)، التي تسمى أحيانا "مرض القمر"، شكلت مصدرا لا ينضب لتفسيرات متنوعة تراوحت ما بين سيطرة الأرواح على جسد الحالم وحتى نظريات في علم النفس حول مشاعر الضغينة نحو شخصية الأب. لقد ولّدت احجية من يمشي نائمًا عددا غير قليل من أفلام الرعب، وكذلك عددا من الاكتشافات العلمية. المثال البارز على ذلك هو د. فرانس مسمر (Mesmer)، وهو طبيب ألماني وضع نظرية المغناطيسية الحيوانية (Animal Magnetism) – اي الايمان بأنه يوجد لكل شكل حياة حقل مغناطيسي غير مرئي، يمكن استخدامه لعلاج آخرين. وشكلت هذه النظرية أساسًا لممارسة تسمى "السرنمة الصناعية"، والتي تحولت لاحقًا الى واحد من أسس علم النفس واطلق عليها اسم التنويم المغناطيسي، حيث يُدخل المعالج الخاضع للعلاج الى حالة نشوة ويجعله يفعل ما يشاء.

 

imageserv (4).jpeg

ايموجن ستيدوورثي, همسة سُمعت
ايموجن ستيدوورثي, همسة سُمعت
2003. بلطف من الفنانة، غاليري مات، لندن وغاليري اكينتشي، أمستردام

 

أحد الأعمال البارزة في هذا السياق هو منحوتة الفنانة غوشكا ماكوغا (Macuga) بعنوان المسرنم (״Somnambulist״). العمل هو احتفاء بالفيلم الصامت "عيادة الدكتور كليغاري"، الفيلم النموذجي للسينما الانطباعية الألمانية عام 1920، للمخرج روبرت فيني (Wiene). وهو يروي قصة منوّم مغناطيسي يستخدم قدرته لغرض السيطرة على جسد فتى وارتكاب عدد من جرائم القتل. انتجت ماكوغا نسخة مصنوعة من الخشب لذلك الشاب، ضحية التنويم المغناطيسي من فيلم فيني. المسرنم لدى ماكوغا يستلقي على ظهره، عيناه مغلقتان ويرتدي ملابس سوداء. وجهه مصبوغ بالأبيض والأسود، مثل التجميل الذي استخدمه المخرج لخلق شعور انطباعي لدى ممثليه. الوجه الملون يبدو كقناع موت احتفالي. ويظهر الفتى في انتظار أوامر د. كليغاري، وهو مقيد بين النوم والموت. تقوم الفنانة ببعث الحياة في العنصر المرضي الأسطوري للشخص النائم الى الأبد. وتكشف النظرة عن قرب النقشَ الخشبي الدقيق الذي يكشف التقنية الرقيقة الكامنة تحت قناع التجميل، لتحول الشخصية الحية الى ايقونة احتفالية تنتظر القيام باستخدامها.

 

imageserv (3).jpeg

ايموجن ستيدوورثي, همسة سُمعت
ايموجن ستيدوورثي, همسة سُمعت
2003. بلطف من الفنانة، غاليري مات، لندن وغاليري اكينتشي، أمستردام

 

القسم الأخير من المعرض، وربما الأكثر اثارة للاهتمام، يتناول الشكل الذي تؤثر فيه الاصابات الجسدية او النفسية على الوعي. في عمل انشاء للفنانة ايموجن ستيدوورثي (Stidworthy)  بعنوان همسة سُمعت (״The Whisper Heard״) عام 2003, تضع تسجيلين صوتيين، الأول على ابنها سفرين، الذي لا يزال في المراحل المبكرة لاكتساب اللغة، والثاني على طوني، الذي أدت سكتة دماغية الى الإضرار بأجزاء اللغة في دماغه، وهو حاليًا في مرحلة تعلم اللغة من جديد. في عمل الانشاء، يقرآن بصوت مسموع مقطعا من "رحلة الى باطن الأرض" لجولز فيرن، حيث تستفيق الشخصية الرئيسية من فقدان الذاكرة داخل متاهة من الأنفاق تحت الأرض.

الذاكرة الخام للغة تستيقظ لدى الشخصيتين: إبن الفنانة الذي يصطدم بالصعوبة الأولية للدخول الى عالم مشفر بكلمات، وبالمقابل طوني، الذي يعود مثل أورفيوس العائد من النسيان ليصارع الحاجة في قول ما سبق له أن عرفه، لكنه يعجز عن النطق به. الربط بين الناطقين ينتج صورة صوتية من التأتأة والمحاولات الفاشلة، التي تدور حول محاولة انتاج الكلمة التامة.

يختتم المعرض بفيلمين للفنانة آيا بن رون. في الفيلم الأول ״Still under Treatment״ מ-2005, تختار تصوير معالَجين خلال عملية تخدير قبل دخول عملية جراحية. حيث ترافق الكاميرا وجوه المصوَّرين وهم ينتقلون من حالة يقظة الى حالة عدم وعي، ألسنتهم تميل جانبًا في أفواههم والبؤبؤ في عيونهم يحدق نحو الأعلى. أما نحن، كمشاهدين واقفين خلف جدار زجاجي، فنشكل شهود عيان على لحظة فقدان الوعي، حيث يتوقف الجسد عن العمل لينتقل الى الايدي العلاجية لممرضات وأجهزة تنفس. 

