رائدة سعادة تتحدّى الماسترز

في سلسلة الصّور الموسومة ب "الماسترز" تتحدى الفنانة الفلسطينيّة رائدة سعادة أربع لوحات غربية شهيرة. في هذه المقالة تكتب الباحثة عايدة نصر الله عن أعمال واحدة من أكثر الفنانات الفلسطينيات إثارة للاهتمام، حيث تحدد الطريقة التي تفسح بها سعادة مساحة لنفسها كفنانة وكامرأة فلسطينية للتعبير عن احتجاجاتها السياسية.

 في سنة 2007 اتجهت رائدة سعادة لنوع فن مختلف، وبدلا من الصور الشخصية التجريبية التي كانت قد بدأت فيها لاكتشاف لغة الوجه وما قد يمنحها من معرفة نفسها كفنانة ، بدأت في سلسلة رسومات لفنانين اعتبروا "ماسترز" في الفن الغربي . قامت الفنانة في وضع نفسها ممثلة الحركة للصور المرسومة من قبل الفنانين الغربيين إلا أنها موضعت نفسها على خلفية مكان فلسطيني، وقد كانت هي المخرجة لأعمالها والموجهة لكيفية تصوير نفسها. هدفت سعادة من وراء عملية إعادة العمل من جديد أولا وضع نفسها كفنانة تحل محل تلك النماذج المرسومة من منظور ذكوري . ثانيا: إثارة الأسئلة بشأن تلك الرسومات التي اجبرت المشاهد أن يرى امرأة حقيقية وليست صورًا مزيفة أو متخيلة كما ظهرت في الرسومات الأصلية. من أجل ذلك اختارت سعادة بدقة الملابس أجل تصوير نفسها بملابس مشابهة لتلك الموجودة في الرسومات الأصلية. ثالثا استعملت الفنانة أماكن فلسطينية وأغراضًا فلسطينية كخلفية لصورها من أجل أثارة وعي المشاهد للبيئة التي تسكنها الشخصية وإثارة موضوع القضية الفلسطينية من خلال الأماكن المهجرة التي شكلت الخلفية لتلك الصور، وتذكير المشاهد بأولئك الذين سُلب حقهم قسرا، وهذا يبرز في هذه العمل الأعمال أكثر من أعمالها الأولى، لهذا أسست لنفسها فضاء كفنانة وكامرأة تُعرّف نفسها من خلال أعمالها، وكامرأة فلسطينية تحتج سياسيا بصوتها.

 

ןדימוי ראידה.jpg

رائدة سعادة، من سيجعلني حقيقة ؟، 120 * 92 سم، طباعة نافثة للحبر على ورق. البرلمان الأوروبي، بروكسل، بلجيكا ، 2007، بلُطف الفنانة
رائدة سعادة، من سيجعلني حقيقة ؟، 120 * 92 سم، طباعة نافثة للحبر على ورق. البرلمان الأوروبي، بروكسل، بلجيكا ، 2007، بلُطف الفنانة

 

رائدة سعادة: من يجعلني حقيقية

ضمن سلسلة أعمال "الماسترز" كان أول أعمالها "من سجعلني حقيقية" وهو مستمد من رسم الفنان تيتيان بعنوان "فينوس من اوربينو" Venus of Urbino (1538) بعد تنفيذ هذا العمل شعرت سعادة بأنها تستطيع الادعاء " أستطيع ان أكون ماستر ايضا"1  ومن أجل ذلك، وظفت ثلاث لوحات بورتريهات من ثلاث فترات تاريخية مختلفة. البورتريه الأول وهو الموناليزا استنادًا إلى الموناليزا ليوناردو دافنشي Da Vinci's Mona Lisa (1513)، ديانا (2007) Diana  استنادًا إلى لوحة جان مارك ناتير Nattier's Diana2 ماري أديلايد دي فرانس باسم ديانا (1745) ولوحة بائعة الحليب للفنان فيرمير Vermeer's La Lechea -The Milkmaid (1658)) كانت المهمة التي حددتها سعادة لنفسها هي الإجابة من خلال أعمالها على السؤال الذي تطرحه ليندا نوخلن Linda Nochlin وآخرون:

"لماذا لم يكن هناك فنانات عظيمات؟"3 كانت على هذا السؤال تجيب الناقدة جريسيلدا بولوك ساخرة عندما قدمت الإجابة الشائعة: "لأنهن (النساء) لم يمتلكن كتلة صلبة المولودة من العبقرية (القضيب) والذي هو الملك الطبيعي للرجال "4

لقد أخذت سعادة على عاتقها مهمة إثبات أن المرأة تستطيع أن تكون "ماستر" حتى لو لم تملك عضوًا ذكريا، وذلك إذا توقفت عن ان تكون مجرد "شيء" كما ظهر في رسومات الرجال، وأن تكون الماستر في أعمالها الخاصة والذات المسؤولة عن تلك الأعمال، أي بلغة الفن تتحول الى الموضوع والذات الفاعلة. وتم لها هذا عندما أحضرت أعمالا فنية من الماضي للحاضر وموضعتها في بيئتها، وهكذا تقدم سعادة دليلاً على إبداع المرأة وقدرتها على التحكم في فنها بدلاً من مجرد تصويرها في فن الآخرين.

إن أول أعمال سعادة في سلسلة "الماسترز" اعتمد على رسم تيتيان بعنوان "فينوس من أوربينو" (Venus of Urbino (1538)).وقد تأثر تيتيان نفسه من رسم جورجيوني بعنوان "فينوس النائمة" (1510) Sleeping Venus، والتي تعتبر أول رسم لعارية مضطجعة في تاريخ الفن الأوروبي. في رسم جوجيوني تبدو المرأة مضطجعة كإلهة هادئة وسكوتة على خلفية بانورامية، وتبدو الشخصية غير واعية بأن هناك من يتلصص عليها، فهي تمثل النموذج للطريقة التي كانت بها الألهات يُعرضنَ مضطجعات بسلام، تضطجع على فراش او على الأرض نائمة أو حالمة تماما، وعادة مثل هذه النماذج كان يرافقها كيوبيد او خادمة".5

في لوحة تيتيان نرى الشخصية مختلفة تماما، فهي مضطجعة على فراش في غرفة في قصر غني. وتدعم رأسها وكتفيها مخدتان بيضاويان من الساتان، والأهم ، بأن "فينوس من اوربينو" تخلو من أي موتيف خاص بالإلاهات والتي من المفروض ان تشير لألهة فيما عدا باقة الورد الأحمر التي تمسكه بيدها. وهو علامة لفينوس، لكن فينوس في رسم تيتيان ظهرت بشكل شهواني متعمد إذ أن حركتها وتعابير وجهها مصممة لتشير إلى جمالها "اللحمي".


640px-Titian_Venus_of_Urbino.jpg

تيتيان، فينوس أوربينو، زيت على قماش ، 119 * 165 سم. أوفيزي، فلورنسا 1538، ملكيّة عامّة.
تيتيان، فينوس أوربينو، زيت على قماش ، 119 * 165 سم. أوفيزي، فلورنسا 1538، ملكيّة عامّة

Giorgione_-_Sleeping_Venus_-_Google_Art_Project_2.jpg

جورجونيه، فينوس النائمة، زيت على قماش، 108.5 * 175 سم. Gemaldegalerie Alte Meister، درسدن، حوالي 1510، ملكيّة عامّة
جورجونيه، فينوس النائمة، زيت على قماش، 108.5 * 175 سم. Gemaldegalerie Alte Meister، درسدن، حوالي 1510، ملكيّة عامّة
 


تنظر "فينوس من أوربينو" تيتيان بشكل مباشر الى المشاهد وهي مدركة تماما لتحديق المشاهد.

