ومضات من مقابلة

حين اكتشفنا أن جورج ديدي-هوبرمان جاء الى جامعة تل أبيب كمحاضر ضيف، طلبنا من ميخال سبير، مترجمة كتابه الصادر مؤخرا بالعبرية، أن تطلب منه مقابلة لـ توهو.

Advertisement

زوروا متجرنا الفوري دعمًا لتوهو بواسطة اقتناء طباعات فنيّة متوفّرة بإصدار محدود

"لا تثقوا أبدًا فيما يقوله كتّاب عن كتاباتهم"، كتب فولتير بنيامين في أحد فصول "مشروع المقاطع"، مؤلفه غير المكتمل. جورج ديدي-هوبرمان جاء الى جامعة تل أبيب كمحاضر ضيف في مؤتمر منظمة فولتير بنيامين العالمية، حول "فضاء، مكان، مدن وحيّز". كان يفترض أن ألتقيه لاجراء مقابلة معه لـ"توهو"، لمناسبة ترجمتي أول كتبه الصادرة بالعبرية – "بقاء اليراعات". جئت جاهزة مع قائمة أسئلة وجهاز تسجيل، لكن المقابلة 

جورج ديدي-هوبرمان هو مؤرخ للثقافة وفيلسوف فرنسي. منذ كتابه الأول، اختراع التاريخ، Invention de l'hystérie, 1982,  وهو بحث يحظى بالتأثير حول العلاقات بين الطب النفسي والتصوير في القرن الـ19، والصادر عام 1982، اقترح ديدي-هوبرمان وصف الصورة كمفترق تفكيكي، فعّال وخلاّق للذاكرة والرغبة. لقد عارض الكتاب التوجه الايقونوغرافي التقليدي في تاريخ الفن ووضع الأسس للتفكير بالصورة كسيرورة حراكيّة وعرَضية، وهو ما واصل ديدي-هوبرمان تطويره في كتابه: في ازاء الصورة , Devant l'image1990 . ومنذ ذلك الحين يواصل دراسة العلاقات المركبة بين الصورة وبين تجربة الذات في الحيّز الجسدي والنفسي الذي تتواجد فيه – أي في نسيج الحياة، وخصوصا في ازاء الزمن، كعنوان كتابه الصادر عام 2000 Devant le temps  . بمرور السنوات، ترافق تفكير ديدي-هوبرمان في جوهر الصورة والطريقة التي تعمل فيها، ببحث تأريخي استند الى مفكرين مثل فولتير بنيامين Walter Benjamin وايبي فربورغ Aby Warburg، وذلك لوضع معالم فهم مختلف للتأمل ولنظرة أخرى للزمن التاريخي. هذه النظرة وجدت تعبيرا واسعا لها في كتابه الصورة الباقية، L'image survivante 2020، الذي خصّ به فربورغ. إن الجدل حول مسائل التمثيل والتجسيد في عالمنا الحديث الذي يعجّ بالصور، نال بعدا ثاقبًا في كتابه، صور بالرغم من كل شيء  Images malgré tout, 2004، الذي تناول امكانية التمثيل، حمل الشهادة والمقاومة في سياق الهولوكوست. منذ صدور بقاء اليراعات Survivance des lucioles والجزء الأول من ثلاثية عين التاريخ L'Œil de l'histoire، يكتسب هذا البحث بعدًا سياسيًا، جوهره من حيث العمل الفكري والنقدي أن بوسع الصورة مناهضة منظومات السلطة، والتأشير الى فضاءات المقاومة التي يمكن لها أن تفتحها في تلك المنظومات.

صدر كتاب جورج ديدي-هوبرمان "بقاء اليراعات"، الذي ترجمته ميخال سبير، في تشرين الأول 2015، عن دار النشر "هكيبوتس همئوحاد". يتم اطلاق الكتاب في مكتبة "همغدلور" في تل أبيب بتاريخ 26.1.2016.

  • 1. م.س.: منذ العام 2009 تقريبا، يبدو أنك تشدد في أعمالك على العنصر السياسي. في آخر أبحاثك عن تاريخ وفلسفة الصورة، يبدو أنك تتمحور أكثر من ذي قبل في السؤال: كيف تعمل الصور في الميدان السياسي. كيف حدث هذا التطور؟ 

     

    Paris, Passage des Panoramas-1.JPG

    جورج ديدي-هوبرمان. باريس، مقطع بانورامي

     

    ج.د.ه.: أنا انظر الى كتابتي على أنها سياسية، وإن لم يكن الأمر بالمعنى المباشر او الواضح. أنا لست من اولئك الفلاسفة الذين يظهرون كدوغمائيين في خدمة الخلود أو كمنتجين لآراء فورية لأغراض الحاضر – حول آخر الاعتداءات في باريس أو انتخابات الأقاليم. بالنسبة اليّ، الشكل الذي نتخيّل به هو الشكل الذي نمارس به السياسة. مثلما قال بنيامين، توجد في الصورة آثار باقية من الماضي تلتقي حاضرنا بانفجار يحرّر إمكانات ثريّة للمستقبل. هذه هي اليراعات التي أحاول اقتفاء أثر بقائها في كتابي – ومضات مقاومة لسلطة مهيمنة.

