لحظة قبل الكون

في سياق التظاهرة الفنية البينالي النسائي في دورته الأولى التي تشهدها عاصمة المغرب الرباط إلى غاية 18 كانون الأوّل 2019، والتي اتخذت عنوان "لحظة قبل الكون"، وخُصصت للفن النسائي، تأتي هذه المقالة لتسليط الضوء على تجربتين إبداعيتين مغربيتين طبعتا البرمجة الثقافية والفنية للبينالي. يدور الحديث عن الفنانة المغربية خديجة طنانة التي قدمت عملا تشكيليًا متناغمًا مع موضوعة البينالي أطلقت عليه اسم الينبوع الغامض، فيما اختارت المخرجة المغربية أسماء هوري لغة الركح للتحسيس بمعاناة الأنثى الوجودية.

تُنظّم المؤسسة الوطنية للمتاحف النسخة الأولى من بينالي الرباط تحت شعار"لحظة قبل الكون" من 24 أيلول إلى 18 كانون الأوّل 2019 والذي يشرف عليه الفرنسي الجزائري  عبد القادر الدماني كمندوب عام للتظاهرة.

ترومُ هذه التظاهرة الفنية التي تحتضنها الرباط والتي ركزت على عرض الحفل الأسطوري للفنانة المصرية أم كلثوم الذي احتضنته الرباط سنة 1968 كديباجة للمعرض، إعادةَ تعريف الفن وأنماطه انطلاقًا من الجنوب وبالضبط من الرباط، مدينة الأنوار عاصمة الثقافة. وذلك عبر حوار متعدد التخصصات، يجمع بين الفنون المرئية والهندسة المعمارية والرقص وفن الأداء، مما يثير التساؤل حول راهنيه الإبداع وتأثيره في الإسهام في صياغة التاريخ.

يقام البينالي في أماكن مختلفة في المدينة ويُدار عبر بطاقات بيضاء للسهر على البرمجة. وتشارك في المعرض 64 فنانة من 26 جنسية مختلفة وتخصصات متعددة بما في ذلك: تشكيليات (منى حاتوم، مارسيا كور، غادة عامر، زليخة بوعبدالله ،أمينة بن بوشتة ، كانديس بريتز وغيرهن)، شاعرات (ايتيل عدنان)، و نحاتات (سارة فافريو) وكذا سينمائيات ومصورات فيديو (تالا حديد، حبيبة جهنين)، مخرجات مسرحيات ومصممات رقصات وفنانات الأداء (بشرى ويزكان، سيفيرين شافريي وغيرهن). بالإضافة إلى مصورات (ديبورا بنزاكين، منى جمال سيالة)، وكذا فنانات رقميات (نزيهة مستاوي) ومعماريات (بلاك سكوير، مانثي كولا، زها حديد، ماريا مايو، وغيرهن).

الينبوع الغامض  في بينالي "لحظة ما قبل الكون": الفنّانة خديجة طنّانة


72384871_2408081192767352_2985780132246978560_n.jpg

لوحة الينبوع الغامض، خديجة طنانة، ، في إطار بينالي الرّباط، 2019  متحف محمّد السادس للفن الحديث المعاصر
لوحة الينبوع الغامض، خديجة طنانة، في إطار بينالي الرّباط، 2019
متحف محمّد السادس للفن الحديث المعاصر

 