في صورة الفنانة سعادة "من يجعلني حقيقية"؟ تتبنى الفنانة نفس حركة الاضطجاع النموذجية لفينوس تيتيان، إلا انها توظف السجادة المخططة بالألوان وهي سجادة مأخوذة من البيئة الفلسطينية ، وهذا يختلف عن الفراش الأبيض المصنوع من الساتان التي تضطجع عليها "فينوس من اوربينو". تضع سعادة نفسها في بيئة فلسطينية. تمتد السجادة المخططة حتى نهاية اللوحة مما يمنح قوة للجسد المضطجع ،ويمنح السجادة أهمية وحضورا كبيرا وهكذا تختلف عن شخصية فينوس لتيتيان الذي يضع فينوس في المقدمة. من ناحية حركة الجسد هناك تشابه، تضع رائدة كتفها الأيمن على مخدات واحدة بيضاء ومن تحتها مخدة مغطاة بقماش مزين بورود بسيطة. حركة الرأس تختلف عن تيتيان إذ ترفع سعادة رأسها قليلا عن المخدات، بحيث لا تؤكد الجانب المغري والشهوي كما يظهر في رسم تيتيان. وبعكس فينوس تيتيان فإن سعادة تضع نفسها في غرفة بسيطة. مغلقة الخلفية باللون الأسود. وهكذا الغت الفنانة العمق الموجود في رسم تيتيان وكل ما يمت بصلة من أغراض او شخصيات أخرى عند تيتيان .

تستخدم سعادة السجادة ليس فقط للإشارة إلى أصولها الفلسطينية، ، وإنما أيضًا لمواجهة فكرة الفن على أنه يتم إبداعه فقط من قبل الرجال الذين يُصنفون ب "بالماسترز-العظماء"، في حين أن عمل النساء مثل صناعة السجاد، خياطة اللحف، والتطريز، عبارة عن حرف تقليدية وليس فنا. تتحدى سعادة في نفس الوقت مفهوم "العمل اليدوي" باعتباره فنًا متدنيًا، وتتحدى فكرة "الفن السامي" والتي مثلتها فينوس تيتيان بمفهوم تاريخ الفن. في صورة سعادة، تحمل السجادة قوة تجعلها شكلاً من أشكال الفن. كما سبق وأوضحت، من خلال هيمنتها وإدراجها في اللوحة المصورة، إن سعادة تتحكم في شكل الصورة وهي الشخصية الموجودة في الصورة، وفلسطينية الهوية.

 

1200px-Edouard_Manet_-_Olympia_-_Google_Art_ProjectFXD.jpg

ادوارد مانيه، أولمبيا، زيت على قماش، 130.5 * 190 سم. متحف دورسيه ، باريس، 1863، ملكيّة عامّة
Edward Manet, Olympia, oil on canvas, 130.5*190 cm. Musee d'Orsay, Paris, 1863. Public domain

 

تنظر "فينوس من أوربينو" تيتيان بشكل مباشر الى المشاهد وهي مدركة تماما لتحديق المشاهد.

في صورة الفنانة سعادة "من يجعلني حقيقية"؟ تتبنى الفنانة نفس حركة الاضطجاع النموذجية لفينوس تيتيان، إلا انها توظف السجادة المخططة بالألوان وهي سجادة مأخوذة من البيئة الفلسطينية ، وهذا يختلف عن الفراش الأبيض المصنوع من الساتان التي تضطجع عليها "فينوس من اوربينو". تضع سعادة نفسها في بيئة فلسطينية. تمتد السجادة المخططة حتى نهاية اللوحة مما يمنح قوة للجسد المضطجع ،ويمنح السجادة أهمية وحضورا كبيرا وهكذا تختلف عن شخصية فينوس لتيتيان الذي يضع فينوس في المقدمة. من ناحية حركة الجسد هناك تشابه، تضع رائدة كتفها الأيمن على مخدات واحدة بيضاء ومن تحتها مخدة مغطاة بقماش مزين بورود بسيطة. حركة الرأس تختلف عن تيتيان إذ ترفع سعادة رأسها قليلا عن المخدات، بحيث لا تؤكد الجانب المغري والشهوي كما يظهر في رسم تيتيان. وبعكس فينوس تيتيان فإن سعادة تضع نفسها في غرفة بسيطة. مغلقة الخلفية باللون الأسود. وهكذا الغت الفنانة العمق الموجود في رسم تيتيان وكل ما يمت بصلة من أغراض او شخصيات أخرى عند تيتيان .

