آخر قياسًا بمن؟

"ليس هناك خمول قوامي، مثلما ليس هناك حرب خاملة". ميخال ب. رون تستعرض كتاب مورا رايلي، "فاعلية قوامية: نحو أخلاقيات لمهنة القوامة"، وتضيف ملاحظة على البينالي المؤدّب، عديم الأبطال الذي أقيم مؤخرا في برلين 

Maura Reilly, Curatorial Activism: Towards an Ethics of Curating, Thames & Hudson, 2018.

"فاعلية قوامية: نحو أخلاقيات لمهنة القوامة"، هو عنوان كتاب مورا رايلي(Reilly)، وهو عنوان مضلّل. إذا ما اقترحوا عليّ تقديم بديل فسيكون: "احتواء قوامي: نحو مساواة في القوامة" عنوانًا أكثر دقة. يورد الكتاب معارض منذ ما يقارب أربعة عقود، ابتداء بـ "نساء فنانات: 1550-1950، القيّمتان: ليندا نوخلين وآن ساثرلاند هاريس ، LACMA – متحف إقليم لوس أنجلس للفنون 1976؛1 مرورًا ب بينالي فينيسيا 2015: "جميع مستقبلات العالم" القيم: أوكوي إنفزور، 2015؛ ووصولا الى "Art Aids America"، القيّمان: جوناثان كاتس وروك هاشكه، متحف تاكوما للفنون.2 هذه معارض أنجزها فنانون تم إقصاؤهم للهامش وعانوا من تجاهل المؤسسة المنهجي لهم على خلفية الجندر، الأصل الإثني أو الميل الجنسي.


Curatorial Activism.jpeg

  الغلاف الخارجي للكتاب: مورا رايلي، "فاعلية قوامية: نحو أخلاقيات لمهنة القوامة"، 2018 Thames & Hudson
الغلاف الخارجي للكتاب: مورا رايلي، "فاعلية قوامية: نحو أخلاقيات لمهنة القوامة"، 2018 Thames & Hudson

 

رايلي هي القيّمة المؤسسة لمركز اليزابيث ساكلر للفن النسوي (Elizabeth A. Sackler Center for Feminist Art) في متحف بروكلين، وعضوة مؤسسة في مشروع الفن النسوي3 (The Feminist Art Project، TFAP)، وتعرض معطيات إحصائية تكشف الحجم المثير للسخط لتفضيل رجال بيض، أوروبيين-أمريكيين ومغايري الجنس على فنانين "نساء، اشخاص ذوي بشرة غير بيضاء ومثليين ومثليات ومتحولي الجنس" (ص17). وهي تُظهر أنه بالرغم من "عقود النشاط والتنظير ما-بعد-الكولونيالي، النسوي، المناهض للعنصرية والكويري، ما زال عالم الفن يقصي فنانين ’آخرين’". من الجدير بالطبع الإشارة الى معارض تعارض الوضع القائم التمييزي، وتوثيق مشاريع من الماضي يمكن أن تشكل مصدر إلهام ونقطة إطلالة على مبادرات جديدة، ولكن الكتاب يعاني للأسف من سُخف مثير للسخط فيما يورده من أوصاف وحجج. مع ذلك، فإن إصدار حكم على الكتاب وفقًا لجودته يوقعنا في فخ نصبته المؤلفة: رايلي تحثّ القراء الذين يتماثلون مع اهدافها على النظر الى النقد السلبي للمعارض المختارة على أنه "قضيبيّة وتحيّز جنساني"، "امتياز أبيض ووضع الغرب في المركز" و "نزعات مركزانيّة-مغايرة جنسيًا ورُهاب مثلي" (هذه اقتباسات من عناوين فصول في الكتاب)، يختبئ ربما تحت المصطلح الضبابي "جودة".

