الجسد، الصورة، والشّرخ: عن الفن في زمن الانهيار

حوار مع روعي روزين حول الجسد كفضاء سياسي، وعن الفن في ظل العنف، وعن إمكانية حمل صورة حين يكون الواقع نفسه لا يُحتمل.

روعي روزين، ألسنة مزدوجة، 2025.

روعي روزين، ألسنة مزدوجة، 2025.
بإذن من الفنان

ريم غنايم: في وشوم حرب غزّة، يتحوّل الجسد إلى موقع للذاكرة - لكن ليس عبر فعل واقعي، بل من خلال تمثيل لفعل. ما الذي دفعك لاختيار الوشم تحديدًا، وخصوصًا وشم لم يُنفّذ على أرض الواقع؟

روعي روزين : إذا بدأنا من نهاية سؤالك، أود أن أُحدثك أنني أعمل حاليًا على الجزء الثاني من السلسلة، وهذه المرة عن وشوم حقيقية. كنت أعتقد أن قلّة فقط سترغب بالحصول على وشم، لكن خلال ساعة واحدة من نشر الدعوة للمشاركة، استجاب عدد من الأشخاص يفوق عدد التصاميم التي كانت لدي، والغالبية الساحقة منهم بالمناسبة، نساء. كان ذلك مؤثرًا للغاية، سواء من حيث انتقال الفن إلى الجسد (عبر يد فنان الوشم الموهوب، روعي فاكسل)، أو من حيث الرغبة في حمل صور دائمة تتّسم بطابع نقدي، مقلق، ومُعارض.
لكن بالفعل، كانت الصور في الجزء الأول عبارة عن وشوم مُتخيلة، صُنعت باستخدام المكياج والفوتوشوب. وخلال العمل على ذلك الجزء، بدا لي من غير الممكن أن أجد عددًا كافيًا من الأشخاص المستعدّين للحصول على وشم حقيقي. وفي الوقت نفسه، كان لذلك ميزة، إذ لم يكن على الصور أن تصطدم بواقع الجسد، أو بقدرة العارضات على تحمّل الصورة أو النص، تحملًا حقيقيًا، على الجلد وفي النفس.

روعي روزين، نصرٌ مطلق، 2024

روعي روزين، نصرٌ مطلق، 2024
بإذن من الفنان

السياق الذي تُنتج فيه الأعمال اللاحقة هو معرض جماعي يُقام في برلين، في "بيت ثقافات العالم"، ويتناول الفاشيات العالمية. سيُعرض هناك فيلم "اخرج"من عام 2010، حيث تتحوّل مشهدية سادو-مازوشية إلى طقس طرد أرواح سياسي، وذلك حين تردّ المرأة التي تتلقى الألم بترديد عبارات مأخوذة من أقوال أفيغدور ليبرمان، الذي كان آنذاك ممثلًا لتيار يميني متطرف. كما سيُعرض عمل "ليلة فلاديمير" (2011–2014)، حيث تقوم أشياء متحركة بتعذيب وقتل فلاديمير بوتين، وفي هذا العمل تُفحص عملية الفاشية التي تمرّ بها روسيا (إذا أردنا تبسيط الأمر بهذا الشكل).

إلى جانب هذه الأعمال القديمة، سيُعرض أيضًا تجميع يدمج بين الوشوم الحقيقية والوهمية، على نحو آمل أن يضيف بُعدًا آخر من عدم الاستقرار واللايقين. 

فيما يتعلّق بإنتاج السلسلة ككل، وسؤالك حول الوشم كوسيط، فيجدر بي القول إنه قبل وقت قصير من البدء بالعمل على هذه الوشوم، شعرتُ أنه من المستحيل بالنسبة لي أن أقدّم ردًا فنيًا على فظائع بدأت بمجزرة السابع من أكتوبر، وتواصلت عبر جرائم حرب، وتدمير منهجي للمدن، وتجويع جماعي، وإبادة جماعية. ومع ذلك، أحسست أن الصمت غير ممكن، كأن الأمر يشبه شيئًا لا يمكن ابتلاعه ولا التخلّص منه.

