الفن كتنبؤ استرجاعي

الرسم، التنبؤ، دافع الحياة، دافع الموت، الدمار، الحداد، الإبداع. أخصائية التحليل النفسي د. ميراف روط مع سلسلة من الأفكار والمدارك الشخصية والتداعيات بعد سلسلة من اللقاءات مع الفنان تسيبي غيفع لمناسبة إشهار معرضه الأخير "من أيّ طريق أصل"، في متحف هرتسليا للفن المعاصر.

بمناسبة إشهار معرض تسيبي غيفع "من أيّ طريق أصل"، الذي افتتح خلال "الأيام الرهيبة" في متحف هرتسليا للفن المعاصر (قيّمة المعرض- آيه لوريا)، أجرينا محادثة امتدت على عدة لقاءات في فضاء المعرض، في بعض المقاهي، بواسطة رسائل البريد الإلكتروني والهاتف. كل محادثة قادت الى المحادثة التالية، مثلما يدبّ لهيب الحريق في أطراف بعضه البعض وسط لافا بركانية إبداعية لا تتوقف أبدًا عن التدفق. وقد أثمر هذا اللقاء بين التحليل النفسي، المجال الذي أتيت منه، وبين فن غيفع، محاضرة ألقيت في افتتاح المعرض، ثم هذا النص الحالي.

سأتوقف قليلا عند العلاقة بين التحليل النفسي والثقافة، وأقول إن التحليل النفسي كان يسلك في الماضي باستعلاء من حيث نظرة الوصاية والدور التفسيري اللذين اعتمدهما. لقد وضع الكتب واللوحات على أريكة التحليل النفسي، والأسوأ من ذلك - وضع الكتاب والفنانين أنفسهم عليها، ليقوم لاحقًا بالتفسير والتأويل بشكل تافه ومتوقع غالبًا، سعيًا للكشف عن أوديب المختفي تحت قبعة هنا وأخرى هناك وفي كل مكان. لكن على مر السنين، بعد تفكك وهم عصر التنوير وفكرة وجود حقائق كبرى، ومع تسلل الإدراك بأن حقول الثقافة والمعرفة تعيش في تأثير متبادل ومستمر، حدثت يقظة لدى المحللين النفسيين من حيث الإدراك والفضول بشأن القوة الوصفية والتعليمية للفن والثقافة - بشأن الإنسان، والعالم، وحتى بشأن التحليل النفسي ذاته. النص الحالي ينظر، يستنشق ويصغي إلى غيفع وأعماله، فيما يظهر كأفكار حول مراسم الحداد، والتنبؤ والتصحيح في حضن الإبداع الفني.

سأبدأ بأحد التداعيات التي انبثقت لديّ وأنا في طريقي إلى المعرض لأول مرة. عندما ذهبت إلى "المقابلة" الأولى، فكرت في عمل الإطارات - التي أرسل لي غيفع صورة لها بالفعل - الإطارات السوداء المزدحمة في أكوام ضخمة، مما أدى إلى إنتاج شكل مرعب وآسِر. بينما كنت أتأملها في طريقي إلى المتحف، استعدت وتذكرت حادث الطرق الذي قتلت فيه أختي عندما كنت صبيّة. وبشكل أكثر تحديدًا، تذكرت كيف كنت كفتاة صغيرة أذهب إلى الجامعة كل صباح مع شريط موسيقي لشلومي غرونيخ في مسجّل سيارة الأوتوبيانكي الصغيرة التي قُدتها، وأزأر معه: "لقد اخترت الحياة! لقد اخترت الحياة!". كان هذا التداعي الأول.

