أوهام بصرية

حجاي أولريخ يحاور أوران هوفمان حول التأمل، التصوير، المنظور والأوهام البصرية، حول سيزان، ألفرس وفسرلي، وحول الاستعراضية بالتصوير، وذلك بعد معرض هوفمان "قلب مريض-حب"، الذي عرض مؤخرا في "لوبي-مكان للفن". 

 

في معرض "قلب مريض-حب" (Love-Sick Heart)، في لوبي - مكان للفن (القيّمة: أوريت مور)، عرض أوران هوفمان عددا من أعمال التصوير التي تقدم "ما يشبه نظرة من فوق أو عينة من ممارسة التصوير التي يطورها هوفمان"، كما تقول سيفان رافيه التي كتبت نص المعرض.1 مقابل مدخل فضاء العرض، قام بتعليق ثلاث صور مطبوعة بدون إطارات. كل منها تشمل صورة مقربة ليَد تشكل جزءا من منحوتة. اليد ملونة. وتم طلاؤها ضمن سيرورة التصوير مما يميزها عن سائر الصورة بالأسود والأبيض. قام هوفمان بطباعة الصورة الأصلية وأعاد تصويرها، مرة واحدة أخرى على الأقل، على خلفية الخشب الذي علقت الأعمال النهائية عليه في فضاء المعرض. تصوير هذا الفضاء وإدخاله إلى الصورة المطبوعة هو أسلوب سبق أن اتبعه في الماضي، في معرضه "أوبييكتيف/ يوزف ألفرس وأوران هوفمان" (القيّمة: داليت متتياهو)، والذي عرض في متحف تل أبيب للفنون عام 2014. لقد صوّر في ذلك المعرض فضاء العرض الذي تضمن زوايا وأعمدة، وألصق الصور المطبوعة على الجدران في الفضاء نفسه. لم تكن هذه ملاءمة تماما للجدران، وهو ما أنتج انحرافا في الفضاء وشعورا من عدم الاستقرار. فوق الصور التي ألصقت على الجدران مباشرة، علق هوفمان صورا مؤطرة له، وإلى جانبها أعمال يوزف ألفرس من العام 1972 – أشكال هندسية مثل مربعات ومعينات بألوان مختلفة موضوعة الواحد فوق الاخر.


OranHoffmann_Overview_LoveSickHeart.jpg

أوران هوفمان من سلسلة Dialogue sur le Coloris,  منظر إنشاء من قلب مريض-حب، اللوبي – مكان للفت، تل أبيب 2020. قيّمة المعرض: أوريت مور، بلطف الفنان
أوران هوفمان من سلسلة Dialogue sur le Coloris

منظر إنشاء من قلب مريض-حب، اللوبي – مكان للفت، تل أبيب 2020. قيّمة المعرض: أوريت مور
بلطف الفنان

OranHoffmann_Objektiv_installation_2.jpg

أوران هوفمان من سلسلة  Le Cinquième Mur, من "أوبييكتيف/ يوزف ألفرس وأوران هوفمان"  متحف تل أبيب للفنون, 2014. قيّمة المعرض: داليت متتياهو، بلطف الفنان
أوران هوفمان من سلسلة Le Cinquième Mur

من "أوبييكتيف/ يوزف ألفرس وأوران هوفمان" متحف تل أبيب للفنون, 2014. قيّمة المعرض: داليت متتياهو
بلطف الفنان

 

oran hoffman TLV Museum.jpg

أوران هوفمان من سلسلة  Le Cinquième Mur, من "أوبييكتيف/ يوزف ألفرس وأوران هوفمان"  متحف تل أبيب للفنون, 2014. قيّمة المعرض: داليت متتياهو، بلطف الفنان
أوران هوفمان من سلسلة Le Cinquième Mur

من "أوبييكتيف/ يوزف ألفرس وأوران هوفمان" متحف تل أبيب للفنون, 2014. قيّمة المعرض: داليت متتياهو
بلطف الفنان

