الكتاب بوصفه ساحة السّوق

كيف يفترض بمؤسسات فنية أن ترد أمام المناخ السياسي السائد اليوم؟ ميخال ب. رون تستعرض الكتاب الصادر مؤخرا من تحرير Paper Monument وفيه يقترح خبراء من عالم الفن أجوبتهم على ست أسئلة ملتهبة.  

As radical, as mother, as salad, as shelter: What should art institutions do now? Edited by Paper Monument, New York, 2018.

"في ضوء التحولات السياسية السائدة في أرجاء العالم اليوم، هل شعرت بتغيّر في موقف المؤسسة الفنية بشأن النشاط السياسي؟" كان هذا هو السؤال الأول من بين ستة أسئلة تضمنتها الاستمارة التي أمامي. حين قرأتها تساءلت: أي نشاط سياسي تقصد مما أراه، بصورة كتاب غلافه بني اللون، بعنوانه المبهم الجذاب والآسر الذي طُبع عليه بحروف بيضاء: "كراديكالي، كأم، كسلطة، كملجأ: ماذا يفترض بمؤسسات الفن أن تفعل الان؟"


Paper Monument book cover from web.jpg

 غلاف كتاب As radical, as mother, as salad, as shelter: What should art institutions do now? تحرير  New York, 2018 ,Paper Monument
غلاف كتاب As radical, as mother, as salad, as shelter: What should art institutions do now?
تحرير New York, 2018 ,Paper Monument


لقد بدا لي الأمر لأول وهلة أن أقرب الى جدل أمريكي داخلي. المشاركون: مختصون من عالم الفن، مربون وقيّمون، ممثلون لمؤسسات فنية كبيرة ولمبادرات مستقلة صغيرة من جميع أنحاء الولايات المتحدة. المحررون: الجمعية ذات الاسم المبهم من بروكلين Paper Monuments التي تخبرنا النبذة أن أعضائها هم دوشكو بيتروفيتش (Petrovich) وروجر وايت (White) وكذلك فرم كريشنمورتي (Krishnamurthy) كمحرر مشارك.

النص: استمارة أسئلة حول المواقف الناشطة والسياسية لمؤسسات فنية، والردود المعمقة للمحاوَرين المذكورين أعلاه – وكلاء ثقافة تحرّكهم أهداف وملتزمين بتوفير بديل للشعبوية الشوفينية، الذكورية، العنصرية عديمة المسئولية المجتمعية والبيئية والتي تنطوي على العنف، ومَن يشكّل وصول ترامب رئيسا بوقا لها.

تساءلتُ، إذًا ماذا لدينا هنا؟ أقصد، هل كتاب "سيلفي" منصّة يمكن أن تُعرض عليها حساسيات نقدية؟ حائط مبكى يمكن من التعبير عن احباطات؟ أم عرض لامع للتحليل الاستعراضي الحذر والذكي للأزمة؟ (اسمحوا لي باقتراح مصطلح جديد: أزمنة أزموية – فترتنا كثيرة الأزمات، وكذلك أزمة النقد). أليست هذه هي الطريقة التي وصل فيها اليسار – الذي ينسب معظم أهل الفن أنفسهم إليه – إلى ما وصلنا إليه؟ وأقصد بما وصلنا إليه: حالة الإحباط، الأزمة وانعدام المعنى. الكثير من التفحص الذاتي والقليل من الفعل الدافع للأمام. (الأمام! فكروا للأمام! افعلوا وانشطوا للأمام ليس للخلف! أفكر هنا بـ"ملاك التاريخ" لدى وولتر بنيامين، الذي "يدير وجهه للماضي"، في حين تقوم العاصفة "بدفعه إلى المستقبل الذي يدير ظهره له". هل هذا ملاك يساري أم أن جميع اليساريين ملائكة؟). يسار يفضل النشاط العام؟ كيف يفترض أن نقرأ هذه الوثيقة - التي تدور حول مشاكل أمريكية - في أوروبا، أو في سياقات أخرى في مواقع لديها مشاكل أخرى؟