شعرت بانزعاج عميق تجاه الردود الإسرائيلية الفنية، خصوصًا في الأشهر الأولى التي تلت السابع من أكتوبر. فقد عبّرت هذه الردود عن ألم وصدمة حقيقية إزاء مجزرة مروعة وغير مسبوقة. لكن بدا أن منظور الضحية كان مطلقًا، من دون أي تعبير أو تأمّل في العنف الإسرائيلي (فضلًا عن تاريخه المرتبط بأحداث الحاضر).

 بكلمات أخرى، لستُ أشكّك في المشاعر التي تم التعبير عنها : الحزن، الكآبة، القلق، العجز. لكن تقديم الذات (فرديًا وجماعيًا) كضحية مطلقة، يتضمن إنكارًا لكونها أيضًا جهة معتدية، ورفضًا لتحمّل المسؤولية كجزء من جماعة ترتكب فظائع. وكان من الممكن أن نعرف، حتى في اليوم التالي للمجزرة، أن الرد الإسرائيلي سيكون عنيفًا، وإن لم أتخيّل أنا شخصيًا أنه سيبلغ هذا الحجم المفزع الذي بلغه.

 شعور "الضحية الأبدية" هذا يرتبط أيضًا بتكرار استحضار الهولوكوست بشكل نفعي، وهو أمر أشار إليه كثيرون (وأنا من ضمنهم) على مدى السنوات. ومؤخرًا، وفي سياق الحديث عن التمثيل الذاتي الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر، كتبت نعومي كلاين عن هذا الأمر في مقال نشرته في صحيفة "ذا غارديان" - وقد رافق المقال صورة لوشم حداد: اسم والدتها، وتحته التاريخ 7.10.2023 منقوشًا بطريقة تُذكّر بوشم أرقام السجناء في أوشفيتز.

وُلدت هذه السلسلة من ومضة لحظية، خلال مكالمة عبر "زوم" مع اثنين من القيّمين الفنيين وأصدقاء مقرّبين: يكاترينا ديوغوت وديفيد ريف، من مهرجان "شتايرشر هيربست" في غراتس، النمسا. تحدّثنا عن إمكانية عرض أعمال قديمة ضمن معرض يتمحور حول "رعب الوطن "(Horror Patriae)، ومن بين الأعمال التي طُرحت للنقاش، كان هناك عمل وشم يعود إلى أيام عملية "الرصاص المصبوب"، أي الهجوم الإسرائيلي على غزة خلال عيد الأنوار- الحانوكا في عام 2008، والذي بلغت حصيلة القتلى فيه نحو 1300 فلسطيني - وهو عدد غير مسبوق حينها، تحت عنوان مستعار من أغنية أطفال تُغنّى في العيد: "جدي اشترى لي دوّارة / دوّارة من رصاص مصبوب". 

الصورة في ذلك العمل دمجت بين تابوت ونجمة داوود، واحتوت داخلهما هيكلًا عظميًا، يبدو وكأنه بين الإنسان وميكي ماوس، إلى جانب عبارة "ما بعد الذنب"، المستعارة من عنوان كتاب لجان أمري، وكذلك تأريخ بالسنوات: 1948–2008 (مرور ستين عامًا على النكبة وعلى حرب الاستقلال، وكان هذا هو أيضًا سبب تكليف العمل آنذاك، لصالح عدد "احتفالي" من ملحق الثقافة في صحيفة "هآرتس").

 أثار القيّمان ملاحظات حول أن النص مكتوب بالعبرية، وأن استخدام سنة 2008 قد يثير التباسًا، ومن هنا نشأت فكرة تحديث العمل القديم. وقد تم بالفعل إنجاز هذا التحديث، لكن من هناك، لم يكن الطريق طويلًا نحو التفكير في سلسلة من الصور ومقاطع النصوص، التي ستُعرض على أجساد أشخاص مختلفين - لتشكّل ما يشبه مشهدًا جسديًا متشظّيًا، حميميًا، يكون في الوقت نفسه سجلًّا زمنيًا غير منتظم، مشوّشًا، لتسلسل الفظائع، وكذلك للخطاب الذي يرافقها.

روعي روزين، العون آت، 2025.