علّم ألفرس في كلية الباوهاوس في ألمانيا، وبعد احتلال النازيين الحكم هرب إلى الولايات المتحدة وترأس قسم الفنون في كلية بلاك ماونتن. في إطار عمله التدريسي قدم تمارين تجسد الخداع البصري القائم في الطبيعة والواقع. لقد جسدت هذه التمارين كيفية عمل الألوان والصور؛ فشكل ظهورها يتغير حين وضعها الواحد فوق الاخر أو الواحد بجانب الاخر، والشكل الذي ندرك فيه حجمها أو وزنها يتغير هو الأخر.2 الشكل المتغير الذي تلعبه الألوان والصور، أو الذي تظهر به، وفقا لظروف التأمل الموقت هو بمثابة "استعراضية" تجعل الطلاب يواجهون التخلخل القائم في أساس إدراكهم من خلال الحواس.

لقد تناول أحد الاهتمامات المركزية في معرض "أوبييكتيف" تقنية التصوير نفسها كأداة تمكن من تجسيد الخلخلة القائمة في أساس الإدراك بالحواس، حين يقوم بإنتاج صورة متجانسة للفضاء. لقد تمسك هوفمان بنمط أعمال ألفرس والفهم التلقيني لاختلال البصر. وقد كتبت القيمة داليت متتياهو أن هذا التأمل لا يوجّه للموضوع سواء كان مربعا أو غرفة، وليس من خلال الموضوع، وإنما هذا تأمل "مع الشيء، [وهو يسأل] كيف نرى مع مربع".3

عرض هوفمان بين أيلول وتشرين الثاني عام 2018، ثلاثة معارض في إكس-أن-بروفنس في فرنسا. وقد عاد في هذه المعارض إلى حد ما على تكتيك الالتصاق بالفنانين الذين تناولوا الوهم القائم في الإدراك كفكرة كبرى. في أتلييه سيزان (Atelier Cezanne)، وهو الستوديو الذي عمل فيه بول سيزان أواخر حياته، عرض هوفمان صورا طبيعة صامتة تشمل أيضا الأغراض الأصلية التي تظهر في رسومات سيزان – وهي أغراض معروضة عادة على الملأ في الأتلييه. إن هذه الأعمال كأنها تحاول الانضمام إلى شكل رؤية سيزان الذي يعتبر مَن سبق التكعيبية بكونه وصف مواضيع الرسم من عدة زوايا نظر بشكل متزامن. معرض آخر في إكس-أن-بروفنس Simulations et Illusions، كان في مؤسسة فسرلي (Fondation Vasarely) التي أقامها فيكتور فسرلي عام 1976. وهنا عرضت أعمال الموزاييك الضخمة التي أنتجها فسرلي، والمؤلفة من ألعاب لونية وترتيب رياضي لأشكال هندسية مجردة: مثلثات، مربعات، دوائر، نقاط وخطوط تنتج أوهامًا بصرية للحركة. أشبه بسلسلة صور سيزان، عمل هوفمان على ألواح سيراميك تشبه تلك التي استخدمها فسرلي وأنتج منحوتاته منها، وقام بعرضها. بالإضافة عمل على كتاب الفنان Vasarely Material Archives الذي يعرض العشرات من صور البلاط الأصلية وكذلك مواد أصلية إضافية استعملها فسرلي مثل الورق والزجاج – وهو قسم صغير من مجموع المواد الخام الكبير الذي استعمله. في المعرض الثالث Sur le Motif عُرضت صور في جاليري مركز الفنون (La Non-Maison Centre d'Art) في إكس-أن-بروفنس.

 




التقيت هوفمان قبيل المعرض الأخير في اللوبي، وتحدثنا حول عدد من الأسئلة التي أشغلتني بخصوص أعماله. 

