كازيمير ملفيتش: 100 عام على المربع الأسود

كم من الفنانين يعيشون اليوم أمثولة فنهم في مقابل الأبد وليس في مقابل المجتمع؟ تمار غيتر تعود الى المربع الأسود لملفيتش، بعد مئة عام على إبداعه

Advertisement

زوروا متجرنا الفوري دعمًا لتوهو بواسطة اقتناء طباعات فنيّة متوفّرة بإصدار محدود

كان كازيمير ملفيتش أوّل من أطلق على مربعه اسم إيقونة. هذه رغبته وقد كانت مزدوجة أيضًا: إنتاج الأيقونة الأولى التي ليست أيقونة – مجردة وخالية من القداسة ومن أي مضمون ديني – وبالقدر نفسه فتحها على فضاء عالٍ من القداسة الجديدة. هذا ما يحدث حين نفهم أن "الفن ليس بحاجة الينا، ولم يكن في أية مرة أبدًا بحاجة الينا، منذ أولى اللحظات التي شعّت نجوم السماء فيها".

 

Malevich.black-square.jpg

كازيمير ملفيتش, مربع أسود
1915

فيما يلي خلاصة الفكرة التي تقابَل اليوم بازدراء: الفن الذي لا يشكل الانساني بعده المؤسِّس. كم من الفنانين يعيشون اليوم أمثولة فنهم في مقابل الأبد؟ مقابل الأبد وليس مقابل المجتمع... قلائل جدا. ومن يقرّون ويصارحون بأن الأمر لديهم على هذه الشاكلة، يتم اعتبارهم فورًا كـ"دقّة قديمة" أو باطنيين  في أفضل الأحوال، ومعتلّين اجتماعيًا في أسوئها.

مع ذلك، فما أروع فهم ملفيتش هذا: الفن لم يكن في أية مرة أبدًا، يقول، منذ أولى اللحظات التي شعّت نجوم السماء فيها، بحاجة الينا.

في أية مرة أبدًا؟ منذ متى؟ لقد كانت القارات والعشب والحدائق، وفي اليوم الرابع، شعّت الأنوار من اجرام السماء.

منذ ذلك الحين. لا أقلّ. لم يكن الفن منذ البدء بحاجة لنا. في حالة الفن نحن نتحدث عن سموّ الحس الخالص. هذا يعني الاعتراف بالحقيقة الساطعة – كما يقول ملفيتش – أن خاصيّة رهافة الحس تكمن بكونها لا-شيء. هذ هي خلاصة المربع الأسود وبالقدر نفسه خلاصة فكر ملفيتش برمّته، بما يشمل ملفيتش اللاحق في لوحات الفلاحين الملونة. يعتقد كثيرون بأنه خان نفسه بعد الثورة. العكس صحيح: الموضوع، المادة، الغرض، كل ما هو متخيّل أو تمثيلي، كان ولا زال يصيب الفن في مقتل. الفن – ذلك المجرد أو الصوري، دون فرق – يـُقتل بكل مرة يتم فيها تجاوز المعنى الوحيد الذي يمكن ان يكون لـ"العالم" في الفن: حين يكون الشكل حقيقي – فهو عالم بحد ذاته. إن لا-شيئية المربع الأسود تردد صدى صوته الرقيق، الدقيق والحاد، في مواجهة القتامة الصلدة التي تميّز العتبة الفكرية لثقافة شبكية كاملة، وليس فقط بمواجهة التصويرية بحد ذاتها، كما اعتقد كثيرون.

