الاستسلام (طواعية) للرجل الأبيض

أم تصرخ بعد أن انتزعوا طفلها من بين أذرعها، حفلة جنس جماعية للآباء المؤسسين لكندا مع حيوانات الغابة وشخصية متحولة جنسياً ترتدي ألبسة تقليدية وريشاً وخرزاً. ليؤورا بلفورد تزور "العار والرأي المسبق: قصة بقاء"، المعرض المتنقل للفنان كينت مونكمان الذي يتساءل أين هم الرسامون الذين وثقوا الجوع، الفقر، الألم، وإبادة ثقافة بأكملها؟

Advertisement

زوروا متجرنا الفوري دعمًا لتوهو بواسطة اقتناء طباعات فنيّة متوفّرة بإصدار محدود

منذ فترة وأنا أفكر بالكتابة عن معرض الفنان الكندي كينت مونكمان (Monkman) "العار والرأي المسبق: قصة بقاء" الذي يتنقل بين المتاحف في أنحاء كندا. كنت قد زرت المعرض في متحف الفن بجامعة تورونتو في الشتاء الماضي ولم يفارق ذهني منذها. جذب المعرض زوار كثر لدرجة أن طابور الناس الذين ينتظرون دخول المتحف امتد طويلاً في بعض الأحيان في منتصف الأسبوع حتى وليس فقط في نهايته. كثير من الزوار جاؤوا من مدن قريبة خصيصاً ليزوروا المعرض، كثيرون عادوا اليه مرة تلو الأخرى بينما مكثت غالبيتهم العظمي في فضاء المعرض ثلاث ساعات أو أكثر. الكشف عن مكنون هذا السحر الذي يفرضه مونكمان على رواد معرضه لا يفارقني.

مونكمان هو رسام ولو أن لوحاته تكون في كثير من الأحيان نتيجة أو استمرارية لأعمال بوسائط أخرى مثل الأداء، النحت، الإنشاء وحتى السينما. وفي حين ينحدر من أحدى أكبر المجموعات للسكان الأصلانيين في شمال أمريكا (Cree)، يتعاطى مونكمان في أعماله مع معاملة حكومات كندا لسكانها الأصلانيين على مر السنين. أعماله مشبعة بالشهوانية والتمسرحية والفكاهة التي تتجسد من خلال الشخصية الكويرية للآنسة تشيف التي تقف عادةً في مركز أعماله، وهي متحولة جنسياً مثيرة وقوية ترتدي ألبسة تقليدية وريشا وخرزا. الآنسة تشيف هي الأنا الأخرى (ulter-ego) لمونكمان; وجهها وجهه وجسدها جسده، وهو يحتفي بها بلوحات زيتية ضخمة وكذلك بعروض أدائية مذهلة، أعمال إنشائية، أفلام، تماثيل وغير ذلك.

في "العار والرأي المسبق" يتأمل مونكمان في التاريخ الكولونيالي لكندا- الدولة التي تتعامل الآن، ابان احتفالات الـ 150 عاما على إقامتها، مع أفظع الجرائم التي اقترفتها بحق سكانها الأصلانيين حتى زمن ليس ببعيد; جرائم مثل اخراج الأولاد من بيوتهم في المحميات ونقلهم إلى بيوت أولاد بإدارة الدولة لتربيتهم من جديد على قيم المسيحية (كثير من الأولاد ماتوا أو عانوا من الاهمال)، ابادة الثقافة الأصلانية ولغتها، سرقة الممتلكات والأراضي من السكان الأصلانيين، تدمير الطبيعة ومصادر الحياة التي يعتمدون عليها وغيرها من الأمور. لهذا، من الصعب ألا نلاحظ بأن معرض مونكمان يشير إلى أن السكان الأصلانيين عاشوا على أرض كندا قبل آلاف السنين من قدوم المستوطنين الجدد وبأن الـ150 عاما التي مرت منذ اقامتها تحمل معنى مختلفاً بنظر مجموعات مختلفة من السكان. ولكن خلافاً لمشاريع كثيرة تتناول تاريخ السكان الأصلانيين في كندا، يبدو أن معرض مونكمان لا يكتفي بتمثيل الضحية. فهو لا يستهين بجرائم الماضي (والحاضر) التي اقترفتها حكومات كندا ويؤيد التمييز المفضل لصالح السكان الأصلانيين، لغتهم وثقافتهم، إلا ان معرضه يؤكد بأنه لا ينظر إلى الأصلانيين فقط كضحايا مستضعفين يقبعون تحت السيطرة الأبدية للرجل الأبيض.