  • 2. م.س.: إن باحثين مثل سوزان بك-مورس (Buck-Morss), سلافوي جيجيك (Zizek), جوديت باتلر (Butler) وألين باديو (Badiou) قد اختاروا مقاطعة مؤتمر بنيامين الاسرائيلي والمشاركة في مؤتمر رام الله. بما أن مقاومة كل استبداد، كما تقول، ممكنة بواسطة انتاج صور-يراعات في الشروخ او الأغشية المساميّة للسلطة ومؤسساتها، فربما من غير المفاجئ أن موقفك الأولي من المقاطعة سلبي.
    ج.د.ه.: إن المقاطعة تعني ببساطة انشاء المزيد من الجدران. هذه ايماءة يأس بدلا من الأمل. اذا لم يتوفر معبر، لقاء، فكيف ستومض اليراعات بضوئها؟ على عاتقنا تقع مسؤولية إنتاج الصور البديلة ونقلها. هل تذكرين القبضات السوداء من أولمبيادة 1968؟ هذا لم يكن ليحدث لو أن الرياضيين قاطعوا الألعاب.
    م.س.: لا يُطلب منك في حالة الـ BDS عدم القدوم الى اسرائيل، بل عدم التعاون مع نشاطات ومؤسسات تمولها الدولة، وتشكل بالتالي قسما من حملة الدعاية والتبييض التي تقودها. ومشاركك يُنظر اليها على انها صك براءة.
    ج.د.ه.: أنت تفترضين أن قوة المؤسسة مطلقة. ولكن ألا يمكن للعمل الفني أو المحاضرة ان يكونا أقوى من المؤسسة التي تسمح بعرضهما؟ م.س.: لكن المسألة ليست الحكم على قوة العمل أو ضعفه. نحن نتحدث عن تكتيك عيني. جربنا القبضات السوداء دون طائل. آن الأوان لاستراتيجية جديدة، وهذا هو الفعل الذي يطلب المقموعون منا القيام به. الحجة هي أنه في الوضع الراهن، لا يؤدي الحديث عن بنيامين في الجامعة الى "تفجير" الصورة الجدلية "انطلاقا من تواصل السيرورة التاريخية"، بل يساهم فقط في خنق ضوء اليراعات ببياض التطبيع المُعشي للأبصار.

     

    Paris, Passage des Panoramas-4.JPG

    جورج ديدي-هوبرمان. باريس، مقطع بانورامي

     

    ج.د.ه.: أرى أن جميع اللافتات في الشوارع هنا مكتوبة بثلاث لغات. من يتكلم العربية هنا؟
    م.س.: أوكي، هناك عرب في يافا..
    ج.د.ه.: لا، أقصد من يتكلم العربية هنا.
    م.س.: الأشخاص الذين يعملون في مخابرات الجيش، بالأساس.
    ج.د.ه.: لقد أجريت حوارا جيدا معك! أنا اتحدث مع أشخاص في أوروبا يؤيدون المقاطعة، وتفكيرهم شديد الفظاظة، مرسوم بالأسود-والأبيض. هل يمكنك اعطائي قائمة مقالات يمكن لقراءتها أن تعطيني وجهة نظر راديكالية ولكن مع فوارق دقيقة؟ أريد الخروج بشيء من هنا.