تستخدم سعادة السجادة ليس فقط للإشارة إلى أصولها الفلسطينية، ، وإنما أيضًا لمواجهة فكرة الفن على أنه يتم إبداعه فقط من قبل الرجال الذين يُصنفون ب "بالماسترز-العظماء"، في حين أن عمل النساء مثل صناعة السجاد، خياطة اللحف، والتطريز، عبارة عن حرف تقليدية وليس فنا. تتحدى سعادة في نفس الوقت مفهوم "العمل اليدوي" باعتباره فنًا متدنيًا، وتتحدى فكرة "الفن السامي" والتي مثلتها فينوس تيتيان بمفهوم تاريخ الفن. في صورة سعادة، تحمل السجادة قوة تجعلها شكلاً من أشكال الفن. كما سبق وأوضحت، من خلال هيمنتها وإدراجها في اللوحة المصورة، إن سعادة تتحكم في شكل الصورة وهي الشخصية الموجودة في الصورة، وفلسطينية الهوية.

من خلال التأكيد على الحرف اليدوية للمرأة الفلسطينية، جنبًا إلى جنب مع الشخصية المستوحاة من فينوس تيتيان، تقدم سعادة إحالة فلسطينية محلية. تقول: "أنا أجلس في غرفة محلية مزينة بأثاث فلسطيني، وبهذا فأنا أصبغ على عملي سمات من مجتمعي وعالمي ".6

إن تصريح سعادة يرتبط باعتقاد فولتر بنجامين، إذ يدعي:

إن تفرد أي عمل فني لا ينفصل عن كونه مدمجا تشكيل التراث. هذا التراث نفسه هو بالأساس حي وكذلك متغير بشكل متطرف. فقد يكون تمثال أو نصب لفينوس مثلا يأتي في سياقات مختلفة عن سياقها الإغريقي الذي حولها كشيء تبجيلي عالي القيمة، عن نظرة الرهبان في القرون لوسطى الذين رأوا فيها فال شر كإله كلا النموذجين مع ذلك تتواجهان مع التفرد وهنا تكمن خاصية نقل عمل من فترة تاريخية إلى أخرى، بأن كل نموذج ينقل تراث وحضارة الفترة. (Benjamin, 2003, p 45)

تقدّم سعادة صياغة جديدة لموضوع فينوس بحيث يفتح سياقًا جديدًا للتفسير من خلال جعلها محلية، وجلبه من الماضي للحاضر، تمامًا كما فعل كل فنان وظف فينوس كموضوع، منذ الإغريق إلى إدوارد مانيه إلى سعادة. تمثل كل هذه الصور "أشكالًا من الخطاب البصري"7  كما عبرت عنها مارسيا بوينتون: إن تفسير صورة معينة يتعلق بالطريقة التي "يقرأ" بها فنان معين من فترة وزمن محددين الصورة وكيف يوظفها. في نسخة سعادة، تشير أجساد النساء وأغطيتهن لعدة ثيمات:

أولاً، هناك ضغوط اجتماعية تمارس على المرأة لتتوافق مع معايير الجمال المحددة بدقة، والتي تحددها المقننات الأبوية. في الواقع، يكشف عمل سعادة عن العنف في فرض مفهوم موحّد للجمال على جميع النساء، ويتحدى التصورات الذكورية التقليدية لجمال الأنثى، كما يظهر في لوحات فينوس. ويتحدى أيضًا الفلسفة الجمالية الذكورية التي يتم من خلالها تقييم العمل الفني.8  ثانيًا، في صور فينوس التقليدية هناك تركيز على الملابس والزينة لزيادة جمال الرسم. بينما الملابس التي ترتديها سعادة فيها اختلاف بارز عن تيتيان. ابتكرت الفنانة زيًا مصنوعًا من قصاصات من الصحف وألصقتها مباشرة على جسدها. يحلّ سطح قصاصات الصحف محل الجلد العاري المتوهج لفينوس تيتيان، ليصبح الجلد الثاني. إنها هي التي تأخذ الورق وتقطعه إلى أجزاء وتصمم "فستانها" وتحدد شكله. وهكذا تصبح فينوس امرأة فلسطينية، يغطي جسدها الأخبار المكتوبة باللغة العربية. وهكذا يلغي ارتداؤها للجريدة العريّ التقليدي لتيتيان. كذلك تنتقد الفنانة الصور الاستشراقية المشوهة لصورة المرأة مثلما عرضها انجر في رسوماته ومستشرقون آخرون، من خلال استبدال الأغطية النمطية للمرأة التي استخدمها فنانو الاستشراق إلى لباس مكون من قصاصات جريدة القدس والذي يحمل بدلالات اجتماعية وثقافية وسياسية مواكبة لزمن إخراج العمل.

 

unnamed.jpg

للا السعيدي، LFM Revisited ، #2، 2010 طباعة كروموجينية مثبتة على الألومنيوم مع صفائح واقية من الأشعة فوق البنفسجية ، 180.4 × 223.5 سم. من إصدار 5 © بلطف للا الصعيدي، غاليري ليلى هيلر وغاليري إدوين هوك، نيويورك وزيورخ

للا السعيدي، LFM Revisited ، #2، 2010
طباعة كروموجينية مثبتة على الألومنيوم مع صفائح واقية من الأشعة فوق البنفسجية ، 180.4 × 223.5 سم. من إصدار 5
© بلطف للا الصعيدي، غاليري ليلى هيلر وغاليري إدوين هوك، نيويورك وزيورخ




ثالثًا، تثير الفنانة موضوع أن عمل مصمم الملابس موازٍ لعمل الفنان، وبالتالي فهي تتحدى الحكم الذكوريّ بما يتعلق بماهية الفن. في أعمال سعادة الثلاثة الأخرى في سلسلة الماسترز تستخدم ملابس حقيقية مخيطة حسب ارشادها. وهكذا يصبح العمل الإبداعي للمصمم بحد ذاته شكلاً من أشكال الفن ، يجب الاعتراف به، وهي ملابس حقيقية تحل محل الفساتين المرسومة التي ترتديها النساء في اللوحات الفنية الشهيرة التي يُفترض أنها ليست من إبداعات الحرفيين في عصرهم - والتي ربما كانت كذلك - وإنما من إبداعات الفنانين. إن محو أي امرأة مبدعة لا تتلاءم مع قوانين الفن الذكوري هو ما تسميه جريسيلدا بولوك "التمييز الجنسي البنيوي".9 وتقصد بولوك الفن المتعلق بالحرف اليدوية، وفي هذا السياق تدّعي كارولين كورسماير قائلة:

نظرًا لأن العديد من الفنون التي تنتجها النساء عادةً تشمل المصنوعات اليدوية مثل استعمال الإبرة من أجل الزخرفة والاستخدامات المنزلية، كان لتقسيم الفن والحرف تأثير في القضاء على عدد من الأجناس الفنية التي كان فيها للمرأة حضور بارز.10