حجاي أولريخ: استعمال تكرار الصور الهندسية لدى فسرلي يخلق أوهاما بصرية تجعل المواد تتوحد وتفقد حجمها واستقلاليتها كأشياء. بموازاة ذلك، ينتج هذا التكرار أيضا شيئا إضافيا، ذا حضور، ليس متأثرا فقط بل مؤثر أيضا. حين زرت فوندسيون قبل سنة، خلق التأمل بالأعمال لدي شعورا من الضياع في الفضاء، وإحساسا بشيء يعمل على جسدي ويجعل دماغي يوحّد صورا ونقاط رؤية معينة، يلغي نقاط رؤية أخرى، لتظهر صورة عامة لشيء لا يمكنني قياسه فعلا. هذا يعيدني إلى الواقع، إلى الفضاء في الخارج، في الشارع. هناك أشياء كثيرة تحدث في إدراكنا ولكن لا يمكن استيعابها، هناك فيض –الدماغ يختار بشكل انتقائي رؤية ما يحتاجه أدائيا، مع ذلك ينتج إحساس بصورة.

أوران هوفمان: أراد فسرلي تنشيط وهم العمق، هذا ما أفهمه. لقد كتب في المانيفيست الذي وضعه أنه ليس هناك ثنائية أبعاد في الطبيعة. ليس هناك شيء مسطح يمكن الرسم فوقه. ولكي نمكن أعمال الفن من الأداء، يجب إعادة شيء ما للطبيعة ولهذا الغرض هناك حاجة في الوهم البصري وفي تشويش العمق. لجعل العمل ينوجد.

 





ح.أ: وهذا ما أثار اهتمامك في فندسيون فسرلي؟ لقد أنتجت كتاب فنان يحوي عشرات الصور للأجزاء والمواد التي أنتج ذلك التشويش منها.

أ.ه: لقد حظيت باستخدام المواد الأصلية – بلاط سيراميك، أوراق ملونة وزجاج. أردت أن أصورها، كل واحدة على انفراد. رتبتها وفقا للون وبدأت بالتصوير. كان هذا معقدا لأنني لم أرغب في وضع فهرس. هذا كتالوج لإمكانيات. إنها مواد خام تجسد في داخلها إمكانية أن تكون عملا فنيا. هذا أحد الأشياء الذي أثار اهتمامي كثيرا – تفكير فسرلي في الطبيعة. كل مادة لاقت تعاطيا مختلفا. لقد فصلت البلاط الذي كان بأشكال متوازي الأضلاع، ووضعت كل منها في نفس الشكل ونفس المكان وصورتها. وغيرت في كل مرة مكان الكاميرا. هذه عمليا نفس المكان وما اختلف هو نقطة الرؤية. من الصعب تفسير هذا ولكن في اللحظة التي نراها بشكل متتابع في تصفح للكتاب تبدأ البلاطة باستراق النظر إليك لأنها بقيت في مكانها – الفضاء يتحرك وهي بقيت في نفس المكان وهنا ينشأ إحساس بالوميض.

ح.أ: لقد علمنا ألفرس أن للألوان استعراضية تختلف وفقا للعلاقات المختلفة بين الألوان، الأجزاء والنظرة الإنسانية، في نقطة زمنية محددة. لو استعرنا ذلك، هل استعراضية التصوير لديك هي ترميش؟ أنت تقول أنه من خلال شكل التصوير المنهجي والتدريجية، تنشأ ومضات متكررة، وكأن الصور تتوجه إلى من ينظر إليها بشكل مباشر؟ وكأنما أخذت أجزاء صغيرة من أثر أعماله الضخمة وحاولت استبدالها بفعل شخصي أو عيني، مصغر ومعزول.

أ.ه: هذا نوع من اللمس. لقد حاولت أن آخذ بالاعتبار أعماله وكذلك أفكاره، مثل: ما معنى أن تنتج، كيف تنتج وتأخذ هذا في الاعتبار خلال السيرورة السابقة للعمل. لأن هذه هي المادة الخام. أعتقد أن هناك إمكانيات في المادة الخام وهي تمكن من التفكير عمّاذا يمكن العمل بها. كومة الحجارة لا تعني بناء بيت منها. كل واحد يبني شيئا مختلفا.

