
(اقتصاد اللايك)- اقتصاد اعجابات الحرب والسلام
على الرغم من الغثيان الذي أثارته لديها فكرة اقتصاد الحرب، تكتب ميخال ب. رون من هذا المنظور عن معارض الصيف في برلين. فقد اقترحت معارض يوكو أونو وليجيا كلارك طريقتين متعاكستين للمشاركة في العمل الفني؛ إحداهما لا تختلف كثيرًا عن وضع علامة "إعجاب". فهل يمكن لعلامة الإعجاب أن تُنهي حربًا؟ أم أن "اللايك" يتغذّى عليها؟
بعد نشر العدد الذي حرّرته لمجلّة "توهو" تحت عنوان النسيان الجماعي يتيح لي اقتصاد النشر فرصةً لأفكّر من جديد. لأحسب من جديد. في قلب النسيان الجماعي، تتراكم الأرقام. ينبغي أن ننسى أكثر من سبعين ألف مرة. بالعربية. بالعبرية. بالتايلاندية...
كيف يمكن لنسيان بابل أن يكون مستدامًا؟
....
يرافق التفكير في اقتصاد الحرب، وفي الحساب الذي يفرضه على الأجسام والجثث، رائحة:
رائحة لحم محترق، ودم، ودخان، وغبار.
إن التفكير في اقتصاد الحرب يثير الغثيان، حتى حين أكتب عنه من مكان آمن - من اقتصاد البيت، من على طاولة المطبخ.
وهنا أتذكّر الكولاج الدادائي لهانا هوخ 1889-1978، مقطوع بسكين المطبخ الدادائي عبر ثقافة كرش البيرة الفايمارية الأخيرة في ألمانيا، 1919. في الزاوية العلوية اليمنى من العمل، يظهر قادة الدولة ووزراء الحرب بوصفهم "حركة مناهضة للدادا".
ترى شيرا فاكسمن في هذا الكولاج، وفي التدرّجات اللونية البقعية البنية-الرمادية لقصاصات الصحف، عفنًا يرفض أن يختفي رغم محاولات الكبت التاريخي. وكما هي طبيعة العفن، لا يمكن التخلّص منه أبدًا؛ أقصى ما يمكن فعله هو أن ينتشر.
وأتذكّر أيضًا طاولةً أخرى، في مقهى، في عملٍ لأوتو ديكس 1891-1969 بعنوان لاعبو السكّات (معاقو حرب يلعبون الورق) (1920). جنودٌ مزّينون بأوسمة الشجاعة على بزّاتهم العسكرية يجلسون مبتوري الأطراف، يراهنون على ما تبقّى لهم من حظ، ممسكين بأوراق اللعب بأسنانهم، بأصابع أقدامهم، أو بأطرافٍ اصطناعية. على أحد هذه الأطراف الاصطناعية، وقّع الفنان العبارة التالية: "الفكّ السفلي: صانع الطرف الاصطناعي - ديكس. أصليّ فقط مع صورة المخترع".