 

hanna wike.JPG

حنا ويلك، بدون عنوان (من سلسلة Intra-Venus) حنا ويلك ، بدون عنوان (من سلسلة Intra-Venus)، طباعة فائقة اللمعان (سوبر جلاس)، لكل شكلانيّ. أنتجت الصورة الذاتية بمساعدة دونالد جودار. 71 1/2 * 47 1/2 "، بلُطف معرض رونالد فيلدمان، نيويورك، 1991-1992
حنا ويلك، بدون عنوان (من سلسلة Intra-Venus)

حنا ويلك ، بدون عنوان (من سلسلة Intra-Venus)، طباعة فائقة اللمعان (سوبر جلاس)، لكل شكلانيّ. أنتجت الصورة الذاتية بمساعدة دونالد جودار. 71 1/2 * 47 1/2 "، بلُطف معرض رونالد فيلدمان، نيويورك، 1991-1992

لم تكن سعادة أول من وظف موضوع فينوس لخلخلة المفاهيم المثالية للجمال وتعطيل المفاهيم المرتبطة بالعري التقليدي كما يراه الفنانون الذكور. يبدو أن لوحة الفنان الفرنسي إنجر المحظيّة الأولى La Grande Odalisque 1814متأثرة أيضا من الفنان الإيطالي العظيم تيتيان، ولكن عند الفحص الدقيق، يتضح أن إنجر لا يتبع النموذج الكلاسيكي لفينوس.11 إذ أضاف اللآلئ الهائلة، الشيشة (غليون للحشيش أو ربما الأفيون)، وبالطبع عنوان اللوحة، كلها تشير إلى المفهوم الاستشراقي للاستعمار الفرنسي ، ولا سيما التأكيد على إكزوتيكيّة النساء.

بالإضافة لسعادة، تعاملت الفنانات العربيات، مع القوالب النمطية الإستشراقية التي ظهرت عند انجر وتحدين المفاهيم المثالية المقننة كما ظهرت عند تيتيان حاولت للا السعيدي، مغربية أمريكية، وماجدة خطاري، مغربية تعيش في فرنسا، تحدي صورة المستشرق للمرأة المغربية من خلال إعادة تشكيل الموديل النسائي. فإن الموديل النسائي الذي استعملته السعيدي في أعمالها مزينة بالخط العربي المرسوم بالحناء. إنها الفنانة نفسها وهي ليست عارضة أزياء أوروبية تلعب دور المرأة الشرقية الغريبة، لكنها مغربية في منزلها. إنها سوداء وليست بيضاء، وحقيقية وليست متخيلة. التقطت للا السعيدي صورة أخرى بعنوان (In the Harem 2009)، حيث تجلس السعيدي بدور فينوس مرتدية لباسًا شعبيًا مغربيًا تقليديًا يسمى "الكندورة" مزينًا بالأرابيسك. وجه الفنانة وقدماها مزينة بالخط العربي المرسوم بالحناء. أما المكان فهو مزين بالأرابيسك الأزرق، منتشر في البيوت المغربية. وأما الفنانة ماجدة خطاري أكثر استفزازية: إنها تقف في غرفتها كما فعلت سعادة، لكنها تشير إلى الغطاء كما لو كان هناك شخص ما معها في الغرفة.