خديجة طنّانة هي فنانة تشكيليّة مغربيّة (1945) تشتغل على الجسد كثيمة أساسية في مسارها المهني. تعبرُ الفنانة رحلة ذهنية  إلى ما قبل البدء لتتماهى فنيًا مع ثيمة بينالي الرباط لحظة ما قبل الكون. سفرٌ إلى الماضي لمحاكاة بذرة التكوين ومصدر النشأة أو التشكل، هذه المغارة المبهمة التي لم تتوان  الأطروحات الفيزيائية عن توليد سلسلة من التشكيك في بداياتها الأولى كلما توغلت نحو النهايات. لذا لم يكن من بد إلا أن تستلهم الفنانة طنانة انفجارها العظيم ليتراءى لها ذاك السر الملغز، فبدت لها لحظة الخلق الأولى للكون كناية عن انبثاق من رحم عمدته باسم "الينبوع الغامض" وجسدته بجسد أنثى ناتئ يطل من وسط خلفية سوداء وهو في وضعية وضع مسترسل ومتواصل كرمزية لامتداد مفردات الكون، وعلى جانبيها جداريتان تشخصان أجساد أنثوية وذكرية في وضعيات تتوزع بين الرغبة والقيد، بين الصراع الشبق والاحتياج الحذر، العنف المتواري  والفرح المتوجس وغيرها من الثنائيات التي تشي بهما حركة الشخوص التي تظهر كأطياف بعدما ألقى اللون الأصفر ظلاله كصدى للظى حمرة الجمرة لحظة انفجار الخلق كما توخت الفنانة لتوصلنا الى خطاب بصري في غاية الترميز الاستيتيقي. 

كاماسوترا  فاطمة 

تجريبية الجسد تشكيليًا كان انشغال الفنانة طنانة الدائم، قناعة فنية وحياتية لم تحد عنها حتى عندما مورس على لوحتها "كاماسوترا" المنع العام الماضي  في إحدى قاعات العرض بمؤسسة تابعة للوزارة الوصية على القطاع بمدينة تطوان شمال المغرب. فبعد أن وضعت العمل والذي تطلب الكثير من الجهد والوقت إذ هو عبارة عن جزيئات من 246 قطعة، طلب منها سحبها لأنها تحمل جرعةً عالية من الجرأة  وصادمة للمجتمع التطواني الذي تنحدر منه الفنانة، ممّا دفع بها باستبدال العمل بلوحة أدائية كانت هي موضوعها، حيث وضعت شريطًا لاصقًا على فمها ويديها كتعبير احتجاجي على منع حرية التعبير. 

العمل الفني "كاماسوترا" مستوحى من الملحمة الهندية لفن الحب وسلوكية الرغبة والتي تفتقر إليها مجتمعاتنا الشرقية كما باحت الفنانة، والتي حاولت من موقعها مقاربة الظاهرة جماليا وذلك برسم وضعيات جنسية مختلفة  في جزيئات من يد فاطمة أو الخميسة باللغة الدارجة، والتي ترمز حسب الاعتقادات الشفهية إلى كونها مصدرًا لجلب السعادة المتوخاة من الامتلاءات الجوانية عندما يتم التصالح مع الجسد وفك رموزه ورغباته ومنحه فسحات من الإمتاع والإشباع. 

عطرُ الجسد وتناثره

"الجسدُ بين عطره وتناثره" عنوان مرحلة فنية عاشتها الفنانة  التشكيلية خديجة طنانة عندما داهمها المرض الخبيث والذي عبرت عنه آنذاك بمقولتها:

"استئصال  الثدي لم يبتر ورم الموت الذي كان قد استكان في لا وعيي، وبدأت تداعياته تطفو مباشرة بعد عملية الاستئصال، حيث تجسدت رموز الموت في لوحاتي، فعوض أن أحتفي بالجسد  في أوج عنفوانه واكتماله كموضوعة أساسية في عملي الفني، وجدتني أرسمه مبتورًا، أعضاء موزعة هنا وهناك يدين رجلين أعضاء أنثوية، ديدان.....لذا بدأت الاستعداد لمعرض فني  واتخذت من بيت قديم بالمدينة العتيقة بالعاصمة العلمية فاس فضاء اشتغالي، وهنا كان الخلاص، ونقطة الخروج من دائرة الموت تلك التي أحاطتني حيث أحالني البيت مباشرة على مرحلة الطفولة، فالبيت يشبه في كثير من تفاصيله بيت جدي بمدينة تطوان، فحضرت كل الذكريات  بشخوصها وشوشات نساء العائلة رقصهن بهجتهن ... أيضًا الروائح الزكية التي كانت تؤثث الفضاء، كل هذا أعادني إلى الطفولة أو بالمعنى الدقيق استعدت طفولتي فانبثقت لوحات كلها بهجة ورقص وحب وحياة، فتجاوزت مرحلة الموت، وأدركت أن الحياة هي فرصة جميلة لا بد أن نقتنص  منها اللحظات المشرقة، لا داعي للتشنج والتوتر فانكببت على العمل والخلق، وبالنسبة لي فملف الحياة دائما يبقى مفتوحا... إلى حين."