روعي روزين، العون آت، 2025.
بإذن من الفنان

ر.غ : الانتقال من الوشوم المتخيّلة إلى الوشوم الحقيقية يُمثّل تحوّلًا في شدّة الالتزام، ليس فقط من جانبك كفنان، بل أيضًا من جهة المشارِكات. كيف تفسّر استعداد هؤلاء النساء لحمل صور على أجسادهن تُجسّد ليس فقط الذاكرة، بل أيضًا المقاومة، والتي قد تكون أحيانًا غريبة عن الإجماع السائد أو حتى مهدِّدة له؟
هل ترى في ذلك تعبيرًا عن تحوّل سياسي أوسع نطاقًا، أم أنه لا يزال فعلًا فرديًا واستثنائيًا؟
إلى جانب ذلك، يثير اهتمامي التوتّر الذي تطرحه بين التمثيل والفعل، بين صورة لاحتجاج، وبين جسد يُجسّد هذا الاحتجاج بالفعل. هل تعتقد أنّ هناك مكانًا لا يزال قائمًا للفعل الجمالي بوصفه مجرّد تمثيل، في واقعٍ بلغ هذا القدر من التطرّف؟ أم أنّ الفن مضطرّ اليوم إلى الاقتراب من حدود الفعل، وربما حتى تجاوزها؟

ر.ر : رغم كل الرغبة، يصعب عليّ أن أرى في استعداد عدد قليل من الأفراد للحصول على وشم تعبيرًا عن تحوّل سياسي واسع النطاق. لقد كان من المؤثّر والمُشجّع أن أكون في صحبة النساء اللواتي اخترن أن يتوشّمن، وشعرتُ، ولو للحظة، وكأن ثمة إشارة إلى انتماء إلى مجتمع من الرافضين. لكننا نتحدث هنا عن أقلية، وفي حاضر لا تزال تُرتكب فيه جرائم حرب مروّعة بشكل يوميّ، حيث أصبحت المواقف الوحشية التي تدعمها وتدعو بشكل صريح إلى الإبادة، هي القاعدة. الأمل ضروري بقدر ما هو عصيّ على التمسّك به.
أبعد من ذلك، أنتِ تطرحين سؤالين أساسيين حول الفن في هذه اللحظة (بل، في الحقيقة، في كل لحظة يمكن تذكّرها في سياق إسرائيل-فلسطين، إذ نحن نعيش أصلًا في حالة دائمة من الأزمة). هذه الأسئلة مصاغة كأنها اختيار بين احتمالين: من جهة، مسألة ضرورة الانخراط في السياسي، ومن جهة أخرى، مسألة الانتقال من التمثيل إلى الفعل (أو إن شئنا القول، من المتخيّل إلى الواقعي).
أنا أعيش هاتين الإشكاليتين من داخل تناقض ذاتي، ازدواجية، وسيولة. أشعر أنني مُجبر على التطرّق إلى السياسي، وفي الوقت ذاته، لا أريد أن أتصوّر وضعًا يكون فيه للفن واجب أو أمر مُلزم بأن يفعل كذا أو كذا، أو أن يُسلب منه أفق الرفض، الانسحاب جانبًا، الإصرار على الجمال، وما إلى ذلك. هذا التوتّر ليس أمرًا جدليًا أو فلسفيًا فحسب، بل هو أمر جوهري ومُقلق. وأنا أعيشه أيضًا كمُتلقٍّ: أقدّر لحظات المتعة والسحر، الضحك والتحرّر التي يمكن أن يمنحها الفن، وفي الوقت ذاته، أشعر أحيانًا بالاشمئزاز من غياب البعد السياسي (أو من تحوّله إلى شيء خفيّ، ضعيف، ضبابي، أو سطحي).
هذا التمزّق أكثر اضطرابًا وفاعلية في داخلي منه في الخارج. وعلى المستوى الشخصي، إن كان ثمة "نموذج" أقدّمه، فهو يتمثّل في حضور السياسي حين ينبثق من داخل ما يبدو أنه لا ينتمي إليه، من الجمالي، الفكاهي، الفانتازي، الجسدي، ويستمر في الوجود من هناك. لكن هذه ليست وضعية مريحة، فهي مليئة بنقاط الضعف، وبالأساس، لا أشعر أنني قادر أو مؤهَّل لأن أقدّم طريقًا أو نموذجًا لفنانين آخرين.
الانتقال من "الصورة" إلى "الفعل" لا أختبره كهبوط في إجابة مستقرة أو نهائية، بل كفعل مرتبك، مهتز، ناتج عن سيرورة وظروف. لأوضح مجددًا: للوشم الحقيقي قوة كانت غائبة عن الوشوم المتخيلة، إلى حدّ كبير لأن العمل الفني تحوّل إلى التزام جماعي، ولأن هذا الالتزام معروف بأنه حقيقي ولا رجعة فيه -لكن هذا لا يعني أنني أتخلى عن إيماني بقوة المتخيل، والمفترض، وغير الواقعي، في أن يقدّم أبعادًا من الراديكالية والمقاومة.
شاهدتُ مؤخرًا مسلسل "البروفة العامّة" للفنان الكوميدي نيثن فيلدر، وهناك لحظة يقول فيها خلال محادثة: "أعتقد أن الصدق مبالغ في تقديره."
هذه جملة رائعة، بالضبط لأننا جميعًا نعرف مدى أهمية الصدق بالنسبة لنا، لكن لموقع الـ"تريكسْتر" - ذاك الذي يزعزع عمدًا مفاهيم الصدق المباشرة - مسارات ضرورية وفريدة نحو الحقيقة. فهو يكشف، بطريقة جدلية ونقدية، ما يُسمّى "الصدق" كغطاء يخفي طبقات أعمق من الحقيقة.
بمعنى آخر، فيلدر، شأنه شأن فنّانين آخرين مقلقين، يُفعّل هو أيضًا توترًا نشطًا وتناقضًا داخليًا.

