صندوق أسود

عبارات، مطارا، شاطئ البحر، غرفة بفندق، او معبر حدودي، كل واحدة من هذه العقبات البيروقراطية تنكشف كخدعة. داني ياهف حول معرض "استجمام قصير" لأوهاد مرومي والعلاقة بين الزيارة والنقد.

Advertisement

زوروا متجرنا الفوري دعمًا لتوهو بواسطة اقتناء طباعات فنيّة متوفّرة بإصدار محدود

يمكن لشخص ما أن يزور معرضًا، زيارة بالمفهوم الأكثر بساطة، كنوع من التحية، وهي مشروطة بوجود رغبة طيبة لدى طرفين: من يدعو ومن يستجيب للدعوة. أما النقد الموجّه إلى موضوع الزيارة، او بالعكس، النقد الموجه الى الناقد نفسه، فهو عبارة عن بناء توتر بين الطرفين، وهو توتر، وإن لم يكن دائمًا منطوقًا، يهدد بتفكيك تحية الرغبة الطيبة المتبادلة.

 

DSC_0724.jpg

אוהד מרומי, נופשון. מראה הצבה. 2015. צילום: יובל חי
أوهاد مرومي، استجمام قصير
منظر تنصيب، 2015، تصوير: يوفال حاي

 

معرض اوهاد مرومي، "استجمام قصير"، يتناول أكثر شيء التوتر ما بين الزيارة والنقد. الاستجمام هو دعوة لزيارة قصيرة سرعان ما ترسل الزائر في حال سبيله فور انتهاء نقوده، وفي حين يطرق زائر آخر الباب. من جهة مرومي، هذا تنافر ما بين "الحديث عن" الذي يسمح بالزيارة (الفعلية، البسيطة) وبين النقد الذاتي بشأن "الزيارة"، المكوث (الاستجمام)؛ وبشأن منظومة تصريف ذلك الاستجمام.

فضاء طابق المدخل المسمى "صندوق أسود" تم إفراغه الى الحد الأدنى الضروري والحيادي بجوهره، بحيث مكّن الزوّار من القيام بكل ما يلوح في بالهم، طالما انه يتفاعل مع خمس لوحات من مسرحية كتبها الفنان وخمس منحوتات أنشأها. تجري في هذا الفضاء استضافة من نوع ما، حيث تستجيب الزيارة  الملموسة لدعوة الفنان: مرومي يدعو زوارًا (فرق رقص، عارضون، مغنون) للقيام بنشاطات لا سيطرة له عليها في فضاء العرض، والتي تتم في وقت محدد سلفًا (مثلا، مراجعات). أي ان هؤلاء الزوار مدعوون "ليكونوا" في الفضاء، بالمعنى الأكثر أساسية للكلمة. ولكن "صندوق أسود"، مثلما أفهم أنا المصطلح على الأقل، ليس أداة توثيق فحسب بل أيضًا تعبير يعرّف الزمن، ويحدده بين الوجود والتلاشي. "الصندوق" في سياق معرض مرومي – بقدر ما يمكّن من الاستجمام في الفضاء – يشير الى نوع من الحزن القسري. إنه الاستجمام ونهايته. زمن مستعار وانقضاؤه، وقدرة العودة اليه تنبع دومًا من منظور الكارثة، الدمار والفناء؛ أي بالضرورة من منظور التمثيل. إن مثل هذا الإجراء يتيح لمرومي، وليس للمرة الأولى، نقد الزيارة التي بادر اليها، وسحب البساط من تحت قدميه مرة بعد الأخرى.