 

avi54007.jpg

تسيبي غيفع، ""من أيّ طريق أصل"، متحف هرتسليا، 2019-2020. القيّمة: آيه لوريا.  تصوير آفي أمسالم، بلطف: تسيبي غيفع

تسيبي غيفع، ""من أيّ طريق أصل"، متحف هرتسليا، 2019-2020. القيّمة: آيه لوريا.
تصوير آفي أمسالم، بلطف: تسيبي غيفع

 



avi53982.jpg

Tsibi Geva, "Where I'm Coming From," Herzliya Museum of Contemporary Art, 2019-2020 Curator: Aya Lurie. Photography: Avi Amsalem, courtesy of Tsibi Geva

تسيبي غيفع، "من أيّ طريق أصل"، متحف هرتسليا، 2019-2020. القيّمة: آيه لوريا.
تصوير آفي أمسالم، بلطف: تسيبي غيفع

 


avi54024.jpg

تسيبي غيفع، "من أيّ طريق أصل"، متحف هرتسليا، 2019-2020. القيّمة: آيه لوريا. تصوير آفي أمسالم، بلطف: تسيبي غيفع

تسيبي غيفع، "من أيّ طريق أصل"، متحف هرتسليا، 2019-2020. القيّمة: آيه لوريا.
تصوير آفي أمسالم، بلطف: تسيبي غيفع


 

عمل غيفع على الإطارات بطرق مختلفة في الماضي. في بينالي البندقية، على سبيل المثال، استخدمها كغطاء خارجي حول الجناح الإسرائيلي في منطقة جارديني (حدائق العرض) ليحوله (الجناح) من "حاوية"، تعلّق الأعمال على جدرانها في الداخل، إلى منحوتة ضخمة بذاتها. الإطارات في معرض "من أيّ طريق أصل"، مكتظة في حوالي 50 "بالة"، يزن كل منها حوالي 800 كيلوغرام. يقول غيفع إنه عندما وصل إلى مصنع الإطارات في عسقلان خلال التحضير لأعمال البينالي، لغرض فرز الإطارات، رأى أولاً "البالات" الموجودة في الآلة. يقول: "كنت مصعوقًا أمام ذلك، فقد كانت تكمن فيها قوة نحتية هائلة. قلت لنفسي أنه ستأتي اللحظة التي سأقوم بإنشاء شيء منها. وهنا، في هذا المعرض، تأتي الإطارات في حالة تجميع مختلفة - حزم ضخمة معبأة ومثبتة كقوّة كامنة مجمدة، سجينة، مختنقة تقريبًا، تتوق الى الانفجار".

 

ביאנלה2 small.jpg

تسيبي غيفع، "أركيولوجيا الحاضر"، بينالي البندقية السادس والخمسون 2015، الجناح الإسرائيلي. القيّمة: هداس مأور. تصوير: إلعاد سريغ بلطف: تسيبي غيفع

تسيبي غيفع، "أركيولوجيا الحاضر"، بينالي البندقية السادس والخمسون 2015، الجناح الإسرائيلي. القيّمة: هداس مأور.
تصوير: إلعاد سريغ بلطف: تسيبي غيفع



ביאנלה1 small.jpg

تسيبي غيفع، "أركيولوجيا الحاضر"، بينالي البندقية السادس والخمسون 2015، الجناح الإسرائيلي. القيّمة: هداس مأور.  تصوير: إلعاد سريغ بلطف: تسيبي غيفع

تسيبي غيفع، "أركيولوجيا الحاضر"، بينالي البندقية السادس والخمسون 2015، الجناح الإسرائيلي. القيّمة: هداس مأور.
تصوير: إلعاد سريغ بلطف: تسيبي غيفع

 

ننتقل لإلقاء نظرة على جدار اللوحات. 5,60 مترا في الارتفاع و 12,60 مترا في العرض. يمكن مواصلة التأمل فيها أكثر فأكثر: 35 قطعة رُسمت كل منها على لوحة قماشية منفصلة. هنا أتذكر محاضرة قدمها غيفع في إحدى المرات، تحدث فيها عن كتب والده، المهندس المعماري كوبا غيبر (Geber)،1 كتبٌ باللغة الألمانية أساسًا، اكتشف فيها "الشبكات" التي رسمها والده لغرض تصميم البيوت بكونه مهندسا معماريا، وفوجئ بمدى شبهها بأعماله الفنية. "نعم"، أخبرني غيفع، "لم أكن واعيا حينذاك فيما كنت أقوم باسترجاع بنائها في قضباني! ربما يكون هذا جزءًا من الحمض النووي المضمّن في داخلي. فقط بعد سنوات من وفاة أبي، وجدت كتاب "هجودير"، وهو كتالوج لمصنع في خليج حيفا أنتج شبكات باطونية، في وقت ما في الأربعينيات أو الخمسينيات من القرن العشرين. هذا الكتالوج احتوى عمليًا على جميع النماذج التي شكلت لاحقًا المعجم البصري لأعمالي. لقد صعقني الأمر، وعندها فقط فهمت فجأة أنه على الرغم من أنني سعيت في الماضي الى الهرب من كل ما يرتبط بالتصميم المعماري، فإن أعمالي مؤلفة عمليًا من أجزاء لمنازل مفككة – فأنا أتناول البلاط أو النوافذ أو القضبان أو المشابك. ربما أنه بفضل هذا الجهل أو العمى أو المعرفة التي لا تعرف نفسها، طفَت هذه المواد وظهرت في عملي".