 



يظهر ضعف الحجة التي يوردها الكتاب بدءًا من العنوان. فالمؤلفة تضع على طول الكتاب مفهوم "فاعلية قوامية" مقابل قوامة "سائدة". ضمن هذه التقسيمة الثنائية فإن الموقف الأول "يرفض الهيمنة بشكل مثابر" (ص21)، بينما الأخيرة هي كل ما تبقى. ولكن القيّمين المحافظين أيضًا يرفعون ويدفعون بأجندة مؤسسية، سياسية، جمالية، هرميّة، نخبوية، مهيمنة. ليس هناك خمول قوامي، مثلما ليس هناك حرب خاملة.4 بين الأمثلة المتطرفة التي تخطر ببالي معرض الدعاية النازية "فن منحط" (1938)، الذي عرض أعمالا فنية بهدف السخرية منها بكونها نتاج العقل المريض والطبيعة المشوّهة لفنانين حُسم مصيرهم.

لقد فتحتُ كتاب رايلي مع توقعات بأن يتجاوز معنى مصطلح "النشاط القوامي" مطلب تكديس نسب أعلى من "الآخرين" داخل بنى القوة القائمة. فكرت في القيّم السويسري المعروف هيرالد زيمان (Szeemann) وفي الثورة التي أحدثها في فهم وظيفة القيّم والمعرض والإمكانيات المتوفرة أمامهما. مثلا، في "دوكومنتهV" في العام 1972، التي كانت تحت عنوان "أسئلة حول الواقع – عوالم مرسومة اليوم" (Questioning Reality – Pictorial Worlds Today) قام بإنتاج روابط بين أعمال فنية وبين صور من الثقافة الشعبية وأطلق حدثًا شكل انطلاقة أدخل الفن الى سياق سياسي على النقيض من معيار "الفن للفن" (l'art pour l'art) وذلك لأول مرة في تاريخ الدوكومنته. بعد ذلك بأربعين عامًا، في دوكومنته 13، (2012) للقيّمة كارولين كريستوف-بكرغييف (Christov-Bakargiev) أثارت نمط مشاركة فعّال حين أقامت روابط وعلاقة ليس بين الاعمال فحسب، بل أيضًا بين أشخاص، حيوانات، نباتات وعناصر معدنية، وبذلك تحدّت التوجه الذي يضع الانسان في المركز. في ضوء هذه الأمثلة (التي لا يتطرق الكتاب اليها) رغبت في فحص أنماط أخرى لتقويض التشخيصات القمعية. كان بوسع الكتاب تقديم نقد يحلل مسألة: لمن يمتثل الفن ومن يخدم حين يتوجه الى تنظيم معرض.

 

 


 

ومع ذلك، يعاني الكتاب من قصور في مجال التحليل المعمق. فهو يقدم أوصافًا هزيلة للمعارض التي يوردها - وتميل المؤلفة إلى الاكتفاء باقتباس نوايا قيّمين المعارض من كتالوجات المعارض. الصور الـ 107 - بعضها لأعمال هامة وبعضها الآخر لأعمال إنشاء - لا تساعد دائمًا في فهم محتوى المعارض. الإشارة إلى شكل تلقي المعارض تقتصر على إيراد اقتباس من نقاد، موجهةً القراء إلى الاعتقاد بأن النغمات السلبية ما هي إلا جوقة أصوات من "التيار المركزي" ويمكن تجاهلها. يختتم الكتاب بفصل "دعوة الى المعركة: استراتيجيات للتغيير"، الذي ينتحل صفة منيفيست ولكنه ليس أكثر من قائمة مطالب. أحدها هو مطالبة مالكي الغاليريهات وجامعي الأعمال الفنية بإعادة النظر في المعايير التي يستثمرون من خلالها في الفنانين، وكذلك رعاية المزيد من "الآخرين" (ص219). يمكن للمرء أن يأخذ النقاش لمراحل متطرفة حتى العبث ويطالب بأن يكون هناك عدد أكبر من غير الرجال البيض المغايرين جنسيا بين الأثرياء، من أجل خلق عالم أفضل وأكثر مساواة.