 

Aya Ben Ron, Still Under Treatment, 530min, DV, 2005 (2).jpg

ايا بن رون، فيديو صوَر من Still under Treatment
ايا بن رون، فيديو صوَر من Still under Treatment
2005

 

تناوُل الحالات النفسية القصوى يتواصل أيضًا في فيلم بن رون الثاني، مناوبة  (Shift", 2009-2011") . وفيه تتابع الحياة اليومية لمعالَجين في وضعية "نبتة" في المركز الطبي التأهيلي رعوت في تل أبيب. وهي تتابع حياة المعالَجين، عائلاتهم وعاملي المستشفى. النقطة التي تنظر منها غالبًا هي طرف الغرفة، حيث تطلّ كمشاهدة صامتة على ما يحدث في الحميمية المختلطة لدى الخاضعين لرحمة آخرين. هذه الفعاليات البسيطة مثل إطعام المرضى، تمديدهم على الأسرّة او تقويمهم، تتحول الى صراعات بطولية يومية. من الصعب ألا تشعر بالرأفة مقابل نظرتهم الواعية ووعيهم السجين في جسد عاجز عن القيام بأدائه المستقل. وينتهي الفيلم بمقابلة مع بروفسور يحيئيل بار ايلان، الباحث في الاخلاقيات الطبية من جامعة تل ابيب، الذي يبحث في معنى حياة معالَجيه، الذين يعيشون في وضع جسدي لا يمكّنهم من اتخاذ قرارات تخص حياتهم. "من نحن لنقرر من الذي يعاني ومن الذي لا يعاني، من يموت ومن يعيش؟"، يقول بذلك البرود الذي يميّز الأطباء.

عن اللامعرفة

عرضت الثورة العلمية التي بدأت في القرنين الـ16 والـ17 على الانسان أدوات وقدرات لم تكن بحوزته من ذي قبل. إمكانية بحث العالم بواسطة مشاهدات امبيرية والخلوص الى استنتاجات بشأن طبيعة الواقع، غيّرت بشكل تام مقدرتنا على إدراك العالم المحيط بنا. أجهزة المجهر الالكتروني وأجهزة مسح الذاكرة  R.A.Mبمقدورها انتاج صور مدهشة لعوالم غير مرئية، ولكنها هي الأخرى ليست قادرة على التأمل فيما وراء المادة.

الفيلم المنسي للمخرج أرنو دبليشين (Desplechin) الخفير  ("The Sentinel״) عام 1992 يروي قصة طالب في الطب الشرعي يفاجَأ في أحد الأيام، بعد مواجهة مع شخص غريب في القطار وملاحقة من شرطة الحدود، بالعثور على رأس بشري منكمش في حقيبته. وبانفعال وتأثر كبيرين يبدأ بتحقيق محاولا اكتشاف هوية الشخص الذي يعود اليه الرأس. الطالب الشاب يمكث ليلا في مختبره محاولا بحماس شديد اكتشاف اسرار الرأس. فيشرّح الرأس المقطوع، طبقة بعد أخرى، الى ان لا يظل منه سوى قطع من الأنسجة البشرية. ثم يصل التحقيق الى باب مسدود، ومجموع عديم المعنى من اللحم والعظام.

يمكن لفيلم دبليشين أن يشكل استعارة جيدة لتلخيص هذا المعرض، الذي هو بأكمله تجوال حول ركن مجهول. مجموعة ويلكام التي نقشت على رايتها العلاقة بين العلم والفن، اختارت اقامة معرض يكون الاحباط النابع من اللامعرفة فيه، نقطة الانطلاق لدى القيّمين. انه تمرين في التأمل داخل مناطق تقاطع في الوعي البشري، مناطق بينية غامضة يكون شال الوعي فيها شديد الرقّة.

 

معرض "States of mind: Tracing the edge of consciousness" يعرض في مجموعة ويلكام حتى الـ14 من تشرين الأول، 2016

  

  • 1. من اللغة السنسكريتية: Shava جثة؛ و-Asana وضعية.
  • 2. Francis Crick, The Astonishing Hypothesis: The Scientific Search For The Soul. Scribner reprint edition. 1995. ISBN 0-684-80158-2.
  • 3. الترجمة للعربية – توهو.
  • 4. مجهر قادر على تكبير اجسام بشكل ضخم قياسا بالمجهر العادي، وذلك بواسطة استخدام حزم الكترونات مركزة تتقصى الجسم الخاضع للبحث. بدأ استخدام هذه التكنولوجيا ابتداء بأربعينيات القرن العشرين.
  • 5. من اللغة اليونانية: Pan تعني الكل أو الكامل؛ و-Psyche שמשמעו نفس أو مخ.
  • 6. Tononi, G. (2012). PHI: A Voyage from the Brain to the Soul. Pantheon Books.