مطبخٌ آخر يظهر في عمل الفيديو للفنانة مارثا رسلر، سيميولوجيا المطبخ (1975)حيث تستعرض أدوات المطبخ بترتيبٍ أبجدي، وتُظهر طريقة استخدامها. كلمة "سكّين" تأتي بين "عصّارة" و"مغرفة" . تمسك رسلر مقبض السكّين بقبضتها، وتُؤدي ثلاث حركات طعن. ولا يسع المرء سوى أن يتخيّل في أيّ جسدٍ متخيَّل كانت تغرسه. في وقتٍ سابق، أدخلت رسلر الحرب إلى المطبخ من خلال فوتومونتاج بعنوان مطبخ الشريط الأحمر، من سلسلة House Beautiful: Bringing the War Home، 1967-1972. يرتكز العمل على صورة مطبخٍ مصمَّم مأخوذة من إحدى المجلات، غرست فيه الفنانة صورًا لجنود أمريكيين من حرب فيتنام، يقتحمون الحياة الأمريكية الرأسمالية "الجميلة". إعادة أمريكا إلى عظمتها؟
حدث لي أن رافق زيارةَ معرضٍ فني شعورٌ بالغثيان. كان ذلك في دوكومنتا 14، بإشراف القيّم آدم تشيمتشيك (Szymczyk)، تحت عنوان "التعلّم من أثينا" عام 2017، وهي تظاهرة كتبتُ عنها أيضًا في هذه المجلة. عبّرت المعرض عن اقتصاد الأجساد في الفن من خلال ممارسات متعدّدة: منها ممارسة العبور الجندري لدى بول ب. بريسيادو (Preciado)، الذي كان شريكًا في المشروع؛ ومنها ربط الحبّ الأورغازمي-الإباحي بالطبيعة في أعمال آني سبرينكل (Sprinkle) ، مواليد 1954، وبيث ستيفنز Stephens، مواليد 1960؛ وكذلك في رسومات الجسد لدى لورينتسا بوتنر (Böttner، 1959-1994)، التي، لكونها مبتورة الذراعين، كانت ترسم باستخدام قدميها وفمها.
كما أثارت لديّ الغثيانَ أيضًا الكتبُ التي جمعتها ماريا آيشهورن (Eichhorn، مواليد 1962) في إطار معهد روز فالاند (Rose Valland Institute) الذي أسّسته، والمكرَّس لتتبّع نسخٍ جرى الحصول عليها بشكل غير قانوني من مكتباتٍ كانت مملوكة ليهود؛ وكذلك الرفوفُ المخصَّصة للأدب المُصادَر في بارثينون الكتب لمارثا مينوخين (Minujín، مواليد 1943). ربما بسبب الغبار الذي يظهر هكذا في معجم جورج باتاي: "في هذه الأثناء، تغزو صفائحُ من غبارٍ كئيب على الدوام المساكنَ الأرضية وتدنّسها على نحوٍ متجانس؛ كأنّ الأمر إعدادُ علّياتٍ وغرفٍ قديمة تمهيدًا للاحتلال القريب للهواجس، والأرواح، والأشباح، التي يتغذّى ويُسكرها العطرُ المتعفّن لغبارٍ قديم"1. أفكّر في نشيد روعي روزين2 الترفيهي لمكنسة دايسون الكهربائية الكارهة للغرباء، "قناة الغبار" (2016)، الذي عُرض في تلك الدوكومنتا نفسها، فتتنامى الغثيان من جديد. تمامًا كما يمكن لرائحة كعكة المادلين أن توقظ ذكريات الطفولة. كان ذلك صيفًا، وكان الجو في كاسل حارًّا ورطبًا خانقًا، وكنتُ حينها حاملًا.
أبحث عن طريقة للتفكير والكتابة عن الجسد واقتصاد الحرب، مع السعي إلى تجنّب الارتهان لغثيانٍ وجودي. حين أكتب في مطبخٍ ما زالت جدرانه قائمة، في مبنى لا يقع في منطقة حرب، تصبح خطورة الحرب جمالية لا قاتلة3. وقد أتاحت معارض الصيف في برلين عام 2025 فرصةً جمالية من هذا النوع للتفكير في اقتصاد الجسد ضمن السياق الفني: التفكير في التوتر بين موقفين يتبنّيان المشاركة-بل والمشاركة التشاركية. أقصد بذلك معارض يوكو أونو (مواليد 1933) في غروبيوس باو، "السلام قوّة"، وفي نويه ناتسيونالغاليري، "نحلم معًا"، إلى جانب المعرض الاستعادي لليجيا كلارك (1920-1988) في نويه ناتسيونالغاليري. كلاهما اقترح طريقتين مختلفتين ومتعارضتين للمشاركة في العمل الفني. الأولى، كما سأجادل، تعمل ضمن اقتصاد الإعجابان : فالجمهور، المدعوّ إلى المشاركة في تنفيذ العمل، يترك فيه أثرًا دلاليًا يشهد بدوره على التراكم. وتحوّل كثرة المشاركات هذا التراكم إلى رأس مالٍ كمّي. أما لدى الثانية، فعلى النقيض، يغدو العمل الفني-الذي يشارك فيه الجمهور- زائدًا عن الحاجة، ويُسخَّر لأغراض علاجية.