ومثلما تناولت سعادة وبعض الفنانات العربيات موضوع فينوس كل بأسلوبها وبهدف مختلفـ، كذلك وظفت الفنانات اليهوديات أيضًا فينوس. وبهذا الشأن، تتناول جانيت أنكوري في مقالتها "فينوس اليهودية" ، ثيمة فينوس في أعمال ثلاث فنانات يهوديات من مختلف الأعمار والجنسيات: الفنانة الأمريكية حانا ويلك (1940-1993) ، والفنانة البولندية الإسرائيلية يوخيفيد وينفيلد ( مواليد عام 1947) والفنانة المكسيكية سيلفيا جرونر (مواليد عام 1959). تدّعي أنكوري بأن " الفنانات الثلاث يستخدمنَ فينوس ويستحضرنها من التاريخ كوسيلة للتعبير عن الذات، حيث يكشفن عن جوانب محددة من هويتهن اليهودية ضمن إطار نسوي أكثر عمومية ووضوح."12 مثلا، في عملها بدون عنوان 1983-84 رسمت وينفيلد نفسها موظفة عدة نماذج صور شهيرة لفينوس: فينوس لكراناخ وفينوس لبوتيتشيلي وفينوس تيتيان .13 في كل أشكال فينوس هذه، تمثل وينفيلد نفسها برأس أصلع لتذكير المشاهد بمعاناة النساء اليهوديات في ظل النظام النازي، وفقًا لتحليل أنكوري.

تهدف الفنانات المتنوعات اللواتي يُعدن توظيف نموذج فينوس الميثولوجية المعروف في تاريخ الفنون إلى تحويل الصور الميثية للنساء اللواتي يتم تصويرهن (رسمهن)من خلال النظرة الأبوية إلى لون فني مختلف يشمل تجارب النساء الحقيقيات، والطرق التي تعرضن فيها للاضطهاد والاعتداء، واستغلالهنّ لتحقيق غايات محددة. يبدو هاته الفنانات أنهن يتشاركن الاعتقاد بأن النساء لسن مجرد جسد؛ لسن مجرد أشياء. وفي هذا الصدد تقول سعادة: "إن جسد المرأة ليس مجرد جسد، إن جسد المرأة هو خزان لعواطفها وذكرياتها. إن جسد المرأة ليس مجرد لحم".14

لا ترفض سعادة الجانب الإغوائي للمرأة، لكنها تتمرد على الموقف تجاه المرأة ك "شخصية تجارية -سلعة "– على حدّ تعبير ستيوارت إووين . 15 تشير فينوس سعادة إلى استعمال المرأة كدعاية تجارية من خلال المكتوب على قصاصات الجريدة التي تشكل ثوب الفنانة ، لكنها تظهر أيضًا قوة الفنانة الفلسطينية من خلال تصوير جسدها، ولا تظهره كضحية تُحتضر، كَما هو الحال في صورة حنة ويلك، وإنما كمخرجة قوية لتصويرها. من المهم أن نفهم أن سعادة هي الفنانة، وهي الشخصية الموجودة في اللوحة، وهي الشخص الذي يوجه المصور حول كيفية التقاط صورتها.

وفي هذا السياق أستدعي ما يقوله روجر سكرتون:

قد ألتقطُ صورة عارية ملتفة وأطلق عليها اسم فينوس [...] بعبارة أخرى، لا تحدث عملية التمثيل الخيالي في الصورة بل في الموضوع: إنه الموضوع الذي يمثل فينوس؛ الصورة لا تفعل أكثر من إظهار الصورة للعيون الأخرى. هذا لا يعني أن الموديل (غير مدركة لنفسها) بأنها تمثل فينوس. ليست هي التي تمثل فينوس، بل المصور الذي يستخدمها في تمثيله هو الذي يقصد من تمثيل الصورة كفينوس، أي الفعل الذي يجسد الفكرة التمثيلية، يكتمل قبل التقاط الصورة. 16