 

אוהד מרומי, נופשון. מראה הצבה. 2015. צילום: יובל חי

מראה הצבה. 2015. צילום: יובל חי
أوهاد مرومي، استجمام قصير
منظر تنصيب، 2015، تصوير: يوفال حاي

 

خمس منحوتات؟ فضاءات نحتية؟ تخطيطات شكلانية لنص؟ نماذج معمارية؟ ليس هذا مهما. اختاروا أنتم كيفية تسمية ما يحدث في الطابق الثاني. أنا سأسميها، لمقتضيات البحث، منحوتات؛ وهي رائعة حتى قبل سبر أغوارها. النحت لدى مرومي دقيق بشكل مدهش؛ إنه صياغة قادرة بسهولة على الانسجام مع منطق الفضاءات المرتبطة به – مطار، غرفة في فندق، معبر حدودي، عبّارة، أو شاطئ بحر، مثلما يسميها مروم. هذه صياغة تعيش حياة المنحوتات كمجمل ما فيها، أي ككينونة مستقلة منزّهة عن المعنى المفروض قسرًا. المقصود قيم جمال، نسَب، ماهيات ضوء وظل، مجاملة للون، كشف وإخفاء، تصويريية بمعيار موجز جدا، وتجريد حر وبذائقة؛ وكذلك للمضطرّين (وليس أنتم) – "طليعة روسية"، "بنيوية"، والخ..؛ وفقًا للنص الذي يشرح في طابق مدخل المعرض. إن المنحوتات وشكل تثبيتها – فوق منصات مربعة تمكن المشاهد من الدوران حولها مشيًا – هي خلابة حقًا. هذا جمال ليس مفهومًا ضمنًا برأيي.

المعرض مرفق بكتيّب؛ مسرحية بخمسة فصول كلّ منها منحوتة بنموذج معماري يقترح حركة مستقيمة ذات بداية، وسط ونهاية، كأنها حداثة بيروقراطية تسيطر على حركة الناس؛ أناس من أصناف وفي أوضاع مختلفة – على الدوام. منهم من حالفهم الحظ في حيازة قدرة الاختيار، ومنهم لم يحالفهم. هذا أشبه بجهاز هضمي بيروقراطي يقضم، يتذوّق يبتلع يهضم ويُخرج الجميييع بنفس الهدوء. قد تكون عبّارات، مطارا، شاطئ البحر، غرفة بفندق، او معبر حدودي، كل واحدة من هذه العقبات البيروقراطية تنكشف كخدعة، كمماطلة في فهم المنظومة، بمثابة "ما يُرى ليس هو فعلا". هذه أدوات تقرّب الناس من الاستجمام المأمول، الحقيقي أحيانًا، أو الى اليوتوبي (freedom). هكذا مثلا، حتى لو طرق الناس باب عبّارة مثلا، فإنهم محكومون بالخروج من الجهة الثانية للضفة، كنوع من البقايا (من قال "صندوقا أسود" ولن يأخذ؟") وهم معدَمون، أو – وهم يحظون بامتيازات (إمكانية الكارثة، الغرق أو الدمار تئزّ في الخلفية كإمكانية غير متحققة ولكنها واردة بالتأكيد؛ هذه الإمكانية بالمناسبة ليست انتقائية – ولهذا فهي ديمقراطية بدرجة مخيفة).

 

אוהד מרומי, נופשון. מראה הצבה. 2015. צילום: יובל חי

אוהד מרומי, נופשון. מראה הצבה. 2015. צילום: יובל חי
أوهاد مرومي، استجمام قصير
منظر تنصيب، 2015، تصوير: يوفال حاي

 

إن منحوتات مرومي تأملية. ينظر المشاهد إلى تمثيل ينظر الى تمثيل. ففي منحوتة لطائرة خشبية كبيرة مثلا، يفتح سقف الطائرة ليصبح مدرّجات؛ وهي مدرجات تمكّن مسافري الطائرة من الجلوس وتفحّص أنفسهم من زاوية نظر خارجية.  وإذا كانت الطائرة أداة تبتلع وتُفرز، فإن تمثيلات المسافرين تجد نفسها تستريح على جدار الجهاز الهضمي لنفسها. هي يوجد أي عزاء في فرضية عمل تأملية كهذه؟ هل المقصود "تعليم" الفهم؟ هل أنا كمشاهد للعرض وكمسافر دائم، انجح فعلا في المحاسبة، فهم تضاؤل ذاتيّتي، التي تتفاعل في كل مرة أهتز بها بسبب طائرات، عبارات، خلال وخارج محطات حدودية مختلفة؟ ربما. ولكن الفهم نفسه لا يجلب، كما أسلفنا، أي عزاء. بل إنه يفاقم شعور الاحباط والفقدان المتناميين بعلاقة هندسية طردية الى حراك متزايد، بكل اشتقاقاته البيروقراطية.