أيُّ ممارسةٍ تملك القدرة على إحداث تغيير، ولا سيّما في زمن حرب؟
"انتهت الحرب! إذا أردتَ/أردتِ ذلك. عيد ميلاد مجيد من جون ويوكو"- هكذا أعلنَت يوكو أونو وجون لينون في إعلانات نشروها شتاء عام 1969 في صحفٍ كبرى مثل نيويورك تايمز. كان ذلك جزءًا من حملةٍ شملت أيضًا ملصقاتٍ عُلِّقت في ساحات المدن الكبرى، وأغنيةً لعيد الميلاد سُجِّلت للترويج لفكرة السلام. ومن أجل السلام، جلس يوكو وجون أيضًا أسبوعًا كاملًا في سرير شهر عسلهما في فندقٍ في أمستردام، في فيلم اعتصام سريري من أجل السلام Bed-In for Peace، 1969. أمّا الاعتصام السريري التالي في مونتريال، فقد وثّقاه في فيلم سلام-السرير Bed-Peace تلاعبًا لغويًا مع Bed Piece.
للصحفيين الذين دعوهم إلى غرفة الفندق، شرحا أنهما يسعيان إلى تسويق السلام بوصفه منتجًا، باستخدام حيلةٍ دعائية، تمامًا كما يُسوَّق الصابون. أرادا أن يُستساغ السلام لدى ربّات البيوت، وأن يفهمن أن السلام والحرب سلعتان متنافستان. قد يكون ذلك مُربكًا، إذ يمكن الاعتقاد أن "المنتج" الذي تبيعه الملصقات وإعلانات الصحف هو الأغنية، التي تصبح بدورها-مع Bed In for Peace حملةً لتسويق العلاقة العامة ليوكو وجون. وبالنسبة إلى قارئاتٍ وقرّاء تدور في بلدانهم حرب، قد تُستقبل العبارة: "انتهت الحرب! إذا أردتَ/أردتِ ذلك" بوصفها استفزازية أو فضائحية. لكن، في اقتصاد شبكات التواصل الاجتماعي، إذا "أراد" المستخدم/ة ذلك، يمكن ببساطة وضع علامة "إعجاب" على هذا الإعلان.
فهل يمكن لعلامة الإعجاب أن تُنهي حربًا؟ الانطباع المتراكم هو أن "اللايك" يتغذّى من الحرب، لا العكس.
كانت أعمال يوكو أونو المبكرة، قبل علاقتها العلنية مع جون لينون، الأكثر تأثيرًا في المعرض الاستعادي الذي عُرض في غروبيوس باو. وعلى النقيض من استخدامها اللاحق لهويتها بوصفها شخصية مشهورة، اتّسمت الأعمال المبكرة بطابعٍ مجهول الاسم، وإن كانت المشاركة في تنفيذها ممكنة منذ ذلك الحين. بوصفها موسيقية عملت كفنانة ضمن حركة الفلوكسوس، صاغت أونو تعليمات (Scores) لتنفيذ العمل الفني (Piece) على سبيل المثال، في Conversation Piece قطعة/عمل محادثة من صيف 1962، التي نُشرت في الكُتيّب Grapefruit4 (1964)، وهي ملائمة على نحوٍ خاص لقضايا الجسد التي يكرّس لها هذا العدد، كتبت:
CONVERSATION PIECE
Bandage any part of your body.
If people ask about it, make a story
and tell.
If people do not ask about it, draw
their attention to it and tell.
If people forget about it, remind
them of it and keep telling.
Do not talk about anything else.
1962 Summer
قطعة/عمل محادثة
لفّي عضوًا ما من جسدك.