 

Tsibi_003.jpg

 تسيبي غيفع، ""من أيّ طريق أصل"، متحف هرتسليا، 2019-2020. القيّمة: آيه لوريا.  تصوير إلعاد سريغ، بلطف: تسيبي غيفع

تسيبي غيفع، ""من أيّ طريق أصل"، متحف هرتسليا، 2019-2020. القيّمة: آيه لوريا.
تصوير إلعاد سريغ، بلطف: تسيبي غيفع


Tsibi_022.jpg

تسيبي غيفع، ""من أيّ طريق أصل"، متحف هرتسليا، 2019-2020. القيّمة: آيه لوريا. تصوير إلعاد سريغ، بلطف: تسيبي غيفع

تسيبي غيفع، ""من أيّ طريق أصل"، متحف هرتسليا، 2019-2020. القيّمة: آيه لوريا.
تصوير إلعاد سريغ، بلطف: تسيبي غيفع

 

 

تذكرني ملاحظاته بمفهومٍ استخدمه محلل نفسي يدعى كريستوفر بولاس (1987)2 - "المعروف غير المُفكّر فيه" - والذي يوضح بالضبط الظاهرة التي يصفها غيفع – المعرفة الداخلية التي لم يتم التفكير فيها بعد. على الرغم من معرفتنا إياها بالفعل - لم تخطر في بالنا بعد. عندما تلوح في تفكيرنا لاحقًا، عادة ما تكون مصحوبة بانطباع مفاده: "بالطبع، واضح، كيف لا" ؛ لدرجة أنه في بعض الأحيان يبدو أن الفكرة أو العمل الجديد معروفان جيدًا للجميع ولا يجددان شيئا.

في وقت لاحق، لدهشتي الكبيرة، يقول غيفع: "ما دفع آيه، قيّمة المعرض، عندما التقينا في الاستوديو الخاص بي، لفهم هذا الجدار [وهذه الشبكة] هو أنها رأت في الاستوديو منظرًا جانبياً لسيارة محطمة وجدتها في مكان ما. لقد التقطت صورة لها وقالت "إنها تذكرني بشكل رهيب بهذا". وهنا أتساءل عن الاقتران بين تداعيات آيه لوريا وتداعياتي (على الرغم من أنني رأيت الحادث في عمل الإطارات وهي رأته في جدار اللوحات).

رحتُ أتساءل عن وظيفة "الحادث" كقوة إبداعية.

بينما نحن نتحدث في فضاء المعرض، تثور لدى زواره أيضًا مجموعة متنوعة من التداعيات الرهيبة. يرون في الإطارات كومة من الجثث في معسكر الإبادة النازي أوشفيتز، نصبًا تذكاريًا لحوادث الطرق، وإطارات محترقة في غزة، ومستودع سلاح في خط بارليف، ومباني اشتعلت فيها النيران.

في إحدى محادثاتنا اللاحقة، سيخبرني غيفع: "المرة الأولى التي قمت فيها بإنتاج جدران الإطارات كانت في عام 1999. أتذكر العبارة التي ظهرت في ذهني في ذلك الوقت، وتواصلت معها كثيرًا:" جدران الموت". على سبيل المثال، في مسارات سباق السيارات، كانوا يبنون جدران الإطارات لصدّ تحطم السيارات. كذلك، موانئ السفن فيها جدران من الإطارات ممتصة للصدمات". إن مفارقة "جدران الموت" والجدران الممتصة للصدمات تهزّني كموضوع ذي أهمية في سياق العمل الفني أيضًا.