 

unnamed (1).jpg

منظر تنصيب، "العار  والرأي المسبق: قصة بقاء" في متحف الفن بجامعة تورونتو.  تصوير: طوني هفكنشيد من اليسار: حمالات أطفال من مجموعة متحف جلنبو. من اليمين: كينت مونكمان، الصرخة، 2017، اكريليك على قماش.  مجموعة شخصية.
منظر تنصيب، "العار والرأي المسبق: قصة بقاء" في متحف الفن بجامعة تورونتو.
تصوير: طوني هفكنشيد

من اليسار: حمالات أطفال من مجموعة متحف جلنبو. من اليمين: كينت مونكمان، الصرخة، 2017، اكريليك على قماش.
مجموعة شخصية.

 

في "العار والرأي المسبق" يعاين مونكمان من جديد التصويرات البصرية لكندا الكولونيالية. وهو ويشكك بذكاء وبإغواء، بالشهوانية التي تميزه، بما يعتبر تاريخياً، موثوقاً بصحته و"معروفاً للجميع". وهو يقوم بذلك من خلال وضع لوحاته إلى جانب لوحات معروفة من القرن الـ19 توثق السكان الأصلانيين في كندا تمت استعارتها من مجموعات الأعمال القومية للمتاحف المختلفة في أنحاء الدولة. تعود اللوحات لرسامين شهيرين بتلك الفترة، مثل البيرت بيرستادت (Bierstad)، بول كين (Kane)، وكورنيليوس كريجوف (Krieghoff)، استمروا بالعمل وفق الأعراف الأوروبية التي أتوا منها ورسموا بأسلوب الـ"اولد-ماسترز" (لمعلمين القدامي). مونكمان يتنقل بالزمن ويدس رسوماته إلى جانب الرسومات المبكرة ليتحدى الرواية البصرية التي يتم عرضها في متاحف كندا القومية: القصة التي تم رسم السكان الأصلانيين فيها كجزء من "اكتشاف القارة الجديدة"، أي كانجاز يسجل للرجل الأبيض. أسلوبه الكلاسيكي-المعاصر يسمح لرسوماته بأن تندمج بذكاء بين الرسومات السابقة وبأن تعرض رواية أخرى في ذات الوقت. تقدم لوحة "تدجين الحقيقة" (Subjugation of Truth) مثالاُ على ذلك حيث يعرض مونكمان التشيف\الزعيم باوندميكر (Poundmaker) مقيداً بالسلاسل وهو يسلم حريته (طواعية) للرجل الأبيض لكي يحافظ على سلامة أناسه. في النص الذي كتبه للمعرض، يتساءل مونكمان أين هم الرسامون الذين وثقوا الجوع، الفقر، الألم، ابادة ثقافة بأكملها؟ وهو يريد أن يوضح بأن تصوير السكان الأصلانيين في التاريخ البصري لكندا ليس قريباً اطلاقاً من لغتهم، ثقافتهم وحياتهم، وان كان يدل على شيء فهو يدل على حياة الفنانين أنفسهم ليس إلا.

حيلة أخرى يستخدمها مونكمان هي عرض جزء من الأغراض التي تظهر في لوحاته في فضاء المعرض، الأمر الذي يحيي الرسومات ويخرجها من الاطار إلى فضاء المتحف. حذاء الخرز الأخضر الذي ينتعله التشيف\الزعيم باوندميكر هو أحد هذه الأغراض.