ح.أ: ما الذي نتج مما فعلته بالمواد الخام التي عمل بها فسرلي؟

أ.ه: كان هناك توثيق للمواد الخام من الأرشيف وقد استغرق سنة تقريبا. وقبيل نهاية السيرورة قمت ببناء منحوتات من المواد المادية في الأرشيف. بعد سنة أخرى نتج أيضا الكتاب (الذي لم يعرض في المعرض نفسه) حول مشروع التوثيق وهو ليس توثيقا بالضبط. هذا عمل سيزيفي استغرق زمنا طويلا فمن جهة كان تأليف كتالوج للمواد، رؤية ما يوجد في أرشيف الصناديق لجميع المواد، ترقيمها، ترتيبها وفقا للون، ومن جهة ثانية تفكير بكيفية العثور على إخراج بصري لهذه المادة يمكن من التذكير بأن هذا كان أساس إنتاجه للعمل. في اللحظة التي سمحوا لي فيها بالعمل على هذه المواد، ما الذي كان يمكنني عمله بها. لقد أروني المكان وعندها لاحظت أن قسما من الأعمال يتفكك. ألواح الموزاييك تنقصها أقسام مختلفة. المرشدة التي أطلعتني على المكان، باسكال، هي مؤرخة لكنها تعمل هناك بوظيفة أخرى. سألتها كيف سيفتحون هذا وقالت إن هناك غرفة أخرى غير مفتوحة للزوار. وهناك رأيت الصناديق التي حوت جميع الأقسام. وقد شرحتْ أنهم بهذه الطريقة سوف يرممون الأعمال وأن هذه مشكلة لافتة وغير محلولة. لقد أثار اهتمامي حقيقة أن أرشيف المواد هذا هو أرشيف سوف يختفي. في إطار إعادة التخزين يستخدمون المواد الأصلية (يشمل متوازيات الأضلاع)، وفي نهاية المطاف سيختفي الأرشيف نفسه وما سيبقى هو التوثيق فقط. بدأت آخذ بالاعتبار فكرة الطبيعة، ثنائية الأبعاد والوهم الذي يؤثر على البشر، وبالتالي عمليا التفكير أن هذه الأقسام التي أنتجها أو التي ستنتج له في مصنع، هي الأساس والطريق لإعادة أشياء من التجريد إلى الطبيعة. يمكنك الذهاب إلى كنائس في البلاد والعالم والنظر إلى الموزاييك، وسترى أن التجريد، اختزال المعلومات، مصدرهما صور في الطبيعة كالأزهار على سبيل المثال.

 


oran hoffman Vasarely Archive4.jpg

أوران هوفمان, من كتاب Vasarely Material Archives RVB Books, 2019, باريس، بلطف الفنان
أوران هوفمان, من كتاب Vasarely Material Archives
RVB Books, 2019, باريس

بلطف الفنان

 

ح.أ: توجد لدى سيزان نظرة تطل على عدد من نقاط الرؤية بشكل متزامن. ومن دون الدخول إلى كل التاريخ حول أين يقع هذا، فهو كأنما بدأ هذا التفكيك الذي يعلمنا أن في الطبيعة طبقات كثيرة تحت الإدراك المتجانس للصور، المنظم افتراضًا. هل كانت هذه هي العلاقة بين المعرضين؟

أ.ه: لقد زرت سيزان وأنا في أتلييه وهناك أيضا أطلعوني على المكان. سيدة رائعة تعمل هناك، ماري شنطال، فتحت لي خزائن وأدراجًا وأطلعتني على كل الأشياء. لقد روت لي قصصا آسرة. وهي بالمناسبة الخبيرة بأل التعريف في فن سيزان. إنها خبيرة في "العيش مع سيزان" – تشتري التفاح في السوق وتعرف أية تفاحات وبأي لون كانت في أية لوحة، وقصص أخرى بلا نهاية. فكرت أن هذا مكان ذو مناخ مثير جدا للاهتمام. أنت تدخل وخلال ذلك في الستوديو نفسه، في المكان الذي أنتج فيه أعماله، ترى جدارا يظهر كواجهة عرض. هذا أِشبه بعمل إنشاء قاموا ببنائه. في غضون ذلك فهمت أن تصوير سيزان مسألة مستحيلة. لقد كنت راغبا أن أخذ بالاعتبار نظرة سيزان وجعل الكاميرا تشاهد بنفس الشكل الذي شاهد فيه سيزان.