ر.غ: في أعمالك، تظهر صور مشبعة بحمولة رمزية، مثل صورة صفّ من الجثث تحت كرسي شاطئ، وهي صورة تخلّيت عن نقلها إلى الجسد بسبب صعوبة تحمّلها. من منظور فني وفلسفي "دولوزي"، هل تعتقد أن هناك حدًا لتمثيل العنف؟ وهل ترى أن الجسد هو "سطح رسم" فعّال للصورة، لا مجرد حامل سلبي لها، أن تمثيل العنف على الجسد قد يتحوّل ليس فقط إلى فعل من أفعال الهوية، بل إلى خلق واقع قائم بذاته؟

ر.ر : الصورة التي تتحدثين عنها تشير إلى هلوسة دونالد ترامب بشأن "ريفييرا في غزة"، في سياق الحديث عن اقتصاديات الحرب. هذه الصورة جاءت ضمن سلسلة من الأعمال التي تصوّر مناظر طبيعية ممتدّة تحت سطح الأرض، لكن في الأعمال السابقة، كُشف عن جثة واحدة فقط أو عن شيء لا يُرى - بينما هنا، المعادلة هي مجزرة جماعية مقابل منتجع سياحي، والأرض - التي تُجسّد أيضًا أمواج البحر - تكشف عن شبكة من القبور.
الصورة مرعبة، وهي أيضًا هائلة الحجم إلى درجة لا يمكن معها تنفيذها كوشم فعلي على الجسد.
في الفصل الأول، كانت هناك أعمال أخرى أعتبرها من الناحية المفاهيمية محورية، لكنها أيضًا غير قابلة للتحقّق كوشوم فعلية.
أفكر، على سبيل المثال، في قصيدة بعنوان "الدوّارة المرعبة، ملحمة عسكرية تاريخية" - وهي نص شعري مؤلف بالكامل من أسماء العمليات العسكرية التي شنّها الجيش الإسرائيلي على غزة في هذا القرن، مرتّبة ترتيبًا زمنيًا.
بالنسبة لي، تجسّد هذه القصيدة حضورًا ضروريًا للفجور اللغوي المحسوس الذي تستخدمه المؤسسة العسكرية.تضمّن الفصل الأول أيضًا صورتين لاحتراق، تحوّلتا إلى وشوم تبدو كأنها أكمام من نار ودخان تلتف حول الذراع -من الصعب تخيّل أن هناك من سيختار وشمًا كهذا على جلده: محلول وريدي مشتعل، وكتاب يحترق. وهناك كذلك تصميمان آخران اتّضح لاحقًا أنهما غير قابلين للتنفيذ، وهما نسختان معدّلتان من شعار كتفية كتيبة غولاني: في الأولى، تحوّلت شجرة السنديان الرمزية إلى جمجمة تتخذ شكل سحابة انفجار (على هيئة فطر نووي)، وفي الثانية، دُفنت الشجرة رأسًا على عقب، بحيث ظهرت جذورها متجهة نحو السماء.
هاتان الصورتان كانتا ردًّا فنيًا على حادثة قتل ودفن 15 مسعفًا عبر إطلاق نار مباشر من مسافة قريبة، نُفِّذت على يد جنود من الكتيبة ذاتها، بتاريخ 23.3.2025. في هذه الحالة، بدا أن الرمز العسكري نفسه ثقيل ومؤلم إلى درجة جعلت المشاركات المحتملات يعجزن عن حمله على أجسادهن - ولهذا السبب، تم التخلي عنه واستبعاده من المشروع.