جدار الكتابة على الجدران (الغرافيتي) - وهو الضلع الثالث في فضاء المعرض – يحظى بصور ذات صلة أيضًا: سياج من الأسلاك الشائكة بين الحياة والموت، غابة يختبئ فيها الثوّار خلف فروعها المتشابكة، ماثلين أمام السؤال عما سيتولد من الضوء خلفها - الخلاص أو هجوم مفاجئ للشر الماحق. لجعل جدار الغرافيتي أسود بالكامل تقريبًا، دعا غيفع بعض المساعدين وطلب منهم رسم خطوط سوداء كثيفة عليه، وملء وتغطية الجدار بأكمله بحركة رسم حرة ونشطة، ولكن ليس حتى النهاية، كي يبقى الجدار ممزقًا. بقايا الحركة التي تهزّ باللون الأسود هذا الجدار الأبيض تظهر كنوع من action painting، والذي يبقي خلفه رسما خطيّاً مكتظاً ومشحوناً.

 

Tsibi_025.jpg

 تسيبي غيفع، ""من أيّ طريق أصل"، متحف هرتسليا، 2019-2020. القيّمة: آيه لوريا. تصوير إلعاد سريغ، بلطف: تسيبي غيفع

 تسيبي غيفع، ""من أيّ طريق أصل"، متحف هرتسليا، 2019-2020. القيّمة: آيه لوريا.
تصوير إلعاد سريغ، بلطف: تسيبي غيفع

 

 

في حين أن تل الإطارات، والشبكة الضخمة وجدار الغرافيتي المسوَدّ تبدو وكأنها تعجّ بالدمار والموت، فإنها في نفس الوقت تشكل طين واسمنت البنية الفنية. دافع الموت حي يرزق، ويعيد الحياة للمشاهد، الذي تتوق روحه إلى قوة الفناء فتقف منتحبةً على الأنقاض راجية استعادة العدل والجمال. إن جمال أعمال غيفع وقوتها الشاعرية والجمالية مذهلة. تذكرنا بما حدث وتزيد من خلجات قلوبنا، المشاهدين.

يتحدث غيفع عن معرض "الأيام الرهيبة" الذي عرضه في معرض أنينا نوساي في سبتمبر 2001. "كنت في نيويورك في ذلك الوقت. كان هناك سلسلة من المصادفات الغريبة للغاية. قبل شهرين تقريبًا من المعرض، كتبت نصًا حول تحقّق مفهوم الأصولية في الفن، وهو نص مترابط بالتداعيات ويتنقل بين المفاهيم والأحداث في العالم السياسي وبين شكل حدوث التطور في العمل الفني، وكانت الجملة الأخيرة في النص: "إن المرء الذي ليس لديه ما يخسره يمكنه أن يغيّر تاريخ منطقة أو مجتمع بأكمله، ويمكنه أيضًا أن يكون جاكسون بولوك"، لأن بولوك، على سبيل المثال، هو خيار التسامي على انعدام الأصل، العوز الرهيب، ومواجهة الطريق المسدود dead end. وقبل أسبوع من افتتاح معرض نيويورك، ونحن في أوج العمل عليه انهار برج التوأمين. كنا نعمل على المعرض في مبنى قريب من التوأمين، ورأيت الطائرة تدور حول البرج ثم تقتحمه فجأة وتخرج منه كالسكين. من الصعب وصف هذا الشعور بالكلمات. كان هناك شعور بزلزال. لفترة قادمة كانت نيويورك مليئة برائحة حريق غريبة، وفي معرضي، إنشاء جدران من الإطارات التي غمرت المعرض من الداخل، كانت هناك رائحة قوية للغاية من المطاط المحترق. كان هذا قاسيًا لأنه ردّد صدى الرائحة في الشوارع. وإذا لم يكن هذا كافيًا، فقد وقع تزامن غريب جدا ارتبط بـ"الأيام الرهيبة". في ذلك الوقت تعرفت على ريناتا سالسل، فيلسوفة ومحاضرة. لقد نشرت كتابًا عن العنف في الحرب والفن، وهناك مقطع يتعلق بعملي وكنت دعوتها مسبقًا قبل فترة طويلة لإلقاء محاضرة. جاءت إلى نيويورك في نهاية المعرض وألقت محاضرة عن الكتاب وأعمالي. كان ذلك في جامعة كولومبيا وكان جنونًا لأن كل شيء كان يبدو وكأنه تنبؤ استرجاعي ونبوءة داخلية. إنها تجربة تزيد من حدة القلق بشكل غير معتاد وتعطيه مصداقيّة مثبتة. لقد كنت مقتنعا بأنه سيكون هناك المزيد من الهجمات في نيويورك الآن، وكان في الهواء شيء ما بين القلق والحداد الشديد ".