 

malevich-peasant-woman-c1928-30.jpg

كازيمير ملفيتش, فلاحة (Peasant Woman)
1930-1928

 

إن مصداقية "العالم" في الفن هي ثمرة القدرة على خلق أشكال ذات مصداقية حقيقية. المصداقية الكونية للشكل تنبع منه – الشكل هو تجسيد وتحوّل الى مقياس. لغرض فحص مدى الخراب الذي خلّفته ثقافة الشبكية التاريخية، كانت هناك حاجة الى القدرة على اجراء القياس، في حين أن الانفعال، حب الحقيقة، الحس الأسمى – هي التي طرحت إمكانية هذه الرسمة السوداء. إنها تبلور الفهم بأن المقاييس ليست شفافة، فلا يوجد ما يمكن رؤيته من خلال المربع الأسود. ورهافة الحس الفنية – القدرة على تمييز الشكل الحقيقي عن الزائف – ليست مسألة تمثيل أو محاكاة؛ فليس لها مرجعية، ولا تشير الى ما يقع خارجها. لذلك، فإنك تتحول رغمًا عنك الى ثرثار حين تحاول التعبير عنها (تفسير وضبط أشكال الفن) في سيرورة إعادتها الى "الوراء" أو إرسائها في واقع العالم اليومي. هكذا يسلك معظم المفسّرين السابقين لملفيتش واللاحقين له، اليوم أيضًا، دون فروق كثيرة. إنهم يحاولون الخلق الاسترجاعي للخلفية (التاريخية، الاجتماعية، النفسية، القومية، الخصوصية وهلمجرا..) التي يتم من خلالها تبرير أشكال الفن، وعلاوة على ذلك: الخلفية التي تمنحها صك براءتها الأخلاقي.

إن الفكرة الحداثية الأساسية، بشأن خاصيّة القتل الرهيبة للعصب البصري  (optic nerve)، لا نزال نسمعها منذ مئة وخمسين عاما. هذا امر راهن على الدوام. حارق باستمرار. قلائل فقط من منتجي وأهل الفن يستوعبون هذه الفكرة فعلا. فكرة ما-فوق-الزمني. لكن كل العظماء، ومنهم ملفيتش أيضًا، قد شعروا بها وعبروا عنها جميعا بطرق مختلفة. كلهم فهموا ان الخيال، الروح، الحس، تتعرض للتبخيس والتسخيف حين نصرّ على تصنيفها في خانات المدخلات-المخرجات (الفنان كـ"مراقب").

 المربع الأسود لدى ملفيتش هو التمرد القاطع على هذا الارهاب، الذي يتحول الفن تحت سطوته الى تافه، جيلا بعد جيل، وبأيدي محبيه بالذات! فكيف يمكن مرة واحدة والى الأبد إنتاج شيء "يهزّ المتذوّق الخبير"؟ صورة بدون "أي شيء"، وعن "لا شيء".. مغلقة تماما ومفتوحة على "كل شيء". ملفيتش فعلها. بمعنى جدّي، ريدي-ميد، هناك لوحة واحدة فقط، وكذلك اللوحة التجريدية بمعناها السامي – هناك واحدة فقط.

بالأحرى، هناك اثنتان، واحدة سوداء وأخرى بيضاء...1

 

theo greek.jpg

القديس مكاريوس، لثيوفانوس اليوناني، لوحة جصية من الجدار الغربي
1374. كاتدرائية التجلّي، شارع اليانه، نوفغورود

 

لقد كان السوبرماتيزم، فكر لونيّ متوسط، وعندها – بعد حَمل طويل – جاء الشيء، حين غمر ملفيتش عوالمه بأصباغ كثيرة وفاقعة – رسومات الفلاحين بنمط "البابوشكا" الرائع. ليس هناك ثورة ولا إيديولوجيا طبعت في وعيي حرية وجمالا ساميين أكثر من هذه الأقمشة المطلقة، التي يعود حَملها وولادتها الشرعيين الى المربع الأسود.

بمناسبة الحرية: ملفيتش، المنظّر المتطرف الذي لا يعرف المهادنة، أحب كثيرًا أيضًا روبنس، لمن لا يعلم...