بعبارة أخرى، التوتر السائد هنا لا ينبع بالضرورة من سؤال فلسفي عام، ولا من العلاقة بين عتبة التحمّل الجسدي والموقف الجمالي، بل هو توتر حواري في جوهره. فإذا شَبَّهنا الصورة بصوت يعبّر عن هوية ونية، فإن هذا الصوت لا يعود للفنان وحده، بل على الأقل لاثنين: الفنان، ومن نُقشت الصورة على جلدها. وهذا أيضًا فارق كبير بين الجزء الأول من المشروع، الذي تضمّن وشومًا متخيّلة، وبين الجزء الثاني. في الجزء الأول، كانت هناك مشارِكات -إحداهن فلسطينية -طلبن الحفاظ على مجهوليتهن، وفي هذا السياق، على نوع من المسافة بين مواقفهن الشخصية وبين موقف الفنان. وهذه المسافة، بطبيعتها، لا يمكن الحفاظ عليها عندما يصبح الجلد هو الحامل الدائم للصورة.
أما الفكرة التي اقترحتِها، والمتأثرة بدولوز، حول الحاضر المتواصل، الفعّال، والدينامي للجسد -بوصفه أكثر من مجرد حامل للجلد - فهي فكرة أراها جميلة، وتُضيء جانبًا جوهريًا في مفهوم الوشم: بأنه تعبير حاسم عن لحظة معينة في الزمن - سواء الشخصي أو التاريخي - وفي الوقت ذاته، هو معرض دومًا للتغيّر، مع تغيّر الجسد، والهوية، والعالم من حوله. لكن هذه لم تكن فكرة حاضرة لدي أو ضمن دوافع العمل، بل أتبنّاها منكِ الآن بكل سرور، وأشكرك على إضاءتها. 

ر.غ: في جميع أعمالك، يبرز بوضوح انشغال عميق ليس فقط بحدود الجماليّات، بل أيضًا بحدود التمثيل، وبالعلاقات بين السيطرة، الجسد، والذات. وإذا وسّعنا قليلًا زاوية النظر - لنتجاوز الوشم بوصفه ممارسة، وننظر إلى الجسد ذاته كحلبة للصراع، وكحيّز للوعي والذاكرة - فهل ترى أن الفعل الإبداعي اليوم أصبح شكلًا من أشكال معركة بقاء ثقافية؟ 
بمعنى آخر، هل يمكن للفعل الفني، لا سيما حين يلامس الرعب ويتحدث بلغة الفاشية، أن يظلّ قادرًا على الحفاظ على شقّ - ليس فقط في النظرة السياسية، بل في الإمكانية ذاتها لأن نكون بشريين؟ أم أن الفن، كما يبدو من صورة العالم اليوم، محكوم عليه هو أيضًا أن
يُزاح جانبًا، إلى مناطق العجز، والاكتفاء بالتمثيل والصورة؟

low 04 Safe Zone Arabic.jpg

روعي روزين، منطقة آمنة، 2024.
بإذن من الفنان

Roee Rosen, Field of Yemen, 2024.

روعي روزين، ميدان اليمن، 2024.

روعي روزين، ميدان اليمن، 2024.
بإذن من الفنان

ر.ر: صحيح أن الجسد، في أعمالي على مدار السنوات، يُختبر - تمامًا كما قلتِ - كساحة صراع. من خلال أحداث جسدية مثل الرغبة، والتعذيب، والاختناق، والإفراز. هذه هي الفرضية، مثلًا، في عمل "حياة وموت كإيفا براون"، الذي يطلب من المُشاهد أن يتقمّص جسدًا يختبر الحميمية مع هتلر؛ أو على مستوى عنوان كتاب الإيروتيكا لجُستين فرانك، "عرق حلو" إيروتيكا تتمحور حول الإفراز والرائحة، لكنها في الوقت نفسه تصفّي حساباتها مع فضاءات مثل التصوّف اليهودي، وأيديولوجيا الليبرتينية، والصهيونية، والسوريالية.