 

0001050002.JPG

تسيبي غيفع، 'Annina Noseii Gallery ، الأيام الرهيبة، نيويورك، 2001. تصوير ديفيد أليسون، بلطف تسيبي غيفع

تسيبي غيفع، 'Annina Noseii Gallery ، الأيام الرهيبة، نيويورك، 2001.
تصوير ديفيد أليسون، بلطف تسيبي غيفع

 

 

كتب فرويد عن "الاسترجاعي" (1918) كظاهرة تكون قد حدثت فيها الصدمة في الماضي، ولكن لم يتم "تسجيلها" في العقل، حيث تلقى صدى ومصداقية وأهمية بعد حدث صادم لاحق، يرسل ذراعيه نحو الصدمة الأولية. أتذكر تداعياتي عن حادث السير مع التقاء إطارات غيفع في المعرض، وعندما تنضم إلى قصة غيفع في نيويورك، أعيد صياغة مفهومي عن لقاء الفن باعتباره "تنبؤ استرجاعي". هذه المواد الإبداعية ترضع من الحياة والموت، وحتى من دافعَي الحياة والموت اللذين يتفاعلان في داخل المبدع والمتلقي على حد السواء. تلتقي الصدمات والآلام التي نحملها كندوب ميتة وكجُزر من المعاني مع تمثيلات في الفنون تتنبأ بالرجوع إلى الكوارث التي حدثت لنا بالفعل. غيفع كان كما لو أنه صمم "الحادث" في الماضي. المحرقة. خط بارليف. كل ما يثور في عالم المشاهِد الداخلي في إزاء أعماله. يذكرني هذا ببيان المحلل النفسي دونالد وينيكوت (1974)،3 أنه عندما نكون قلقين بشأن المستقبل، فإننا في الواقع لا نخشى ما سيحدث، ولكن نخشى مما قد حدث بالفعل. على نفس المنوال، أدرك مع أعمال غيفع أن الفن يجمعنا مع ما كان عليه بالفعل؛ تتنبأ روح الفنان بأعجوبة من ماضينا، فيما نحن نواجه أمامه عمل فك التشفير في الحضن الواسع والجمالي الذي يعطيه العمل الفني للمواجع التي كانت بالفعل، وتنذر بتلك التي لم تأت بعد. إن فعل التحويل هذا في حد ذاته هو تصحيح ومصدر للطمأنينة بسبب إمكانية إبداع عمل جديد مؤلف من جميع مواد الحياة، بما في ذلك المواد المؤلمة والمهددة منها. غيفع أطلق اسم "أركيولوجيا الحاضر" على الإنشاء الضخم الذي أنشأه في بينالي البندقية عام 2015. هيكل شامل متعدد الطبقات. كذلك، فقد تحدث معرضه "تل الأشياء" عام 2008 في متحف تل أبيب عن هيكل عديد الطبقات مصنوع من شظايا

و"صلصال" حاضر مهدد.