إذا سألكِ أحد عن ذلك، اختلقي قصة واحكيها.
إذا لم يسألكِ أحد، الفتِي الانتباه إليه واحكي.
إذا نسي الناس الأمر، ذكّريهم وواصلي الحكي.
لا تتحدّثي عن أيّ شيء آخر.
صيف 1962
يكمن سحرُ تلك التعليمات التي تقترحها علينا أونو في أنّه لا يهمّ إطلاقًا ما إذا كنّا سننفّذها أم لا. فغرسُ الفكرة في مخيّلتنا كافٍ بحدّ ذاته.
أما Cut Piece قطعة/عمل القطع (1964)- العمل الريادي اللاحق، فقد كان أقلّ مجهوليّة، وبأثرٍ رجعيّ ترك حيّزًا أقلّ للخيال. جلست الفنانة على خشبة المسرح وبجانبها مقصّ. وكان لكلّ متفرّج الإذن بأن يقصّ جزءًا من قماش الثوب الذي ترتديه الفنانة. في توثيق أداء العمل في قاعة كارنيغي بنيويورك (1965)، يتّضح أنّ أحد الحاضرين ذهب بعيدًا في مشاركته، حين استخدم الإذن الممنوح له وقصّ للفنانة أيضًا شرائط حمالة الصدر. ظلّ ذلك المتفرّج مجهول الهويّة في مشاركته، في الوقت الذي تحوّل فيه العمل إلى تعبير أدائي للجمهور - بل أكثر من كونه تعبيرًا للفنانة نفسها، التي لم تكن معروفة آنذاك كما هي اليوم، وكانت تجلس في وضعٍ سلبيّ، بل ومذعور قليلًا للحظة، فيما كانت المقصّات والإذن في يد ذلك المشارك. تنقلب الأدوار. فلنقترح مصطلحًا: تعبيريّة الجمهور (Public Expressionism). هل كان هذا هو اللحظة التي أدركت فيها أونو قوّة الجمهور في تنفيذ الأعمال التي تقترحها عليه؟5
في العروض اللاحقة لعمل Cut Piece يصل كلٌّ من الفنانة والجمهور وهم أكثر استعدادًا ووعيًا بالحدث. ففي عام 2003، حين كانت أونو في السبعين من عمرها، أضافت تعليمًا ينزع إلى إغلاق الدائرة: إرسال قطعة القماش التي قصصتَها إلى شخصٍ محبوب.
وفي إطار المعرض الاستعادي في غروبيوس باو، أدّت العمل بيتشِز (Peaches، مواليد 1966)، وهي موسيقية كويرية معروفة في برلين، وذلك في مساء الافتتاح خلال Gallery Weekend. وقد أظهر الجمهور البرليني الذي اشترى جميع تذاكر الحدث خلال عشرين دقيقة من بدء البيع، خلال التسعين دقيقة المتاحة له قدرًا كبيرًا من الإبداع، سواء في أشكال القصّ أو في الإيماءات التي ابتكرها، إلى جانب الشخصية المشهورة الجالسة بهدوء على المسرح، مرتدية فستان مصمّم ورديًّا، وفي وضعية "حورية البحر الصغيرة". ومع هذه المشاركة ذات الطابع التعبيري، يمكن أن تتطوّر اقتصاديات السيلفي الخاصة بالجمهور6.
في ثلاثة أعمال إضافية، عادت أونو لتُجسّد ممارساتها بوصفها ناشطة سلام: "أضِف لونًا (قارب لاجئين)" (2016)، "شجرة الأمنيات" (1996)، طيور الكركي الورقية -وهو مشروع يُعيد تفعيل تعليماتها من عمل "طيّات الورق" (1963) : "اطوِ أجزاءً معيّنة من الورق واقرأ. اطوِ كُرْكِيّةً واقرأ". في "أضِف لونًا (قارب لاجئين)" تضع أونو قاربًا في فضاءٍ أبيض، وتوفّر لونين أزرق وأبيض للزوّار، الذين يُدعون إلى "التفكير في التهجير العالمي والأمل الجماعي، بما يحوّل العمل إلى منصّة للتجربة الإنسانية المشتركة"7.