 

unnamed (6).jpg

كينت مونكمان، تدجين الحقيقة، 2016
كينت مونكمان، تدجين الحقيقة، 2016
اكريليك على قماش

من مجموعة دونالد ر.سوبي

 

الحذاء الذي يتواجد في فضاء المعرض يحول الزعيم من شخصية ميثولوجية أو "قصة" إلى شخص حقيقي، محدد، فقد حريته، فقد كرامته. على نفس الغرار، تعرض حمالات أطفال تقليدية، ينتشر استخدامها وسط سكان شمال أمريكا، على الحيطان بكلا الجهتين للوحة تفطر القلب تحمل اسم الصرخة (The Scream)، تظهر فيها أم وهي تصرخ بعد أن انتزعوا طفلها من بين أذرعها. هذه الأغراض تعزز الشعور بأن رسومات مونكمان أصلية، وكأنها مستندات تعرض لحظة تاريخية حقيقية. لكن وبشكل غريب فإن وضع اللوحات بجانب لوحات منذ تأسيس كندا- في معرض يحتفي باحتفالات الـ150 عام للدولة- تجعل من كلا الحالتين روايات ممولة من قبل الدولة وتخدم مصالحها. هذه خطوة ذكية تعفي مونكمان من مسؤولية عرض "حقيقة تاريخية" وتسمح له بإنتاج مجموعة من اللوحات الجامحة التي تحاكي اللوحة المعروفة للآباء المؤسسين لكندا (والتي سأتحدث عنها بالتفصيل لاحقاً). 

 

unnamed (2).jpg

منظر تنصيب. "العار والرأي المسبق: قصة بقاء" في متحق الفن في جامعة تورونتو.
منظر تنصيب. "العار والرأي المسبق: قصة بقاء" في متحق الفن في جامعة تورونتو.
تصوير: طوني هفكنشيد

حذاء التشيف\الزعيم باوندميكر الجلدي، 1875-1890، خرز من زجاج، جلد بقرة من مخلفات سهام، جلد جاموس معالج ومدخن.
أخذه وولتر جواين من التشيف\الزعيم باوندميكر حوالي 1875-1880.
المتحف الكندي للتاريخ.

unnamed (5).jpg

كينت مونكمان، الصرخة، 2017
كينت مونكمان، الصرخة، 2017
اكريليك على قماش، 132 x 84 اينش

من مجموعة متحف دنفر للفن، صندوق اقتناء الفنون الأصلانية

 

المعرض الذي عمل مونكمان على انتاجه وإقامته مقسم على تسع غرف تمثل تسعة أجزاء متخيلة من ذكريات الآنسة تشيف مرتبة وفق التسلسل الزمني. في مركز الغرفة الأولى التي تصور الأيام الأولى لإقامة الدولة، وضع مونكمان، إلى جانب المخطوطات، الوثائق والرسومات، تمثالاً حركياً بحجم حقيقي للآنسة تشيف وهي ترتدي فستاناً من القرن التاسع عشر بينما يتناقلها مستوطنان اثنان (انجليزي وفرنسي) فيما بينهما. مع العلم بأن السكان الأصلانيين قد لعبوا دوراً هاماً جداً في حياة المستوطنين في بداية الطريق- حيث علموهم كيفية الصمود في خضم الأحوال الجوية القاسية، واستخدام التقنيات التقليدية للصيد، واصطياد الحيوانات والزراعة، كما أطلعوهم على معرفتهم الواسعة حول النباتات الطبية المحلية وشكلوا بالأساس جزءاً مركزياً وضرورياً في اقتصاد تجاره الفرو.

 

unnamed.jpg

منظر تنصيب. "العار  والرأي المسبق: قصة بقاء" في متحق الفن في جامعة تورونتو.
منظر تنصيب. "العار والرأي المسبق: قصة بقاء" في متحق الفن في جامعة تورونتو.
تصوير: طوني هفكنشيد

من الأعلى الى اليسار: الملكة فكتوريا (1819-1901، كانت ملكة بين السنوات 1837-1901)، 1887، طباعة حجر على ورق. من مجموعة غاليريا الفن في مركز الكونفدرالية. من الأسفل إلى اليسار: جون ويكليف لاو بورستر، بورتريه السير فيلفريد لورير، زيت على قماش. من مجموعة متحف جلندو. في المركز: كينت مونكمان، تدجين الحقيقة، 2016، اكريليك على قماش. مجموعة شخصية. من اليمين: روبرت هاريس، السير جون أ. مكدونالد، 1890 تقريباً. زيت على كتان. من مجموعة غاليريا الفن في مركز الكونفدرالية.