تثور فكرة متسللة من علم النفس التحليلي في داخلي. في التحليل النفسي، "دافع الحياة" هي قوة بناءة و "دافع الموت" قوة مدمرة. لكن في عمل غيفع، أشعر أن دافع الموت هو في حد ذاته مادة بناءة. قوة مادية. حركة مادية. الإطارات، رائحة الموت، كل شيء مادي. المواد الفنية. يحافظ الفن كحالة تجمّع مختلفة على شرعية مختلفة. أتفقد مبدئيًا مع غيفع: "يبدو أن المواد المتحللة لديك هي مواد للبناء. مواد الحاوية هي مادة حية. إنها لا تفكك فقط، تدمر، تُميت، ولا تنتج حتى حيّزًا، صدعًا يمكن أن تتسلل من خلاله أشكال الحياة الجديدة. التمزيق الذي تخلقه خطوطك السوداء على طول وعرض الشبكة، على سبيل المثال، يحافظ على الحياة في حد ذاتها ". غيفع يتعاطف مع هذا الوصف، ويتحدث معي عن الصراع القائم بين الأسود والأبيض كمفهوم وليس مجرد طيف من الألوان. أسأله: ألا تشعر أن التوتر المتضارب الموجود في عملك اليوم يحدث داخل الأسود. يقول غيفع: "قام موشيه كوبرمان بزيارة معرضي في غاليري "جولي إم" مكث ساعات طويلة، ولم يقل أي شيء وفي النهاية أخبرني:" تسيبي، لقد تغير الأسود لديك. "ربما كان هذا أجمل تعليق سمعته على الإطلاق عن عملي". يذكر غيفع أيضًا النص الذي كتبه باري شوابسكي عن عمله، وهو نص بعنوان Painting against itself ويركز على لوحة غيفع كصراع داخلي. يعتبر شوابسكي غيفع واحدًا من أكثر الفنانين القلقين في الوجود. في نصه، يكتب، من بين أمور أخرى، أن "أحد أشكال وصف الطرق التي تهاجم بها لوحات غيفع الأخيرة مشاكل قديمة، هي بالتحديد من خلال حقيقة أنه يمكن تصنيفها بأنها هجمات".4

عندما أصل إلى المنزل، أجلس لمشاهدة مقابلة يونا فيشر مع تسيبي غيفع على يوتيوب. فيشر يقول إن أعمال غيفع فيها "سوداوية - حيث لا يمكنك فصل شيء بهيج وفرح عن شيء فيه حزن أو ندم، في داخل اللوحة؛ هذا يقع بين الرسم وبين العالم. ويجيب غيفع: "ربما هذه هي السمة المركزية في عملي، إنها سمة شخصية، إنها ليست شيئًا أختاره حتى. إنها موجودة في داخلي منذ الطفولة. هذه اللوحات عبارة عن مراثي، هذه لوحات حزينة." يضيف غيفع ويتحدث مع فيشر عن الخطاب الفني المحيط بـ "موت الرسم"، وكتابات إيف ألن بوا عن الرسم كأفعال حداد.

كتب المحلل النفسي توماس أوجدن ذات مرة عن "فعل حداد الفنان"،5 وأنا أتبع خطاه وأكتب عن "فعل حداد القارئ". أقوم الآن بتخصيص وقت للتفكير في "فعل حداد المتأمّل".6 إن فعل الحداد مقابل إنتاج الأعمال الفنية ملموس جدًا في معرض غيفع. امتياز التحرك على طول الخطوط والأعماق والسلالم والحبال السوداء التي تنحت وترسم في نفسية المشاهد، وتحدد تقلبات الحياة الماضية والمستقبلية، مما يؤكد من خلال التجربة الجمالية التي تهز مرتكزات روحه أنه ليس وحده، وأن حركة الدمار كونية مثل الحركة البناءة. يدرك المشاهد أن قوة الفناء موجودة في كل مكان ، لكن قوى الإبداع القوية موجودة أيضًا فيه. وكما قال يونا فيشر ، لا يمكنك فصل البهجة والسعادة عن ذلك الذي يجلب الحزن والندم ؛ لذلك ، فإن الشغف بالرسم متفائل حتى عندما يغمس فرشاته في الرماد والتراب. إن الطابع الملموس لهذه العمليات في المعرض الحالي مكثف بشكل خاص بسبب الطريقة التي بستخدم بها غيفع المكونات المختلفة - الحجم ، مقاييس الرسم، الكتلة ، الشدة ، الرائحة ، اللون - وكلها توفر منصة هائلة للقائنا مع أنفسنا داخل وجودنا.