لكن عمليًا امتلأ الفضاء بكتاباتٍ باللون الأزرق، تنافست فيها عبارة FREE PALESTINE مع BRING THEM HOME NOW، لتأتيها بدورها إجابة HOME AS IN EUROPE? IT’S PALESTINIAN LAND. ومع ازدياد امتلاء الغرفة باللون الأزرق، بدا واضحًا مدى انخراط الجمهور في دعوة أونو للمشاركة في العمل والتعبير عن مواقفه.
لكن يبقى السؤال: هل كان ذلك تجسيدًا لرؤية سلام، أم لتجربة إنسانية مشتركة، أم لتعاطفٍ ما؟
شكّل شجر الأمنيات منصّة إضافية للتعبير عن رغبات الجمهور. نصبت أونو أشجار زيتون، في إيماءةٍ قد تبدو للزائرة القادمة من الشرق الأوسط كليشيهية ومُحفِّزة للانفعال، ودعت الجمهور إلى كتابة أمنية على ورقة، تعليقها على الشجرة، ودعوة صديق/ة للقيام بالأمر نفسه. ابنتي ذات السبع سنوات رسمت حصانًا وعلّقت أمنيتها على الشجرة. ضيوف من إسرائيل زرتُ معهم المعرض حرصوا على التمنّي بعودة المختطفين. كانت الرسائل أقلّ علنيةً مما كُتب على قارب اللاجئين، وكان يُفترض أن تبقى كذلك، مثل قصاصات الأدعية في حائط البراق/حائط المبكى. كانت القصاصات كثيرة، وكذلك أشجار الزيتون: إحداها وُضعت في ساحة المدخل إلى نويه ناتسيونالغاليري، وأخرى ملأت أترِيوم غروبيوس باو.
هل ستُقرِّب أشجار الزيتون حمامةَ السلام؟
ومن الحمامة إلى الكُرْكِيّات: فقد ذكّرت بالتقليد الياباني الذي يقول إن طيّ ألف كُرْكِيّة يمكن أن يجلب الشفاء، وتحقيق الأمنية، والسلام العالمي. في آب/أغسطس 2014 دعت أونو الجمهور عبر شبكات التواصل الاجتماعي إلى طيّ الكُرْكِيّات قبيل يوم إحياء ذكرى إلقاء القنبلة الذرّية على هيروشيما. وفي نويه ناتسيونالغاليري وُضعت على طاولة أوراقٌ للطيّ وتعليمات. تراكمت الكُرْكِيّات مع الزوّار الذين شاركوا في تنفيذ التعليمات (من دون أن ينكسروا في منتصف الطريق أمام تحدّي الأوريغامي). وأين السلام؟
على كل ورقة طُبع النص YOKO ONO, DREAM TOGETHER. اسم الفنانة، واسم المعرض. وقد كشفت هذه التوقيعات آليةَ المشاركة التي تروّج لها أونو، بقدر ما كشفت ذلك السلام ذاته: الفضاء الذي ازرقّ مع قارب اللاجئين، وبستان أشجار الزيتون الذي امتلأ بالقصاصات، والطاولة المثقلة بالكُرْكِيّات-كلّها تدعو الجمهور إلى المشاركة في عمل أونو، التي تُؤطِّر المشاركة وتُنسبها إلى نفسها. وكلّما كثرت المشاركة كان ذلك أفضل: أونو موقِّعة على آلاف الكُرْكِيّات. إن مرئية العمل ومعناه يعتمدان على كثرة المشاركين.
ومن التعاون نصل إلى زرّ المشاركة: إلى المنطق الاقتصادي لـ"الإعجاب" و"المشاركة"، الذي يُقاس كمّيًا. وبينما يعزّز هذا المنطق مكانة المؤلِّفة ويُضخِّم صدا رسالتها، أعود لأتساءل:
هل تتخيّل أونو أن…
انتهت الحرب!