لربما أن الخلل الرئيسي، تحديدًا، في الكتاب هو الاعتماد على تصور معين لـ "الآخرين". آخرون قياسًا بمن؟ رايلي تكتب من منظور أمريكي وتعرض المؤسسات الغربية كإطار مركزاني عالمي، وبالتالي يجب أن يكون أكثر احتواءً. لكن أليس من واجب الفاعلية التشكيك في هذه المركزانية؟ علاوة على ذلك، تتمحور رايلي في فنانين من النساء وغير الغربيين والمثليين. فماذا عن "آخرين" آخرين؟ أشخاص ذوو محدودية، أطفال، حيوانات ، مثقفون ذاتيًا- كل أولئك الذين تميل الأنظمة المهيمنة إلى تجاهلهم؟

على الرغم من جميع القصورات المذكورة، تنجح المؤلفة في تقريب قرائها الى عدد من أمثلتها. أحدها هو المعرض: "نساء فنانات: 1550-1950"، للقيّمتين: ليندا نوخلين وآن ساثرلاند هاريس الذي ضم أعمالا لنساء فقط (ص42-47). هذه الأعمال مكثت طويلا في مخازن المتاحف بانتظار لحظة تتبدل فيها المنظومة لتحظى بانتباه تمتعت فيه لحظة إنتاجها، قبل إرسالها للتخزين فقط لأنها حملت توقيع امرأة.


نساء فنانات: 1550-1950، مقطع صوتي (40،51 دقيقية)، متحف إقليم لوس أنجلس للفن

معرض آخر "سحرة الأرض" (Magiciens de la Terre)، الذي أقيم في مركز جورج بومبيدو وفي غراند هول دي لفيل في باريس، وكان قيّم له جان-أوبر مارتن(Martin) عام 1989، قام بتفكيك مركزانية أعمال فنية غربية بواسطة وضعها الى جانب فنون أخرى من أرجاء العالم (ص11-106). وقد لاقى المعرض نقدًا على هذا أيضًا، مثلا حين وضع عمل ريتشارد لونغ، دائرة أرضية حمراء (Red Earth Circle) بمحاذاة- Yam Dreaming لمجتمع يوندومو (Yuendumu Community) تم إبراز عمل لونغ الذي كان معلقا على الجدار، على حساب عمل اليوندومو، الذي وُضع على الأرض. أنا أقترح قلب اتجاه الرؤية والنظر الى هذا على أنه دليل على مركزانية الغربيين بنظرهم أنفسهم.

 

pasted image 0 (1).jpg

قاعة المعرض التوثيقي في غاليري المتحف، سحرة الأرض (1989) في مركز جورج بومبيدو وفي غراند هول دي لفيل، باريس. تصوير: جان بيير دالبري
قاعة المعرض التوثيقي في غاليري المتحف، سحرة الأرض (1989) في مركز جورج بومبيدو وفي غراند هول دي لفيل، باريس

"mining the museum" / revisited / after twenty / baltimore / 2013 / part 2

التنقيب عن ثروات المتحف بعد عشرين عاما، فرد ويلسون، ليسا كورين، 22.5.2013، بولتيمور

 

 

مشروع التنقيب عن ثروات المتحف (Mining the Museum) لفريد ويلسون (Wilson) الذي عرض في المنظمة التاريخية التابعة لميريلاند، بلتيمور، (Maryland Historical Society, Baltimore, 1992-1993)، هو تدخل فني أكثر مما هو معرض جماعي مع قوامة. الفنان-القيّم يجدد مجموعة المنظمة التاريخية التابعة لميريلاند، من خلال التمحوُر في تاريخ السود والمريكيين-الأصلانيين بواسطة مواد من مجموعة المنظمة التي تشهد على هذا التاريخ (118-23).5 المعرض الذي يختتم الكتاب، "فن إيدز أمريكا" (2017-2015)، للقيّمين جوناثان كاتس(Katz) وروك هاشكه(Hushka) ، هو المعارض التي يؤسفني أني لم أشاهدها. وهو ويضع وباء الايدز على المنصة بدلا من اخفائه بين الظلال – الايدز كوكيل ثقافي (ص 208-13) ويتردد هنا صدى أمور قالها دغلاس كريمب (Crimp)، بخصوص استخدام خصائص المجتمع المثلي من أجل محاربة الايدز: نشر المعلومات لشركاء كثيرين من شأنه وقف تفشي الوباء.6