تتميز المؤسسات الأمريكية بقلة تمثيلها الأشخاص غير البيض وبإهمالهم كجمهور. هل نملك مخاوف مختلفة؟ في ألمانيا، المصطلح "جاء من خلفية هجرة" هو ما يشير إلى "الآخر" في المجتمع. إنه يتكتم على ما فيه من شرعنة للتمييز ضد مجموعات سكانية: "الآخرون" هم مهاجرون من الجيل الأول، الثاني، الثالث، وبالتالي، على سبيل الافتراض، لا ينتمون حقا إلى الأمة. في إسرائيل يتطرق خطاب التمييز إلى الهيمنة الممأسسة على مجموعات مقموعة، سواء كانت مهاجرين من أصول ثقافية غير أوروبية من جهة، أو المجموعة السكانية الفلسطينية الأصلانية، في الجهة القصوى. تستغل السلطة السياسية اليمينية هذا الخطاب بشكل خطير من أجل ملاحقة مؤسسات ثقافية. جهاز الدعاية القومجية يهشم كل انتاج سياسي ونقدي، من خلال استخدام نزع الشرعية ومنع التمويل كتهديدات هي الأكثر شدة وفاعلية.

أتساءل لماذا اختيار صيغة كتاب؟ هل هذا نصب تذكاري لتخليد اليسار الذي كان مرة يعرف كيف يتخيل المستقبل؟ اسم دار النشر التي حررت الكتاب ، الذي يمكن ترجمته إلى "نصب ورقي (Paper Monument) يرمز لهذا بالتأكيد. إذا كان بحثهم يتركز بالحاضر، ألم يكن بوسع مجلة أن تصل إلى مجموعة قراء أوسع من صيغة كتاب؟ ألم يكن بوسع منصة على الانترنت أن تكون بمتناول عدد أكبر مقارنة بنشرة مطبوعة؟

هنا تشدني إحدى الإجابات للداخل، تدعوني للدخول إلى قلب الجدل، كقارئة خارجية. ليس غريبا أن يكون من شدّ انتباهي شاعرا: "حتى صالون البيت بوسعه أن يكون حيزا عاما" (20)، يكتب كن تشين (Chen) مدير ورشة الكتاب الأسيويين الأمريكيين الذي ترك المؤسسة منذ صدور الكتاب بعد 11 سنة من إدارتها.1 وهو يخرج في نصه إلى ما يشبه جولة حرة بطائرة، تتجاهل بنية الأسئلة والأجوبة في الاستمارة حيث يدّعي أن "الإبداع مسألة اجتماعية" (24) – تشخيص تحرري ينقذ العمل الثقافي من أيدي مباني القوة المؤسسية ويعيده إلى أيدي ومسامع الناس وإلى وعيهم وإلى مقاييسهم. "الحياة تجري حين لا تقوم بإطلاق تصريحات. الحياة تجري حين تكون مع أشخاص أخرين والأمر نفسه فرص جمالية وسياسة جديدة لك"، يقول تشين (31). وبالفعل، فإن قوة هذا الكتاب "كنصب ورقي" تتمثل في الإمكانية التي يعرضها على الناس للالتقاء بين دفتيه، بين حجارته وجدرانه من أجل العثور على رفاق درب بين كلماته المطبوعة.

 

 

AAWWTV: Unreal News with Jennifer Hayashida, John Yau, & Ken Chen

AAWWTV: أخبار "مش عنجد" مع جنيفر هياشيدا ، جون ياو وكن تشن

 

""كيف يمكن لمؤسسة فن أن تتحسن؟" هذا نص السؤال الأخير. "علينا الخروج من سباق الجري خلف البنى، المجموعات، الأداء الاستعراضي، الإعلانات واليافطات الكبرى... جميع عوارض المنظومة الذكورية المدفوعة بالأنانية، التي تقبض علينا من حناجرنا"، تطالبنا راجين باشا (Basha)، قيّمة مستقلة ومسؤولة عن برامج الإقامة الفنية في Pioneer Works. "بدلا من هذا تعالوا نتنافس على أن نكون الأكثر سخاء نحو الفنانين والأهداف التي تؤثر على مجتمع مفتوح" (6) "هل يمكن لمؤسسة فنية أن تتحول من محور نقد إلى موقع للتنظم؟ وكيف يمكن القيام بذلك؟" دينا بيرد (Beard) مديرة مختبر (The Lab) في سان فرانسيسكو ترد بشكل لاسع: "حين أصغي، يمكنني أيضا أن أعرقل مسار عجلات الرأسمالية. ليس بواسطة "النقد" الذي يشكل في نهاية المطاف استخداما للغة من أجل الدفاع عن حوزة ضبابية لما يشبه الديمقراطية، بل يمكنني أن أنتج مشاكل للسلطة بشكل فعال" (10).