إذا أعجبك ذلك؟8
.

تعليمات لطيّ طيور الكركي الورقية، نشرتها يوكو أونو على منصّة X
5:42 مساءً، 5 آب 2014
بالتوازي، عُرض في نويه ناتسيونالغاليري أوّل معرضٍ استعادي في أوروبا للفنانة البرازيلية ليجيا كلارك. ثمّة نقاط تشابه عدّة بين أونو وكلارك: امرأتان، غريبتان، من الجنوب العالمي. كلتاهما هاجرتا أو عاشتا في المنفى في الغرب بعيدًا عن وطنٍ جريح-أونو من اليابان إلى نيويورك، وهي ما تزال تحمل ذاكرة صدمة هيروشيما وناغازاكي؛ وكلارك من البرازيل إلى باريس، عقب الانقلاب العسكري في بلادها. لكلتيهما أعمال رائدة في ستينيات القرن الماضي، وكلتاهما تدعوان الجمهور إلى المشاركة في فعل الفن. ومع ذلك، فإن ممارساتهما تقود إلى نتائج متعاكسة.
بدأت كلارك رسّامةً، وعضوًا في جماعة طوّرت مفهوم "الكونكريتية الجديدة" Neo-Concretismo التي سعت إلى ابتكار أعمال فنية تُعبّر عن التجربة الفينومينولوجية للمشاهد في الفضاء، متجاوزةً ثنائية الأبعاد للّوحة. وبعد تبنّي ممارساتٍ تجريدية لدى البنّائيين السوفييت وبيت موندريان، وصلت كلارك إلى نقطة تحوّل: إذ شرعت في إنتاج أجسام ثلاثية الأبعاد يمكن طيّها واستكشاف إمكاناتها المتعدّدة بأيدي المتلقّي. أطلقت عليها اسم "كائنات حيّة" (Bichos) بل ووجدت "كائنًا جيبيًا" أيضًا، جسمًا صغيرًا يصلح لوضعه في جيب البنطال.
تواصل كلارك استكشاف المواد وإحساسها في يد المتلقّي، الذي يتحوّل إلى مشارك - وهنا من المهم التمييز بين "المشارك" لدى كلارك و"المستخدم" في شبكات التواصل الاجتماعي9. فسلسلة من القفّازات المختلفة والكرات المتنوّعة، على سبيل المثال، تدعو المشارك إلى استكشاف طيف الإحساسات الممكنة. إن الضغط على كيسٍ بلاستيكي مملوء بالهواء، وُضعت عليه حجارة، يُحاكي التنفّس. كما تدعو أزياءٌ مركّبة المشاركين إلى ارتدائها واستكشاف أجساد بعضهم بعضًا من خلالها. لاحقًا، تطوّر كلارك ممارستها نحو أعمالٍ جماعية وإلى العلاج.
عن نقطة التحوّل هذه، كتبت كلارك في رسالة مؤرّخة في 26 تشرين الأول 1968 إلى زميلها هيليو أويتيتشيكا Oiticica، 19371980- الذي بقي في البرازيل:
منذ كاميناندو (المشي) (1963)، فقدَ الشيءُ أهميّته بالنسبة لي، وإذا كنتُ ما أزال أستخدمه، فذلك لكي يتحوّل إلى وسيطٍ للمشاركة10. كان المشي اللحظة التي غدا فيها العمل الفني زائدًا عن الحاجة. وهنا أيضًا، لتنفيذه والمشاركة فيه، نحتاج إلى مقصّ وقطعة ورق:
كاميناندو هو الاسم الذي أطلقته على مشروعي الأخير. ومنذ ذلك الحين، أسندتُ قيمةً مطلقة للفعل الكامن الذي يقوم به المشارك. يجمع كاميناندو جميع إمكانات الفعل: فهو يتيح الاختيار، واللا متوقّع، وتحويل الافتراضي إلى جهدٍ ملموس. يمكنكم إنجاز كاميناندو بأنفسكم: خذوا شريطًا من ورقٍ أبيض […] واقطعوه عرضيًا. ثم لفّوه وألصقوه بحيث تحصلون على شريط موبيوس. بعد ذلك خذوا مقصًّا، ضعوه في منتصف الشريط، واقطعوه طوليًا من دون توقّف. […] وإذا قُطع الشريط بهذه الطريقة، فإنه يصبح أضيق فأضيق، ويتمدد ويتشابك. وفي النهاية، يغدو المسار الذي قُطع هنا-رمزيًا-ضيّقًا إلى حدّ لا يمكن معه قصّه أضيق من ذلك.11
"انتبهي: خذي في الحسبان أنّ التعبير هو تعبيركِ أنتِ، وهو تعبيرُ فعلِ القصّ وحده. هذا هو الفعل". هكذا تكتب كلارك في التعليمات التي نشرتها عام 121965.