 



ح.أ: وهذا لأن سيزان عمليا يخرج ضد المنظور المستقيم في الرسمة التي تعتمد عليها الكاميرا. هذا إرث كامل يقوم على ادراك عالم أحادي الأبعاد ينتج شكلا واحدا لأشكال فهم الواقع.

أ.ه: صحيح ما تقوله. أعتقد أنه اذا لم يكن ممكنا التوجه إلى الكاميرا ومن خلالها العثور على وجهة لرؤية سيزان، فيمكن تخيل أنه استخدم عدة كاميرات أو عدة عدسات. إنه يقوم بالأمر نفسه بشأن المنظر الطبيعي وكذلك بشأن الطبيعة الصامتة. في اللحظة التي تبدأ فيها بإخفاء أقسام معينة، ترى بأن طاولاته في عديد من الحالات موضوعة جانبا بمنظور غريب. لكننا نشعر بالأمر دون أن نرى ذلك. لقد حاولت أن أظهر عدم قدرة التصوير على ملامسة أو دغدغة تفكير سيزان نحو العمل، اليوم أيضا.

 

OranHoffmann_Overview_Cezanne.jpg

أوران هوفمان, منظر إنشاء من l’Atelier vu à travers un Miroir, أتلييه سيزان، اكس-ان-بروفانس، فرنسا بلطف  Institut Francais/T.Chapotot 2018
أوران هوفمان, منظر إنشاء من l’Atelier vu à travers un Miroir, أتلييه سيزان، اكس-ان-بروفانس
فرنسا بلطف Institut Francais/T.Chapotot 2018


ح.أ: يرتبط هذا أيضا بالمعرض مع ألفرس عام 2014. لقد أنتجت لقاءا مع أعماله يربط ما بين التصوير وإدراك الواقع بشكل مشوش. الكاميرا تنتج الموضوع الذي يتم تصويره وكذلك تشيئه فيما يبدو كتجانس مسطح سهل الفهم، وكذلك تقوم بإنتاجه كمنفصل، كمن يقيم فرقا وتمايزا يعرّف المصور بوصفه ذاتاً. إذا لم تخنّي الذاكرة فلدى ميشيل فوكو هناك فكرة خطوط التشابه (similitudes). وقد حاول تعريف خصائص التشابه في عصر النهضة وكتب أن إحدى خصائص التشابه هي "محور" يربط بين شيئين مختلفين. لقد أطلق على هذا اسم عُرف، وقال إن هناك منطقا معينا بين شيئين على الرغم من اختلافهما وبكونهما مترابطين ينتجان تشابههما. عمليا يبدو لي أن هذا شيء تقوم به الكاميرا، فهي كما لو أنها تنتج تشابها بين نقيضين، تشابها بين الذات والموضوع، بين ما أبثه وبين الشيء الموجود. ومن اللافت أن هذا ظهر من خلال أعمال ألفرس.

أ.ه: حين تكون في البيت بينما في الخارج يسود الظلام تقوم بإضاءة الضوء في الداخل. وعندها يتحول زجاج الشباك الذي تنظر من خلاله طيلة النهار نحو الخارج، الى أشبه بمرآة تعكس صورتك فجأة. وإذا كنت دقيقا جدا ووفّرت ضوءا في الداخل والخارج بنفس القوة فإن الزجاج، الشباك، سيعكس ولكنه سيضيف معلومات أيضا. مع الزجاج قمت بتصوير الفضاء نفسه بالمتحف. وقد أطلقوا على المعرض اسم "أوبييكتيف" وهي فعلا عدسة وكذلك شيء موضوعي، وهي أيضا "هدف" وباللغات اللاتينية تعني، "معارضة".

ح.أ: يبدو أنك تستخدم الكاميرا أيضا كأداة لوصف الواقع وتفحص الفعل الذي تقوم به. هذه ممارسة تشتمل على الكثير من الأعراف وعلى تحليل نفسي. هذا أمر يثير اهتمامي أيضا فيما يتعلق بدوافعي لإنتاج فن مع تصوير.