  • 3. م.س.: يبدو أن مشاريعك في السنوات الأخيرة تصبح أوسع وأكثر تركيبا، أطلسية، وتتطلب مجلدات سميكة وسلاسل طويلة. ما السبب في رأيك؟
    ج.د.ه.: إن القاعدة لكل استمرارية هي: الأجزاء الملعونة في التاريخ تظهر من الأسفل. في المقاطع، مثلما في مواقع اخرى، يمكن رؤية السياح ومحبي الفن وفقا لحقيقة أنهم ينظرون دائما تقريبا الى أعلى. لديّ انطباع بأنه لغرض الانغماس في المكان، رؤيته جيدا والسكن فيه، من الجدير بالقدر نفسه والوتيرة ذاتها النظر للأسفل. ما أكتبه في تاريخ الفن كان في البداية نتيجة مباشرة لحركة تهدف الى إزاحة نظرتي: من "الشخصية" الى "الخلفية"، من الأعلى الى الأسفل. هذا التشخيص الأخير كان على ما يبدو تقبّل لقصر نظري وقامتي القصيرة... لو ذهبنا في أعقاب بنيامين، الذي ينقل حركة الازاحة هذه الى الميدان السياسي، فلغرض كتابة تاريخ الفن بشكل حيوي، يفحص ويفتح أشياء جديدة، يجب علينا إزاحة نظرنا من الشخصيات الكبرى الى الكومبارس، الى الأشخاص الصغار في الصورة – هؤلاء الذين من خلالهم يتحدث العمل نفسه، عمل الصورة.
  • 4. م.س.: لا تتضمن أعمالك الكثير من التطرق الى الميديا الجديدة. أنت تشدد بدلا من ذلك على الجوانب المادية والمعجمية للصورة.
    ج.د.ه.: أنا سيء فعلا في كل ما يتعلّق بالشأن الرقمي. ليس لدي ثقة في الانترنت. ماذا لو سيطر تنظيم يميني متطرف على غوغل؟ ماذا سيحدث لكل هذه المعلومات؟ انا أريد حيازة كتاب، أسطوانة، بيدي.
  • 5. م.س.: الانطباع الذي يبقى هو ان كتابتك منغرسة في موروث ثقافي وفني اوروبي شامل. وانك لست مرتبطا بالفكر والثقافتين الفرنسيين فقط، بل ايضا بذلك الألماني، الايطالي، الروسي... ما معنى أوروبا بالنسبة اليك، ماذا تعني بالنسبة الى أعمالك؟
    ج.د.ه.: في 6 أيلول 1997 سافرت بالقطار الى لندن. خططت للمكوث عدة أسابيع في أراشيف إيبي فربورغ. حين وصلت الى محطة واترلو مع حمولتي الثقيلة، انتبهت الى أنه لا يوجد مترو، ولا سيارات اجرة ولا مواصلات من أي نوع. كان ذلك يوم جنازة الأميرة ديانا، التي قتلت في حادث طرق بباريس قبل ذلك بأيام. وهكذا رحت أجرجر نفسي وحقيبتي الكبيرة في شوارع لندن، وسط حشد مكتظ من المشيّعين. في 1 شباط 1927 في آخر سطور يومياته عن موسكو، يصف فولتير بنيامين كيف ترك المدينة والمرأة التي يحبها: "بدا في البداية انها تلتفّ الى الخلف فيما هي تمشي، ولكن لم أراها بعد ذلك. أمسكت بحقيبتي الكبيرة على ركبتيّ وسافرت الى المحطة في ضوء الشفق الشاحب وعيناي تملؤهما الدموع". هذه المجموعة من الموتيفات هي التي ترسم لي نوعا من التعاطف، ومضة بصرية: تاريخ ثقيل تجره معك، أواخر زمن الشفق، تبادل كثيف بعيون دامعة. هوية الشتات مهمة جدا بالنسبة لي. أنا مهتم بتاريخ البوند. هل صدرت كل مؤلفات روزا لوكسمبورغ بالعبرية؟ هل تشعرين هنا انك في بيتك؟
    م.س.: حسنًا، فرقتي تدعى رمادي غامق. بدأ هذا كتصريح – نحن لسنا من هنا.
    ج.د.ه.: أنا أشعر جيدًا في الطقس المشمس. أنا نصف شرقي. طرف ديدي أصله من جربه، تونس. وطرف هوبرمان أشكنازي. أقوى شعور بالبيت يراودني في جنوب أوروبا، وخصوصا الأندلس. أعزف على غيتارة فلامنكو، وإن لم يكن على احيان متقاربة، ربما مرة في السنتين. لا يمكن اليوم السفر مع غيتارة. لكنني أحب أن أرتجل وانتج. هذا صعب – إيقاع الفلامنكو صعب جدًا. انت تعرفين تيو أنغلوبولوس (Theo Angelopoulos)? لقد انتج يونانًا رمادية، مع غيوم ورطوبة وضباب.
    م.س.: إنه بالتأكيد ابن عم أنغلوسنوبوس...
    ج.د.ه.: أعتقد أن أرنست بلوخ (Bloch) يقول شيئا مشابها حين يصف المونتاج كآلة لإنتاج غبار في الفضاء وريحا في الزمن.
  • 6. م.س.: ما الذي تعمل عليه في هذه الأثناء؟
    ج.د.ه.: أعدّ سلسلة معارض عن الانتفاض. سوف تـُعرض في باريس، برشلونة، بوينس ايريس وأماكن اخرى.
  • 7. م.س.: تدمج أحيانا في كتابتك بحثا حول أعمال فنية تاريخية ضمن البحث في أعمال من الفترة المعاصرة – لماذا يهمك هذا؟
    ج.د.ه.: بين السنوات 2008 و 2011 صوّر المصور البولندي لوكاش بكسيك (Łukasz Baksik) تفاصيل من المعمار اليومي – حجر شحذ، حجارة رصف للساحات والردهات، مواد لتصليح جدران متهالكة بحاجة لتقوية – وفيها جميعا طبعت أحرف عبرية. كانت هذه أقساما من شواهد قبور تم تخريبها واستخدامها مجددًا كمواد خام. كيف يمكننا عدم الرجوع مرة اخرى، أمام هذه الصور، الى تفكير بنيامين الجدلي الذي يرشدنا في أحيان متقاربة جدًا أمام الظواهر التي تدمج الثقافة والهمجية؟ "ترتيب التشاؤم معناه اكتشاف فضاء من الصور في فضاء النشاط السياسي". فضاء الصور المنشود هو عالم من الراهن الكوني والتكاملي". حين انظر الى الوضع هنا، مثلا، لا يمكنني القول إنني أعرف ما يجب فعله؛ لكني متأكد، متأكد تماما، بأن هذا منوط بنقل ذاكرة، باستخراج أفكار مدمرة ومنسية من الماضي وانشاء علاقة بينها وبين الحاضر.
  • 8. م.س.: يبدو أنك تنجذب الى شخصيات الغريبين اللامنتمين الموجودين خارج المؤسسة الأكاديمية- مثل فربورغ، بنيامين، باتاييه. كيف ترى نفسك بالنسبة للمؤسسة؟ كيف ولماذا طورت أسلوبك الكتابي المميز – أدبي، شعري وصوري جدًا؟