قدرة التدليل هذه، على الطرف، التأشير شديد الحيوية وشديد الهدوء على تجريد القياس – هو امر يتطلب حسًا مرهفًا وعاليًا. والسيرورة برمّتها – من المربع الأسود وحتى رسومات الفلاحين، وبالعكس: منها الى المربّع – هي الكشف المدهش والمفاجئ لشدة الحس وقدرة التشخيص الحيوية لدى ملفيتش. هل يمكن مثلا تخيّل موندريان يعود الى التصويرية؟ يبدو لي أن الاجابة سلبية. ابتداء من شدة تناقض المربع الأسود، ومساحة ومدى المشروع الفني المأمول – من اولى لحظات التماع الكواكب في السماء – من اللافت الاصغاء الى ما كان لدى ملفيتش ليقوله عن سابقيه الحداثويين، الذي تمردوا بدورهم على العصب البصري. مثلا، ماذا فكر عن سيزان؟ لقد اعتقد ان سيزان كان ضروريًا تمامًا، لكنه ريفي. أما التكعيبية التي غذّته بعمق هو ورفاقه في موسكو وبتروغراد، فقد اعتقد أنها لا تساوي أكثر من منهج جدلي. لذلك، من جهة ملفيتش، لم يكن لسيزان ولا للتكعيبية شي مهم يقدمانه بخصوص أمثولة قيمة حقيقة الابداع الفني. من ناحيته، لا يمكن لقصة الفن أن تكون قصة تكتيكية حول تقاليد ومناهضة للتقاليد. يبدو لي شخصيًا أنه لا يستحسن وضع سيزان والتكعيبيين في رزمة واحدة. لكنها وصلت هكذا الى ملفيتش والمجموعات التي انتسب اليها في موسكو. في جميع الأحوال، الأمر هنا هو المطلق والأبدية.

عام 1927 صاغ ملفيتش الأمور بشكل دقيق. قيمة ووزن العمل، مكانة-حاجة-مصداقية أشكاله، ليست معايير لقوانين تاريخية، لا تخص بالمرة مجال التاريخ. مثلما قال بصورة رائعة: "... منذ أولى اللحظات التي شعّت نجوم السماء فيها، لم يكن الفن أبدًا بحاجة الينا".

 

0.10_Exhibition.jpg

أعمال من السوبرماتيزم لكازيمير ملفيتش معروضة في معرض 0.10, بتروغراد
1915. (بالمناسبة، الصيغ الأولى للمربع الأسود أنتجت عام 1913)

 

هناك حديث، عديم المعنى برأيي، حول ملفيتش المعاصر، من باب الافتراض، أبو اللوغو، أو الشارة. لا جدوى من هذا الحديث. خسارة على الجهد. ملفيتش لا يتوطّن بأي شكل في مجال السلع والتجارة. ولا ملفيتش الخاص بالمعيار والمعمار. إنه نبي هام وكبير جدًا، لكنه ليس نبي الـ SMART CITY  المعاصرة.

رُفع المربع الأسود وثُبّت تحت السقف، في زاوية غرفة عرض المعرض السوبرماتيّ الأول (0.10, بتروغراد, 1915). ومن هناك استحوذ على كل شيء مثبّت تحته. إن الروس – وهذا خضع للفحص – مهما بلغت ثوريتهم، فهم بحاجة الى تراتبية وحاكم في خاتمة المطاف. لكن ملفيتش كان بولنديًا.. كاثوليكيًا.. وقع اسمه بحروف بولندية فقط، وأضاف الى "كازيمير ملفيتش" كلمة "بولندي". في جميع الأحوال: إن موقع المربع الأسود هو موقع الأيقونة – المقدّس البيتي، في قالب نظام البيت التقليدي للأرثوذكس الروس. لهذا السبب اختار ملفيتش هذا الموقع، لأن "الفن ليس بحاجة الينا، ولم يكن في أية مرة أبدًا بحاجة الينا، منذ أولى اللحظات التي شعّت نجوم السماء فيها".

  • 1. المقصود طبعا لوحة ملفيتش، أبيض على أبيض من العام 1918.