في مقابل المشاركة التعبيرية للجمهور لدى أونو، تبرز لدى كلارك مشاركة ذاتية مستقلّة بوصفها تعبيرًا. في مواجهة قصِّ ثوب الفنانة في Cut Piece، يكون القصّ في المشي هو الفعل بذاته. وفي نهاية فعل المشي، ينتج قصاصُ ورقٍ ملتفّ-لكن لا حاجة إليه في الواقع. لا ينبغي له أن يتراكم، لا بالعشرات ولا بالآلاف؛ لا حاجة إلى بقائه؛ فهو زائد عن الحاجة. لا يظهر عليه اسم الفنانة ولا اسم المشاركة.
لدى أونو المبكرة كان الأمر فكرةً تُزرَع في المخيّلة ولا تتطلّب تنفيذًا. لدى أونو المتأخرة يُطلب تنفيذٌ جماعيّ متعدّد المشاركين، يُشهد أيضًا على كثرتهم. أمّا لدى كلارك المتأخرة، فإنّ التنفيذ في جسد المشاركة يشبه السلّم في "التراكتاتوس المنطقي-الفلسفي" لفيتغنشتاين - سلّمًا يمكن التخلّي عنه بعد إتمام الصعود، أو في هذه الحالة، بعد إتمام المشي.
في الأخذ والردّ حول جسد العمل الفني وجسد المتلقّية-المشاركة، يمكننا أن نتساءل: هل ينبغي للجسد أن يشارك علنًا، في فضاء الفن المؤسسي، وفي الواقع الافتراضي لشبكات التواصل الاجتماعي، كما تقترح أونو؟ ي مقابلها، تتيح كلارك انكفاءً فرديًا للجسد، يمكن قراءته بوصفه موقفًا جماليًا-سياسيًا للمقاومة. وتطرح فعلُ التظاهر إمكانيةً ثالثة، تُحصى بالأجساد: في برلين، في حيفا، في ميانمار. التظاهرُ اللاعنفي الذي أدّاه أونو ولينون بمشاركين اثنين في سرير شهر العسل داخل غرفة الفندق، في مقابل مضاعفة أعداد المتظاهرين، الذين يُقمعون بقوة نظامٍ عسكري، كما يظهر في توثيق الفنانة البورمية تشاو آي ثاين، (مواليد 1969)، عبر شخصياتٍ لينة مصنوعة من القماش في شارع الفنانين-عملها Passing the Fugitive On الذي عُرض في بينالي برلين، صيف 2025.
ومن بين ما عرضته ثاين أيضًا "زفاف احتجاجي"، حيث تمسك أزواجٌ مصنوعة من القماش بلافتاتٍ قماشية مطرّزة برسائل مثل: "تزوّج/ي شخصًا يكره الانقلاب العسكري". إنّه فعلٌ يجمع بين الخاصّ والسياسي، بين اقتران الأجساد لتشكيل كيانٍ اقتصادي واحد عبر الزواج، ووقوف تلك الأزواج مع آخرين في فعلٍ جماعيّ للمقاومة13.