تساؤل في الختام: يعرض الكتاب القيّم بوصفه لاعبًا مؤسسيًا، تتوقع المؤلفة منه أن يحسن أكثر استخدام موقفه كحاجب على الباب.7 يتحول هنا سؤال الاحتواء الى سؤال كرم ضيافة – من تستدعي المؤسسة ليأتي إليها.8 يبدو هذا جليًا في بينالي برلين العاشر،الذي كان عنوانه "لا حاجة بنا لبطل إضافي"" (We Don’t Need Another Hero) وكانت قيّمة له غابي نغكوبو (Ngcobo). المعرض الذي قدم أساسًا أعمالا فنية لنساء ولفنانين غير أوروبيين وغير أمريكيين، كان يمكن أن يجد له بسهولة مكانا في كتاب رايلي. وعلى الرغم من ذلك، يمكن تلخيص معرض نغكوبو كرد مؤدب على دعوة مضيف. لقد رفضت القيّمة علانية فرض سردية جديدة وأبطال جدد على المعرض. وظل النظام القديم على حاله: أبطال يختبئون في لجان اختيار ضمن من ينتقون وينصّبون أبطال الثقافة. فأية بطولات يمكن توقعها من فنانين، قيّمين وفعّالين تم اختيارهم، سوى بطولة التعاون؟9

 

  • 1. انتقل المعرض الى المتحف الجامعي للفن في أوستين، تكساس، ومن هناك الى متحف كرنجي للفن في بيتسبورغ، ووصل أخيرا متحف بروكلين للفن في نيويورك، . Women Artists: 1550-1950 (curated by Linda Nochlin and Ann Sutherland Harris, Los Angeles County Museum of Art, 1976
  • 2. أقيم المعرض في مواقع عديدة من الولايات المتحدة بين الأعوام 2015 و 2017: متحف الفن في برونكس، نيويورك، متحف تسوكرمان للفن في كنساو (Kennesaw، GA)، وفي غاليري ألفاوود (Alphawood) في شيكاغو. Art Aids America (curated by Jonathan Katz and Rock Hushka، Tacoma Art Museum، 2015-2016).
  • 3. كانت رايلي قيّمةبالاشتراك مع ليندا نوخلين لمعرض نسوية عالمية: توجهات جديدة في الفن المعاصر، في مركز اليزابيث أ. سكلر للفن النسوي في متحف بروكلين، نيويورك، وفي متحف ومركز الثقافة ديفيس في كلية ويلسلي (Davis Museum and Cultural Center, Wellesley College، 2007). تم التطرق للمعرض في القسم النسوي من الكتاب ص 79-74.
  • 4. في صياغة جديدة لملاحظة مرسيل بروتايرس (Broodthaers) حول المصطلح "تجريبي" في سياق السينما: "أنا بالكاد معجب بكلمة تجريبي، وليس أكثر من إعجابي بكلمة بالكاد. أن يتم تعريفك كفيلم تجريبي؟ على حد علمي ليس هناك من يمكنه تخيّل حرب تجريبية".." Gloria Moure، Marcel Broodthaers: Collected Writings (Barcelona: Ediciones Polígrafa, 2012), p. 180.
  • 5. تدخل كنت مونكمن (Monkman) يذكر باستراتيجية ويلسون. يُنظر: تسليم الحريّة طوعًا للإنسان الأبيض، ليئورا بلفورد، توهو (30 أيار 2018).
  • 6. دغلاس كريمب، في ندوة لذكرى ميلاده السبعين، في معهد أرسنال لفن السنما والفيديو (Arsenal Institute for Film and Video Art)، برلين 24.8.2014.
  • 7. تشدد لوسي ليبرد (Lippard) في مقدمة الكتاب على إمكانية العمل خارج المؤسسات، التي يتم إدخال مثل هذه المبادرات الفاعلة إليها بمرور الوقت.
  • 8. حول معضلة المفهوم "كرم الضيافة" يُنظر طبعا: كتاب זאק דרידה، על הכנסת האורחים (תרגום: דניאלה יואל، רסלינג، תל אביב، 1996). يبيّن دريدا أن الضيافة تقوم على السيادة والقوة، فرض القانون ووضع حدود. وهو يشير الى المفارقة، مثلا: "أريد أن أكون سيدًا في بيتي.. أن أكون قادرا على استقبال من أريد".
  • 9. حول التفاعل الذي اتّسم بالملل مع بينالي برلين العاشر، يمكن قراءة بنهويسن (Paenhuysen).