أتردّد في الإجابة على هذا السؤال، أولًا، لأنني لا أرى في "الفن" شيئًا واحدًا، بل طيفًا غير متجانس من الإمكانيات والمواقف، وثانيًا - وربما الأهم -لأنني لا أشعر بأن لديّ أجوبة. إذا جرّدت كلمة "فن" من أداة التعريف، وفكّرت بها على المستوى الشخصي، يبدو لي أن مجرّد بقائنا، في وجه هذا الرعب، يقتضي انقسامات داخلية دائمة (وها نحن مجددًا في ظلّ دولوز وغاتاري).

من الواضح -عندما تبدأ صباحك بفنجان قهوة، وتُقابلك الأخبار عن القتل المنهجي للفلسطينيين الجائعين المنتظرين للطعام، وعندما تواجه أبعادًا لا تُحتمل من الدمار، والشر، وإنكار الآخر، والمحو التاريخي والجسدي -أمام كل ذلك، يبدو الفعل الجمالي ضئيلًا، غير ذي صلة، بل وأحيانًا غير ممكن على الإطلاق.

ربما نحتاج إلى الهجرة من هنا كي نتمكن من العودة إلى إنتاج شيء مثل كوميديا رومانسية -أو حتى مجرّد رسمة لمنظر طبيعي. تنظيم التنفّس، الإحساس بأن هناك مكانًا للذّة صغيرة، إذا توفّرت -لمسة إنسانية - كل ذلك يصبح أفعالًا بَقَائية. وكذلك التمسّك بتلك الطبقة "السخيفة"، الطفولية، لكنها أيضًا صادقة جدًا - الطبقة التي ترى في الفعل الجمالي أفقًا ثمينًا للتحرر، وللإنسانية.لكنني، في هذه المرحلة المتأخرة من الحوار، أرغب بإعادة السؤال إليكِ: كيف ترين أنتِ الفعل الفني، أو الشعري، أو الحواري، أو التحريري -أي الممارسات الإبداعية الخاصة بكِ - في مواجهة فظائع الحرب، والإبادة الجماعية؟

Roee Rosen, Listening, 2024.

روعي روزين، إصغاء، 2025.
بإذن من الفنان

Roee Rosen, Landscape with a bed, 2024.

روعي روزين، منظر طبيعي مع سرير، 2024.
بإذن من الفنان

ر.غ: شكرًا على سؤالك، روعي، وعلى إجابتك. يبدو لي أنه في هذه الأيام، حين تبدو كل كلمة صغيرة جدًا أمام هذا الرعب، وحين تغدو كل إيماءة وكأنها إمّا خارجة عن الزمن أو خاضعة له، يبقى الفعل الفنيّ من بين السُبل الأخيرة التي تُمكّننا من التمسّك بإمكانية أن نكون بشرًا.
أنا أكتب حتى عندما لا يكون لديّ ما أقوله. ليس كردّ فعل، بل كحاجة جسدية. كألمٍ يغرق في الكلمات فقط كي لا يتفتّت.
ضمن هذا الحيّز، لا يُختبَر الشعر بوصفه "محتوى"، بل كصيغةٍ للوجود. وهكذا، في الساعات التي يبدو فيها الواقع كشقّ مفتوح لا صدى له -أكتب.

أموتُ هنا موتَ شاعرةٍ فلسطينيّة
ثمّ أحيا من جديدٍ مثل شاعرةٍ فلسطينيّة
وبتؤدةٍ تؤذيني
أصير قصيدةً صوفيّةً اجتازت العدمَ مرّتين.