 

في الغرفة الثانية التي تعنى بالآباء المؤسسين، نجد الاضاءة حميمية والحيطان مدهونة بلون بوردو غامق. في مركز الغرفة تقف لوحة مونكمان التي تحمل اسم الآباء (The Daddies) والتي تحاكي لوحة معروفة لآباء الفيدرالية في الجلسات الاولى للدولة الناشئة. ليس من الواضح ان كانت الآنسة تشيف في لوحة مونكمان هذه تبحث عن مكانها بين الآباء من حول طاولة المداولات أم أنها تعرض نفسها أمامهم وهي عارية بينما تجلس على بطانية صوف ملونة أصبحت مع الأيام رمزاً للكولونيالية في شمال أمريكا (لأن هذه البطانيات استبدلت في كثير من الأحيان مع السكان الأصلانيين مقابل الفرو). ولا يتوقف مونكمان عند هذا الحد، ففي نفس الغرفة يظهر رجال يشبهون الآباء المؤسسين شبهاً كبيراً في لوحة صخمة أخرى، The Bears of Confederation، بعضهم عراة وبعضهم يرتدون بدلات لاتكس سوداء وهم في أوج احتفال جنسي مع حيوانات الغابة. وتتولى الآنسة تشيف قيادة حفلة الجنس الجماعية بسوط أسود بينما لا يغطي جسدها شيء إلا وشاح شفاف وجزمة حمراء بكعب عالي. المقاسات الكبيرة للوحة التي تحتفي بمعظمها بجمال الطبيعة الرهيبة في كندا يسمح للشخصيات الصغيرة للرجال وللآنسة تشيف بأن تكون عرضية. في مجموعة أخرى من اللوحات في الغرفة رسمت على ما يشبه الأوراق المأخوذة من كتاب قديم، تظهر الآنسة تشيف بمشاهد مختلفة وهي تنقذ أو تميت شخصيات من صورة آباء الفيدرالية. كما نجد في نفس الغرفة حائطاً كاملاً من النسخ المختلفة لصورة الآباء المؤسسين الأصلية واللوحة التي تقلدها (بما يشمل قائمة مرتبة للآباء) حيث تدعو هذه مجتمعة رواد المعرض للانغماس في لعبة من التخمينات: من من الآباء يحظى بإحسان الآنسة تشيف ومع من تصفي حساباتها؟

 

unnamed (3).jpg

كينت مونكمان، دببة الكونفدرالية، 2016
كينت مونكمان، دببة الكونفدرالية، 2016
اكريليك على قماش، 190 x 345 سم

من مجموعة ميشل بيلودو ومات كينغستون

unnamed (4).jpg

كينت مونكمان، الآباء، 2016
كينت مونكمان، الآباء، 2016
اكريليك على قماش

من مجموعة كريستين ارمسترونغ وايرفان راوج

 

أنا أيضاً، مثل كثيرين غيري، استصعبت مغادرة هذه الغرفة. الحجم، الغنى، الدقة والحب الظاهر في رسومات مونكمان لمناظر كندا التي تحبس الأنفاس محركة للمشاعر ومثيرة للانفعال. كذلك حس الفكاهة لديه والشقاوة، عندما يجعل رواد المعرض يدققون ليعرفوا من من الآباء يمارس الجنس مع دب، ورأس من فيهم وضع في صحن، تقوم بعملها هي الأخرى. بشكل مفاجئ، لم يشعر أحد من الزوار الكنديين بالإساءة ولم يقم أحد بالاعتراض أو يعبر عن امتعاضه من هذا الأصلاني الذي يصور الآباء المؤسسين بهذه الطريقة المهينة. حتى أن زوار المعرض قد بدوا، بنظري، كمن يمرون بعملية تنقية; كأن المعرض قد شكل غرفة اعتراف كبيرة يواجه فيها الزوار خطايا الماضي التي اقترفتها الدولة وصولاً للمرحلة التي ينبذونها فيها، بنظرهم. من الصعب تخيل عمل شبيه في الواقع الإسرائيلي الحالي.


المعرض "العار والرأي المسبق: قصة بقاء" نظم في متحف الفن في جامعة تورونتو بين 26 كانون الثاني و-5 آذار، 2017، وهو مستمر بالتنقل بين المتاحف في أنحاء كندا حتى تشرين أول 2010.