أ.ه: لديّ هذا فعل أو ممارسة كشف، أن أظهر من زاوية مختلفة وأختفي. هذا مهم جدا بالنسبة لي. إنه أشبه بقراءة كتاب مرة بعد الأخرى – هذا لا يعني أن الكتاب يصبح أفضل – ولكنك تشعر أن هناك ما يجب أن تواصل التطرق إليه وهو ما يأخذ بالاعتبار الطريقة التي رأى بها هؤلاء الفنانون العالم، أقصد سيزان، فسرلي وألفرس. لكن هذا يأتي لديّ بشكل عقلاني. بدون دخول في مجال علم النفس. هذا نقد، العثور على كلمات أمر معقد ولهذا فإنني أنتج أعمالا. ليس هناك عمل قمت بإنتاجه جعلني أفكر أنني تممت المهمة. في جميع المرات أفضل التفكير في الأعمال كنوع من الأبحاث studies. هذه مجرد إمكانيات أواصل بفضلها العمل لأنه توجد دائما أشياء أخرى تستحق التفكير والفحص. كل شيء عبارة عن لمسة وربما في الصورة الكبرى سينتج شيء.

 

 

oran hoffman Atelier Cezenne.jpg

أوران هوفمان, من سلسلة l’Atelier vu à travers un Miroir , تصوير بالألوان, 70×56 سم, 2017, بلطف الفنان
أوران هوفمان, من سلسلة l’Atelier vu à travers un Miroir , تصوير بالألوان, 70×56 سم, 2017
بلطف الفنان


تصوير استعراضي

إن العدسة التي تتمعّن في منطق المنظور المستقيم، تنتج صورة متجانسة، مقلصة، تخفي الكثير من التعابير وتترك شعورا بأن الأشياء قائمة مثلما نراها – لكن هذا وهم. يعبر هوفمان عن هذه الفكرة من خلال التصاقه بفنانين شددوا على قدرة الكثرة المخفية للتفاصيل في جعل النظرة اليومية متجانسة: لدى سيزان هذه نقاط الرؤية المختلفة وتجربة الإدراك من جوانب واتجاهات مختلفة. أما لدى ألفرس فهي الألوان والأشكال التي يتأثر شكل ظهورها بظروف كثيرة. بينما لدى فسرلي هنالك التدريج المجرد الناتج عن التكرار. إن التوحيد الذي يخلق ضحالة في كثرة السيرورات، التعابير والخصائص هو ما أطلق عليه هومي بابا (Bhabha) أسم "ستريوتيب" (صورة نمطية).4 على سبيل المثال يستحضر بابا الاخر الكولونيالي. يرتبط الستريوتيب برؤية الاخر كمادة للنفور والرغبة في الوقت نفسه، إنه مركب من عدة هويات تتجاوز لون الجسد أو بنية الوجه، بل يرتبط أيضا بثقافة محلية، تقاليد، دين وجندر. إنه ينشأ كسيرورة جدلية مركبة، ومن يدل على ستريوتيب فيها يؤثر على المدلول عليه بهذه الصفة وبالعكس – إنهما ليسا أجزاء منفصلة مستقلة ومتميزة بشكل موضوعي. لقد استخدم بابا فكرة الفتيشية لدى فرويد من أجل تفسير ستريوتيب على أنه مثال لمثل هذا الوضع. حيث أن الفرق ينتج (في حالة الفتيشية وفقا لفرويد بين رجل ومرأة) وهو معلن لكن يتم انكاره بالتزامن ليستبدل بموضوع يذكّر به، كتعبير عن رغبة. إن التصوير بوصفه عاكساً لمنظور وبالتالي للرؤية البشرية التي أنتجته، يقوم بالتزامن بإنتاج صور تبدو كمواضيع متميزة – أشياء في العالم – لكنه يقوم عمليا بتقليص الكثرة والتنويعة. إن موضوع التصوير، إنتاج الصورة الواحدة، الذي يقوم بالتسطيح، هو الفتيشية بهذا المعنى.