 

Tsibi_019.jpg

تسيبي غيفع، ""من أيّ طريق أصل"، متحف هرتسليا، 2019-2020. القيّمة: آيه لوريا.  تصوير إلعاد سريغ، بلطف: تسيبي غيفع

تسيبي غيفع، ""من أيّ طريق أصل"، متحف هرتسليا، 2019-2020. القيّمة: آيه لوريا.
تصوير إلعاد سريغ، بلطف: تسيبي غيفع

 

 

هناك جدار واحد في مساحة المعرض لم أتطرق إليه بعد. على جانب القاعة لوحة. مثلما كان فيما مضى - لوحة واحدة. تظهر اللوحة مبنى يشبه مركز حراسة أو برج. يقول غيفع أنه رسم هذه اللوحة قبل حوالي خمس سنوات. في الآونة الأخيرة فقط، عندما زار الكيبوتس قبل فترة وجيزة من المعرض وقام بتصوير المنزل الذي نشأ فيه - وهو منزل صممه والده بصفته مهندس معماري في ثلاثينيات القرن الماضي - رأى مدى تشابه الصورة في اللوحة مع منزل طفولته. كان المنزل يسمى "بيت الأمن". كانت تظهر على سطح المنزل المستوي آثار طلقات نارية، وفوقها برج مراقبة وكشاف ضوئي، والذي تم استخدامه أيضًا للاتصالات بواسطة شيفرت إشارات مورس أثناء حالات الطوارئ.

في لقاء بأحد المقاهي، أسأل غيفع مرارًا وتكرارًا عن منزل طفولته، والذي يظهر بوصفع "معغروف غير مفكّر فيه" على جدار المعرض. أخبرني أنه عندما كان طفلاً صغيراً، تم إرسال والده إلى دراسات الهندسة المعمارية في فيينا وكان غائبًا لعدة سنوات. عاش الصبي تسفي في شوق دائم، وأصبح والده المفقود سرابًا حتى لم يعد متأكدًا مما إذا كان موجودًا أم لا. كما يتذكر رجلاً آخر، ظهر وفقا لذاكرته من اللامكان وكان يأتي يوميا في "ساعة الحب" (استراحة الغداء حيث اعتاد الأهل قضاء الوقت مع الأطفال في الكيبوتس)، ويحمل تسيبي على كتفيه القويين ويتجوّل معه. لكنه أيضًا اختفى في النهاية. عندما حدثني عنه، قالت غيفع: "لا أعرف ولن أعرف من هو أبدًا. بكيت. ظل الأمر غامضًا بالنسبة لي - من كان هذا الرجل؟ ما شأنه بي؟ لماذا اختفى؟ وإذا كان يحبني فعلا فكيف ذهب؟ "

بعد رشفة أخرى من القهوة، يخبرني غيفع أنه قضى سنوات يتجوّل حول هذه الذكرى، التي لا تزال مزروعة مثل صورة بالأبيض والأسود الباهتة من دون حل. إنه يتحدث عن الرجل الطويل الذي رحل، وأعتقد أن هذه نسخة استرجاعية للصدمة السابقة المتمثلة باختفاء الأب. أخبرت غيفع عن مقالتي حول "الذكريات الميتة والنسيان الحيّ" وسألته إنا كان يعرف "فونس قوي الذاكرة" لبورخيس. غيفع ينفعل، بالطبع يعرف النص، ويتلو شفويا أجزاء من هذه القصة الرائعة. يقول: "أتذكر، الجملة التي تقترب من نهايتها، بعد سرد خاص لذاكرة فونس الهائلة، الذاكرة الكلية واللا نهاية [ويقتبس من الذاكرة]:" أظن أنه لم يكن يعرف كيف يفكر. التفكير معناه النسيان، التبسيط، التعميم ". أنا أقتبس من الذاكرة لذلك ربما يكون هذا غير دقيق"، تابع غيفع.