"منخاران

أذنان

فم

بول

ثقب مؤخرة

عينان

مسامات الجسد

للخارج!

 

"منخاران

أذنان

فم

بول

ثقب مؤخرة

فرج

عينان

مسامات الجسد"

(أوهاد مرومي، من فصل "خرائب" في الكتيّب المرافق للمعرض)

 

هناك حديث كثير عن اللاجئين الآن؛ "مشكلة اللاجئين" يحاجج كثيرون "هي من الأكثر خطورة وستؤدي الى تغيرات ديموغرافية". وأعتقد أن المشكلة هي خاصة، قبل كل شيء، مشكلة من يضطرون لاستبدال حياتهم التي اعتادوا عليها بحياة جديدة. ولكن إذا واصلنا استعارة الجهاز الهضمي والجسد، فمن قال إن الإفراز أصعب من الابتلاع؟ وربما لا فرق بينهما وهناك مساحة من المشاع في الطرفين؟ وإن جسدنا، المادي والاستعاري على حد السواء، بكل مساماته، يغلي للخارج والداخل دون تفضيل وحكم لأنه ملزم بهذا؟ ولماذا يجب الدخول أصلا في مقارنات، لو واصلنا استعارة الجهاز الهضمي، بين الغذاء وفضلاته مثلا؟

 

אוהד מרומי, נופשון. מראה הצבה. 2015. צילום: יובל חי

אוהד מרומי, נופשון. מראה הצבה. 2015. צילום: יובל חי
أوهاد مرومي، استجمام قصير
منظر تنصيب، 2015، تصوير: يوفال حاي

 

هذا هو الآسر برأيي في معرض مرومي، حيث أن قطعية الحجم (النحتي والإيديولوجي) تتسطح الى تعددية معانٍ أحادية البعد. هذا مكان السياسي فيه ليس ثنائيا؛ اللجوء ليس من نصيب المعدَمين، أو من سُلبت حقوقهم الأساس، بل كل من ذهب مرة الى استجمام؛ مكانٌ الموجود فيه هو نتيجة لانعدام شيء آخر؛ مكان الترحال فيه ليس ممكنا فحسب بل إجباري تقريبًا؛ مكان يحاسب أشكال تمثيله الذاتي، اللغة التي تؤسس لجوهره، مكان يكشف المنظومة وانكسارها. يكتب مرومي عن رحلة تربوية لأطفال، حيث تتعقّد لدرجة إقامة لجنة تحقيق وعقاب جماعي، عن مخاطر مراقبي معابر الحدود التي هي أكثر بكثير من مخاطر الرحلة، عن معمار غرف فندق تتصادم مع تزمّت عائلي يؤدي الى جلبة. عن كل ما هو يومي. وهناك تنافر بين النص الذي كتبه، وهو فظ أحيانًا، وبين الانضباط والشقاوة التي تسحر النظر في منحوتاته.

 

אוהד מרומי, נופשון. מראה הצבה. 2015. צילום: יובל חי

אוהד מרומי, נופשון. מראה הצבה. 2015. צילום: יובל חי
أوهاد مرومي، استجمام قصير
منظر تنصيب، 2015، تصوير: يوفال حاي

 

ولكن بالرغم من كل ما ورد، وربما بسببه، فإن مرومي يتعلق بإمكانية غير ساخرة بالمرة لتفاعل يدوي، للمسة، ليد. لهذا يوجد الصندوق الأسود – فضاء ضيافة مؤقت يمكن من زيارة ونقد حياة مشتركة. هذه نقطة تحوّل مريحة نسبيًا، معدومة الهرمية والأوراق البيروقراطية المنهكة، وتوفّر الثقة في قدرة استجمام قصير على أن يجلب ولو لوقت ضئيل – توفيرا للثقة.