وفي زمن الحرب: هل نخرج بأجسادنا إلى الشوارع وإلى المتاحف لنُظهر موقفنا؟ ضدّ الحرب؟ مع السلام؟ هل نتّخذ طرفًا؟
أم نأخذ ورقةً ومقصًّا، ونخرج إلى المشي-كلُّ مشاركٍ ومشاركة، بجسدها أو بجسده، أينما كان: في المعرض، في المطبخ، في المنفى، في الوطن، كما تقترح كلارك؟ أم لعلّنا نتخيّل، معًا، سلامًا، بأجسادنا، على جسد أونو؟ في أيّ اقتصاد ستشاركين/تشارك؟
- 1. Georges Bataille et al. Encyclopedia Acephalica, Robert Label and Isabelle Waldberg, eds., Iain White, trans. (Atlas Press, London, 1995), 43.
- 2. نُشِرَتْ أيضًا في العدد الحالي من مجلة "توهـو" مقابلةٌ لريم غنايم مع روعي روزين.
- 3. في المقابل، أفكّر في كتاب ذاكرة للنسيان لمحمود درويش، ترجمة سلمان مصالحة (دار شوكين، 1989).
- 4. يوكو أونو، قطعة/عمل محادثة Conversation Piece، من كتاب Grapefruit، دار نشر Wunternaum Press، اليابان، 1964.
- 5. يجدر التنويه إلى أنّه في تعليمات العمل التي نشرتها يوكو أونو في كتاب Grapefruit، تَرِدُ أيضًا "نسخة ثانية موجّهة للجمهور: وفق الإعلان، يُسمَح لأفراد الجمهور بقصّ ملابس الآخرين. ويمكن للجمهور أن يواصل القصّ كما يشاء".
- 6. وقد قدّمت هذه التجربة صورة غير مُجامِلة للجمهور في برلين، وذلك بحسب نقد يوهانا أدورْيان المعنون "الفجوة بين البراءة والغباء"، المنشور في صحيفة زوددويتشه تسايتونغ (4 أيار 2025).
- 7. وهكذا لخّصت غوغل، عبر الذكاء الاصطناعي التابع لها، فكرةَ العمل الفني
- 8. ألعابُ السكّات عند أوتو ديكس لا تُحبّ نهايةَ الحرب. إنهم بالكاد يُمسكون بالأوراق، وكانوا سيعجزون عن طيّ طيورٍ ورقية.
- 9. ومن مفهوم الـ"بروسومر"، أي المنتج-المستهلك (Producer–Consumer)، وهو المصطلح الذي صاغه ألفين توفلر في ثمانينيات القرن الماضي، والذي تشير إليه ماري فرانس رافاييل في كتابها Passing Images: Art in Postdigital Times، الصادر عن Floating Opera Press عام 2022.
- 10. نُشرت الرسائل عند:Clair Bishop, Participation, The MIT Press, 2006.
- 11. مقتطف من نصّ معرض ليجيا كلارك، استعادية، في المعرض الوطني الجديد (نويه ناتسيونالغاليري)، برلين، 2025.
- 12. ليجيا كلارك، "المشي - افعليه بنفسك"، تعليمات نُشرت في Signals 1.7 (1965)، ص. 7.
- 13. في إطار ندوة بعنوان "الفن، الحقوق، والقوانين" عُقِدت في صيف 2025 في أكاديمية الفنون في لايبزيغ، صاغ آدم هرفوخ مفهومَي "الصمود الإبداعي" (Creative Resilience) و"التحرّر الإبداعي المُتجسِّد في الجسد (Embodied Creative Liberation)" اللذين استخدمهما لتحليل ممارسات كلٍّ من تانيا بروغيرا (مواليد 1968)، وريغينا خوسيه غاليندو (مواليد 1974)، ووفاء بلال (مواليد 1966). يبحث هرفوخ في قوّة التظاهر ضمن السياق الألماني بوصفه فعلًا يجمع بين الحضور في الفضاء العام وتكاثُر الأجساد.