أتذكر اسم المعرض "من أيّ طريق أصل"، المأخوذ من قصيدة للشاعر أفوت يشورون

كيف وصلت لهذا. إنه سؤال / أفوت يشورون
من أيّ طريق أصل
أفكر في مقايضة
اسمي، غير
القابل للمقايضة؟ إنه سؤال

وفقا لأن لا أحد ناداني باسمي تمامًا.
منذ هاجرت عن طريق حيفا، سرت برودة بجسدي
لأنهم نادوني باسمي الجوازي.
حتى المرأة التي جاءت خلفي أمي.

من أيّ طريق أصل للحنين
ولاسمي الذي أعطتنيه ونادتني به
وتاقت وانتظرت ووفَت وكان هذا
سامي الشيء الوحيد الذي تركته لي.

26 تموز 1978

 

إن القرب ما بين غيفع في حنينه الظاهر كجرح والمجمد كنصب تذكاري، وبين الحنين الذي يظهر في قصيدة يشورون، واضح. أتواصل مع كتاب البروفيسور مايكل غلوزمان "نشيد الغرقى" (2018)،7 الذي يصف فيه ظهور مزمور "فِيِليخْ" في ديوان "ثلاثين صفحة" لدى أفوت يشورون،8 ومزمور "نيتْسافيمْ" السابق له. فيكتب غلوزمان: "عادة ما تتم تلاوة مزمور "فِيِليخْ" يوم السبت بين رأس السنة العبرية ويوم الغفران العبري. هذا تاريخ قريب من تاريخ ميلاد يشورون الذي ولد في يوم الغفران، 19 أيلول 1903" (ص 174 ، 175) أتعجب من عودة ظهور "الأيام الرهيبة" للمرة الثالثة - تاريخ المعرض "من أيّ طريق أصل"، اسم المعرض في نيويورك، والآن مرة أخرى، في نص يشورون. عودة قسرية لأيام رهيبة تدحرج مرة أخرى إطارات الصدمة كما لو كانت تحاول الفُكاك والتخلّص من عبء المصير.

وفي حين أتأمل أيضا معنى الاسم "أفوت يشورون" بالعبرية أجد أن أفوت تعني آباء، و"يشورون" معناها أمر بالنظر الى شيء. "أنظر أبي". وبقوله هذا يعطينا تسيبي غيفع نظرة أبوية تعيدنا إلى الخلف بثراء تشترك فيه جميع الحواس وكل الذكريات. يتنبأنا بشكل استرجاعي، حتى نتمكن من أن نحلم ماضينا مجددًا باستيحاء منه، بأشكال وأطياف لم نكن نعرف أننا نعرفها.

 

معرض تسيبي غيفع "من أيّ طريق أصل" (القيّمة: آيه لوريا)، في متحف هرتسليا للفن المعاصر، 21 أيلول 2019 - 1 شباط 2020

 

 

 

 

  • 1. ولد تسيبي أيضًا تحت اسم العائلة غيبر. أخوه، الفنان أفيطال غيفع، استبدل اسم العائلة الأصلي بغيفع، وفعل مثله لاحقًا تسيبي أيضًا.
  • 2. .Bollas, C. (1987). The Shadow of the Object – Psychoanalysis of the Unthought Known. New York: Columbia University Press.
  • 3. .Winnicott, D.W. (1974). Fear of Breakdown. Int. Rev. Psycho-Anal., 1, pp. 103-107.
  • 4. 4.Among the new ways that Geva’s most recent paintings attack some old problems is precisely the fact that they can be characterized as attacks. p. 20.
  • 5. .Ogden, T.H. (2000). Borges and the Art of Mourning. Psychoanal. Dial., 10(1), pp. 65-88.
  • 6. . روط. م (2017). ماذا يحدث للقارئ؟ تأمل تحليل-نفسي في قراءة الأدب. القدس: كرميل.
  • 7. غلوزمان، م. (2018). نشيد الغرقى – اكتئاب السيادة في الشعر العبري خلال الخمسينيات والستينيات. حيفا: منشورات جامعة حيفا؛ وريشون لتسيون: منشورات يديعوت أحرونوت.
  • 8. .يشورون، أ. (1964). ثلاثون صفحة. تل أبيب. شوكن.