وفقا لبابا، وجود الستريوتيب كصورة متجانسة تخلق فرقا في صفة حقيقية في العالم، يعزز عمليا بواسطة كثرة مخفية تنتج بواسطة تكرار وجود الستريوتيب دون توقف (حكاية قصص، نكات، تحديات، انتاج قوانين تمييزية، أزياء وإلى أخره). إن التكرار نابع من أن الصورة النمطية تقوم منذ البدء على وهم، على شيء متخلخل. لقد أسمت جوديت باتلر (Butler) هذا النوع من التكرار "استعراضية"، وحاججت أنه من الممكن استخدام هذه الاستعراضية أيضا لخلخلة الصورة التي ينظر إليها كشيء مفهوم ضمنا (الستريوتيب لدى بابا). وهكذا على نحو مشابه يأتي تشديد ألفرس أن للأشكال والألوان خصائص استعراضية (وهي مرتبطة بأداء إدراكنا إياها)، وأن هدف الفن ليس السؤال ما الذي نراه بل كيف نرى وكيف ننفذ. هذه الأفعال قائمة أيضا في الأعمال التي أنتجها فسرلي وسيزان وهي تتجسد في التصوير لدى هوفمان الذي يمكن بالتالي اعتباره استعراضيا.

إن توجه هوفمان إلى الأغراض الأصلية التي استخدمها سيزان وفسرلي، وإلى أعمال ألفرس، تشدد ثانية على الفتيشية، الأشياء نفسها، أو على الأقل تقوم باستعارة الفتيشية بكونها الأشياء الأصلية التي تُنتج الفضاء (فضاء المعرض، فضاء الستوديو، فضاء الصورة وفضاء الواقع) على أنه شيء طبيعي واعتيادي وكان هناك دائما في حين أنه فعليا نتاج لتوطين عنيف (بكونه مسطحا)، غير واعٍ، لرغبة الهيمنة التي لا تختلف عن أفكار تنتجها "معيارية"، معيارية-مغايرة ونظرة نمطية.

تشدد أعمال هوفمان تفادي الستيريوتيب وتحاول الوصول الى الكثرة بواسطة لقاءات، ليس "بواسطة" بل "مع"، زمان، مكان، ظروف. الفتيشية كتعبير عن رغبة تتطرق الى اللمس، وتخفي بجوهرها علاقة مركبة بين موضوع وذات، وهي علاقة غير مفهومة ضمنا. في الصور الثلاث المعلقة عند مدخل معرض

قلب مريض-حب"، يتم تشديد فتيشية التصوير بواسطة المنحوتات (عمليا، أيدي مرتبطة بالعمل، بمعنى "أيدي عاملة"، لكنها مرتبطة أيضًا بالإدراك، بالمعنى الثنائي لـ"إدراك الواقع"، وكذلك اللمس). الأيدي مصورة عدة مرات (صورة لصورة لصورة وهلمجرا) وتحوي كثرة دلالية. تتحول زوايا النظر في الكثير من أعمال هوفمان، بهذه المفاهيم، الى نقاط لمس أو نقاط التقاء، وتشدد هذا أكثر حقيقة أنه يستعمل في مشاريعه مواد أصلية لفنانين تطرقوا الى "البصر"، لأنها تربط اللمس مع البصر.

 

معرض أوران هوفمان "قلب مريض-حب" (القيّمة: أويت مور) عُرض في اللوبي – مكان للفن بين 16 كانون الثاني حتى 22 شباط 2020.

 

  • 1. سيفان رفيه, "قلب مريض-حب" (نص المعرض), اللوبي – مكان للفن كانون الثاني 2020. (بالعبرية)
  • 2. See, Josef Albers, Interaction of Color, Yale University Press, New Haven & London, 2006.
  • 3. Dalit Matatyahu, "Windows of Perception ," from Objektiv: Josef Albers, Oran Hoffmann (exhibition catalogue, editor: Dalit Matatyahu), Tel Aviv Museum of Art, Tel Aviv, 2014, pp 89-98.
  • 4. Bhabha, Homi K. "The Other Question: Stereotype, Discrimination and the Discourse of Colonialism” (first published 1994 by Routledge), from: The Location of Culture, Routledge Classics, London and New York, 2004, pp. 94-210.