على عكس إسناد سكروتن للسلطة إلى المصور، واصفًا الشكل بأنه غير ذي صلة بالرسالة المنقولة، توضح سعادة أنها صاحبة التمثيل في جميع أشكاله. ومع ذلك، لا يحاول هذا التمثيل فرض معنى واحد. يكتسب عمل سعادة قوته من تعقيد صورها. عملها لا يدور فقط حول خلخلة المفاهيم التقليدية للجمال؛ بل أنه يلفت الانتباه إلى الطرق التي يتم من خلالها تحويل النساء إلى سلع استهلاكية واستخدام أجسادهن لبيع المنتجات والأفكار. "يتم تبادل الجسد نفسه كسلع في ثقافة السلع، مثل المزهريات."17 باربرا كروجر تطلق على أحد أعمالها عنوان "جسدك هو ساحة معركة". أذكرها هنا لأن رسالتها قريبة من رسالة سعادة في من سيجعلني حقيقة؟. كما تسأل كاثرين كالاك في سياق عمل كروجر، من أو ما الذي يجعل المرأة حقيقية في فترة "يمكن فيها بيع كل شيء وامتلاكه، هذه أيديولوجية تمتدّ لتشمل العلاقات بين الأفراد مما يتسبب في مزيد من الصراع على السيطرة والسلطة". 18 يعبّر عمل سعادة عن هذه العلاقة المعقدة بين الجسد وصورته الأيقونية السابقة وعلاقته بالزمان والمكان الراهنَين.

  • 1. رائدة سعادة في مقابلة مع كاتبة المقالة، كانون الأول 2008.
  • 2. كانت ماري أديلايد دو فرانس (1732–1800) الابنة الرابعة والطفل السادس للملك الفرنسي لويس الخامس عشر وزوجته الملكة ماريا ليزكزينسكا. وباعتبارها ابنة الملك، كانت تُدعى فتاة فرنسا la fille de France
  • 3. Nochlin, Linda. 1988. "Why Have There Been No Great Women Artists." in Women, Art and Power and Other Essays. New York: Harper and Row. P. 145–77.
  • 4. Pollock, Griselda. 1988. Vision and Difference: Femininity, Feminism and Histories of Art. London: Routledge, p. 2
  • 5. Wilson-Bareau, Juliet. 1986. The Hidden Face of Manet: An Investigation of the Artist's Working Processes. London: Burlington Magazine, p. 43.
  • 6. Saadeh, interview with the author, October 2007.
  • 7. Pointon, Marcia. 1990. Naked Authority: The Body in Western Painting, 1830–1908. Cambridge: Cambridge UP, p. 34.
  • 8. Brand, Peggy Zeglin & Carolyn Korsmeyer. 1995. "Introduction: Aesthetics and its Tradition." In Feminism and Tradition in Aesthetics. Ed. Peggy Zeglin Brand & Carolyn Korsmeyer. College Park, PA: Pennsylvania State UP. Pp: 1–28.
  • 9. Pollock, Griselda. 1988, Vision and Difference: Femininity, Feminism and Histories of Art. London: Routledge, p. 1.
  • 10. Korsmeyer, Carolyn. 2006. "Terrible Beauties." In Contemporary Debates in Aesthetics and the Philosophy of Art. Ed. Matthew Kieran. Oxford: Blackwell, 27.
  • 11. فيما يتعلق بفينوس كأحد النماذج الجمالية المركزية، تجادل كارولين كورسمير قائلة: "نشأت بعض المؤسسات الفنية في الفترة الحديثة التي وفرت أماكن للتمتع بجماليات جمالية، وعلى الأخص قاعات الحفلات الموسيقية للاستماع إلى الموسيقى والمتاحف الفنية حيث أتيحت اللوحات للجمهور لتقدير جهود الفنانين في الماضي والحاضر، الذين تم إدراكهم الآن كأشخاص يبدعون من أجل الجمال والبصيرة الجمالية".
  • 12. Ankori, Gannit. 2001. "The Jewish Venus." in Complex Identities: Jewish Consciousness and Modern Art. Ed. Matthew Baigell and Milly Heyd. New Brunswick & London: Rutgers UP, p. 238.
  • 13. Ankori, Gannit, (Spring/Summer 1989). "Yocheved Weinfeld's Portraits of the Self" in Woman's Art Journal. 10( 1), pp. 22-27.
  • 14. سعادة في مقابلة مع كاتبة المقالة، تشرين الأول 2007.