وهذه القصيدة، في نظري، لا تحاول أن تُمثّل شيئًا. ليست رمزًا، ولا توثيقًا. إنها بحد ذاتها فعلٌ جسدي، سياسي، وربما حتى صوفي - للبقاء في وجه الانهيار. وكما كتبتَ، لا يوجد بالضرورة حسم بين الصورة والفعل. أحيانًا، مجرد البقاء داخل هذا التوتر هو الفعل نفسه.
أنك تخلّيت عن تنفيذ وشم معيّن -لا أراه ترددًا، بل اعترافًا بالجسد كشاهد، لا كمجرد سطح، بل كحامل للألم، للذاكرة، وللغة لا ترجمة لها. وربما هنا تتقاطع طرقنا: في الفكرة التي تقول إن اللحظة الفنية ليست تفسيرًا للعالم، بل موضع يُنفَس فيه العالم من جديد.

ر.ر: في هذه القصيدة المؤثرة، هناك حركة تُشبه التنفّس - انقباض وتمدّد لموت يعود إلى الحياة.
وفي الوقت ذاته، هناك توتّر بين "هنا" و"هناك": "الموت "هنا"، أي في إسرائيل، لشاعرة فلسطينية تحمل الجنسية الإسرائيلية، والموت "هناك"، لشاعرة فلسطينية أخرى - وكل ذلك يمرّ من خلال عبارة "العدم مرّتين".تحدّثتُ في بداية هذا الحوار قليلًا عن ردود فعل فنية وإنسانية مختلفة داخل المجتمع اليهودي-الإسرائيلي، وأنا فضولي أن أسمع منكِ -إذا كان ممكنًا -عن الإشكالية، والطبيعة، والتجربة التي تشكّل العلاقة بين فلسطينية تحمل الجنسية الإسرائيلية، وبين الفلسطينيين في غزة والضفة، في ظلّ هذا الحاضر المستمر، وعن هذا التوتر بين الانتماء والتميّز، أو بين الشراكة والاختلاف.

ر.غ: العلاقة بين "هنا" و"هناك"، بين فلسطينية تعيش داخل إسرائيل، وبين فلسطينية تُمحى - في غزة، أو في الضفة، أو في المنفى، علاقة لا أملك فيها إجابة مستقرة.
لا يمكنني أن أتكلم عن "هوية مزدوجة"، لأن الازدواجية نفسها ليست متكافئة. ولا عن "انكسار"، لأن أحيانًا يبدو لي أنه لم تكن هناك وحدة أصلًا. ما يوجد هو احتكاك دائم، بين ما أستطيع رؤيته، وما يُمنع عني أن أختبره - وفي الوقت ذاته، أشعر بمسؤولية تجاهه. أنا لستُ هناك، لكنني أيضًا لستُ "غير هناك". وربما أكثر من أي شيء آخر: أنا قريبة جدًا لأن أظلّ صامتة، وبعيدة جدًا لأن أتكلم باسم. بهذا المعنى، كتابتي -سواء كانت شعرًا، أو محادثة، أو تحريرًا -لا تؤدّي وظيفة الجسر، وليست محاولة لتوحيد أو رأب الهوّة،
بل إقامة وسط الهوّة نفسها. أشعر أن التجربة الفلسطينية ليست وحدة هوية واحدة، بل تسلسل طبقات من الألم، يغمرني بطرق متعدّدة: عبر اللغة، الجسد، النظرات، الصمت. وأحيانًا، يكون القرب "الهيكلي" من الإسرائيلية سببًا في تفاقم الرؤية والمعاناة -لأنني أعرف، جيدًا، كيف أقرأ الإنكار أيضًا. وهكذا، كثيرًا ما أشعر أنني معلّقة -بين الصرخة والصمت، في آنٍ معًا. ومع ذلك، هذا المكان المعلّق، غير المحسوم، تحوّل إلى الأرض التي أكتب منها.
ربما هذا بالضبط ما يمنح الفنّ قوّته في لحظات كهذه: ليس في الإشارة إلى موقف مستقرّ، بل في القدرة على البقاء حاضرًا داخل الحيّز المتصدّع، المرتجف، واللا-يقيني. والتنفّس هناك. في مواجهة هذه اللحظة، هل ترى في الفنّ فضاءً يمكن فيه احتمال الانقسام، والتناقض، واللا-انتماء، من دون السعي إلى ترميمها أو توحيدها؟ أم أن الفنّ، تمامًا كما الجسد، ليس أكثر من شاهد على الشّرخ - ولا يستطيع أن يتجاوزه؟

ر.ر: أشعر أننا، في الحقيقة، كلانا، تلمّسنا خلال هذه المحادثة حالات من الانقسام والتناقض -وحتى إن لم تكن "لا انتماء" بصورتها المباشرة، فمن المؤكد أن هناك نقدًا، وربما شكًّا، تجاه الأشكال الحاسمة أو الإيجابية للانتماء.