وهناك أفكار آسرة يمكنني أن أعود إليها لغرض نشرها. "يجب على المؤسسات أن تعرض منشآتها القائمة من أجل الدفاع عمن يتعرضون للأذى" (38) ، يكتب أنطوني المس (Elms) ، القيّم الرئيسي لمركز الفن المعاصر في فيلاديلفيا ICA ، ويكرر كتاب اخرون هذا المطلب الحساس. إنهم يعترفون أيضا بأن منشآت خدمات نظيفة ومجانية هي خدمة عامة مهمة توفرها المؤسسات وهي حقيقة تتكرر في عدد من تقارير الكتاب. إن عنوان الكتاب القوي نابع من إجابة القيّمة الفنية البصرية في مركز الفن المعاصر في بورتلاند كريستين كينيدي (Kennedy) على السؤال "أية وظائف إضافية يجب على مؤسسة الفن القيام بها؟" فترد كينيدي بمنتهى الطاقة:

"المؤسسة كراديكالية، المؤسسة كأم، المؤسسة كسلطة، المؤسسة كملجأ، المؤسسة كمشفى، المؤسسة كاعتراف بأراضٍ منهوبة، المؤسسة كسياسة عامة، المؤسسة كحضانة، المؤسسة كنافورة، المؤسسة كحياة ليل، المؤسسة كحليف. المؤسسة كحيوان أليف، المؤسسة كمطبخ، المؤسسة كشريك مؤامرة، المؤسسة كتعويضات، المؤسسة كمناهض للكولونيالية، المؤسسة كمقوضة لبنى مهيمنة. المؤسسة كـ لا-مؤسسة". (63)

يذكرنا كريس رايتس (Reitz) مدير الجاليري ومحاضر لدراسات القوامة والنقد في جامعة لويفيل، بجوهر المعرض خلال إجابته على السؤال: "لقد أبرزت مؤخرا الخلافات بشأن الخيارات القوامية الأشكال المختلفة التي تتخيل فيها المؤسسات جمهورها. وفقا لتجربتك، هل تتغير هذه السيرورة؟ وكيف يجب علينا أن نتقدم؟" يميز رايتس القوة والمسؤولية للخبراء أمام الشعبوية ويكتب: "يجب على المعارض أن تكون صعبة، يجب أن يقوم انتاجها على بحث جدي وكذلك يجب أن تطالب ببذل جهد جدي ومتواصل من جمهور المشاهدين [...] التحليل الأساسي والتوجه التاريخي هما الالتزامان الأساسيان لدينا وهما أداة فائقة القوة". (88)

 

The Art Newspaper Podcasts – هل يفترض بالمتاحف بيع أعمال فنية؟ وأيضا، النشاط السياسي في متحف ويتني

 

ردا على السؤال "أية مؤسسات، قيمون وجماهير أخرى تراهم مثالا في سيرورة بلورة موقف مؤسستك؟" يشير مدير ومؤسس Fundación 4-18 نيكولاس رودريجز ميلو (Rodríguez Melo) إلى متحف بولتيمور للفنون الذي "أعلن عن سياسته الجديدة لبيع أعمال فنانين مكرّسين وفنانين نموذجيين من الماضي من أجل إقامة صندوق لاقتناء أعمال فنانين أمريكيين سود محليين أو في مطلع طريقهم" (91). هذه السياسة تسمى قلب الاقتناء deaccession. هذا مبدأ بسيط وشديد المنطقية ويقلب سلم الأولويات رأسا على عقب. ليس بعد الحفاظ على القديم والمعروف للأبد، وإنما استخدام أعمال نموذجية كبرى كممتلكات تتيح التغيير والاستبدال، مثل الأوراق القوية في لعبة بوكِر ثقافة. في الحالة المتطرفة معنى الانتصار في اللعبة سيكون أن يفقد القديم والمعروف من قيمته ولا يعود له شرّاء، ما عدا ربما الأثرياء وغير المتابعين لما يحدث (في الدول النامية؟). هل هذا تحقق لنبوءة ماركس؟

إلى أن نصل هذه اللحظة يعرض هذا الكتاب الصغير والملهم مانيفيست جماعياً عظيم القوة. الان يمكن للقارئ أن يتحول إلى محاور، وأن يوسع هذه المبادرة إلى مقاييس كونية. فكيف سيرد زملاؤك في أرجاء العالم على أسئلته؟

 

  • 1. ملاحظة المحررة: وظائف من تمت محاورتهم هنا، ملائمة لفترة صدور الكتاب