     

    Paris, Passage des Panoramas-3.JPG

    جورج ديدي-هوبرمان. باريس، مقطع بانورامي

     

    ج.د.ه.: يوجد في الجامعة التي أعلم فيها عداء نحو الظاهراتية، نحو التحليل النفسي ونحو مفكرين مثل فوكو وديلوز، اللذين تأثرت بهما. هذا لافت لأن ما احبه لدى ديلوز هو بالضبط التمييز بين pouvoir و puissance. الأولى هي القوة ببساطة، بينما الثانية هي القوة بأن تتأثر affecté . خذي مثلا المحاضرة التي قدمتها اليوم في المؤتمر – أشبه بيوميات فوتوغرافية لتجارب. لم تكن هذه قراءة لسانية ولا فلسفية. كانت هذه قراءة أكثر أدبية، وأقل صرامة، ولكنها أكثر حرية. لم أكن في الماضي أجرؤ على القيام بشيء كهذا. ولكن كما يقول بنيامين، كل مصوّر يجب أن يعرف كيف يكتب عنوانا، وكل كاتب يجب أن يعرف كيف ينتج صورة. هذا سهل اليوم، ولكن قبل الهواتف الذكية أيضًا كنت ألتقط الكثير من الصور طيلة الوقت.
    م.س.: قلت في نهاية محاضرتك: "إذا أردتم المجادلة، فأنا منفتح". يبدو ان هذا يميزك كثيرًا، كإنسان ووكاتب أيضًا.
    ج.د.ه.: أن تكتب تاريخ الفن هو قبل كل شيء أن تكتب. الكتابة معناها أن تكون وحدك. ولكن لا يعني هذا انك، أو بديلك الخيالي، يجب أن تكون بطل كتابتك. بل بالعكس، من خلال نظرة الشخصية فإن العالم كله – وليس أنا الكاتب فقط – ينفتح أمامنا ويصبح أعمق، أكثر غرابة وأكثر تركيبًا. أن تكتب معناه أنك قرأت أيضًا. معناه أنك كتبت نصوصا، أنك تذكر كلمات، جملا، تعابير وأساليب من مكان آخر. لقد حدث حين كنت شابًا أنني نسخت كتبًا بأكملها. لم يطعني قلبي على الاختصار، وكسر تماسك النص. أفضّل أكثر تلك النصوص التي تدعوني للخروج من الشخصية، من الكاتب، من الكتاب، في خاتمة المطاف. كان بنيامين كريمًا جدا بهذا المفهوم، بمعنى أنه كتب كتابا كاملا وكتابا كبيرا – "مشروع المقاطع" – المؤلف من هوامش واقتباسات. لقد كتب: "منهج هذا المؤلف: مونتاج أدبي. ليس لدي ما أقوله".

  • 9. لقد اخترعت هذه المقابلة من خلال الاعتماد على الأسئلة التي خططت لطرحها، محادثات غير موثقة دارت بيني وبين ديدي-هوبرمان خلال مؤتمر بنيامين، محاضرة الضيف التي ألقاها “Aperçus en sens multiples” [ومضات في شارع متعدد المسارات], واقتباسات من كتابات سابقة له.