ر.ر: تتردّد في ذهني العبارة التي استخدمتها: "شهادة على الشّرخ". فالشّرخ والأزمة، الإبادة الجماعية، المجاعة في غزة، والانهيار الأخلاقي في إسرائيل - كلها أحداث تتواصل وتشتدّ بينما نحن نُجري هذا الحوار. ولهذا، فإن الفن الذي يتعامل مع هذه الوقائع أثناء تشكّلها، يتنازل عمدًا عن ادّعاء الثبات، أو الدقة، أو امتلاك "منظور تاريخي". بل يتحوّل إلى شهادة متشنّجة، مرتجفة، تتغيّر معانيها أثناء ولادتها.هناك صور لا تستمدّ قوتها من رمزيتها الثابتة، بل من استمرارها المتحوّل - من كونها تسجّل تغيّرها الذاتي مع مرور الزمن.
الصورة الوحيدة التي تكرّرت في الجزأين من المشروع كانت صورة مجرّدة لنفق في منطقة القلب. لكن الحياة تحت الأرض في غزة -سواء لحماس أو للمخطوفين - ليست نفس الحياة. وربما تكمن القوّة، أحيانًا، في انقلاب دلالة الصورة ذاتها. في هذا السياق، أود أن أذكر سلسلة لوحات لفنانة أخرى، شابّة، كانت طالبة لديّ: طال حاغاي

Tal Hagi, Market in Rafah, 2024, oil on canvas, 120X80 cm

طال حاغاي، سوق في رفح، 2024، زيت على قماش، 120×80 سم
بإذن من الفنانة

منذ السابع من أكتوبر، وجّهت نظرتها إلى الحرب في غزة، وعالجت صورًا التقطتها من وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية - من صور لجنود إسرائيليين يرتدون ملابس نساء فلسطينيات، إلى لحظات كإعادة المخطوفين، وصور معاناة الفلسطينيين. لوحاتها خادعة -لأنها مشغولة ضمن تقاليد الرسم الكلاسيكي، تقاليد الجمال، المنظر الطبيعي، الطبيعة الصامتة، البورتريه، الرسم التاريخي. لكن خلف هذا الشكل، يتردّد التوتّر بين ميلنا لرؤية الرسم كفعل تأمّلي، جمالي، ثابت - وبين واقع يتغيّر باستمرار ويُزعزع حتى الصورة ذاتها.
اللوحات التي رسمتها في الأشهر الأولى من القصف - مشاهد تجارة الغذاء، قوافل اللاجئين، مبانٍ مدمّرة - تبدو اليوم وكأنّها نُفذت في زمن مضى، أقرب إلى النوستالجيا. رُبما لأن المدينة، مثل رفح، لا تزال قائمة -بالاسم فقط. هذا الطابع القديم يضفي على الرسم بعدًا تراجيديًا إضافيًا: يثير فيك رغبة جسدية تقريبًا بإيقاف الزمن هناك، في لحظة مرّت، كانت مرعبة دون شك، لكنها لا تزال أقلّ رعبًا مما جاء بعدها، ولا تزال تحوي، ولو من بعيد، إمكانية ما للترميم. بهذا المعنى، هناك بُعد شبه أدائي في خلق صور تبدو "ساكنة". ومع مرور الوقت، أزداد اقتناعًا بأن ما نراه عادةً "نقطة ضعف" - مثل غياب المسافة الكافية - قد يكون، في الواقع، نوعًا من القوّة، بل خصيصة ضرورية للحياة.
ومع استمرار الإبادة، والدمار، والجوع، والتحوّل المتسارع في واقع إسرائيل-فلسطين، ربما أبحث عن إمكانية إنتاج الجزء الثالث من "وشوم حرب غزة".

Roee Rosen, Burning IV, 2024

روعي روزين، IV احتراق، 2024.
بإذن من الفنان



Roee Rosen, Burning Book, 2024

روعي روزين، كتاب الاحتراق، 2024.
بإذن من الفنان