ازدهار الحواس

التعاطي مع الجسد كوسيط بين التمثلات المجتمعية المعلنة والتوظيف الخفي كان فضولا لفك شيفرة الازدواجية من قبل الفنانة خديجة طنانة التي عاينت منذ طفولتها هذا التناقض المحير، وهي التي عاشت بين أحضان عائلة من  المجتمع التطواني المحافظ و المنغلق على سلوكات تُكتم وتُدارى من قبيل المثلية الجنسية المتفشية خاصة بين النساء اللواتي كن يحرمن من الاختلاط بالجنس الآخر أو الاستعباد الجنسي الذي كان يمارس على الخدم خاصة في مرحلة الخمسينات. كل هذه الممارسات كانت تستفز الفنانة لدرجة أن الألوان لم تسعفها لتعبر عن قتامة الوضع مما دفع بها الى كتابة نص نثري تحول إلى عمل ركحي أخرجته المخرجة المغربية نعيمة زيطان تحت عنوان طاطا مباركة والتي من خلالها تسائل خديجة طنانة زاوية مهمة من تاريخ المغرب، حينما كانت الأسر الثرية المغربية تستأثر بسلطة المال والجاه ليخولانها حق استعباد الخدم المجبولين على الإذعان لرغبات أفرادها المبهمة، ف "طاطا مباركة "هي الخادمة التي كانت تثير فضولها -كلما زارت الفنانة معية أمها بيت جدها وهي طفلة- ارتكانها الدائم بالمطبخ فوق كرسي صغير، لا يسع هيئتها الضخمة الساكنة من فرط الاضطهاد الذي كان عنوانًا لتلك المرحلة الزمنية حيث لم تكن الذوات المستعبدة فقط تخضع لطلبات الأسرة المادية بل تكون أجسادهن مرتعا للعبث والاستغلال، والتي كانت تفضي إلى حملٍ متكرر يتردد صداه بين أرجاء البيت الشاسع دون أن يعرف مصيره المجهول.

ناهيك عن ما تعرفه الفضاءات المغلقة من  ممارسات تتسم بها الجلسات النسائية من غناء رقص وثرثرة نسائية والتي تخفي خلفها الكثير من الرغبات الصامتة التي يتم تصريفها بعلاقات مثلية في عالم لا يظهر فيه الرجال إلاّ كأطياف. 

72549539_2596667623713369_7659219611363049472_o.jpg

الفنانة خديجة طنّانة، تحضير لعمل الينبوع الغامض، 2019  مدينة الصويرة، جنوب المغرب
الفنانة خديجة طنّانة، تحضير لعمل الينبوع الغامض، 2019
مدينة الصويرة، جنوب المغرب


khadija-tannan-2.jpg

خديجة طنانة، احتجاج على منع عملها الفنيّ كاماسوترا، 2018  مركز الفنّ الحديث، تطوان، المغرب
خديجة طنانة، احتجاج على منع عملها الفنيّ كاماسوترا، 2018
مركز الفنّ الحديث، تطوان، المغرب

 

خريف الأنوثة  

 قدمت فرقة "أنفاس" على خشبة المسرح الوطنيّ محمد الخامس  بالرباط ضمن فعاليات البينالي عرضها المسرحيّ الذي حازت مخرجته أسماء هوري حديثًا  على جائزة التميز للإبداع بالمغرب عن مجموع أعمالها المسرحية التي تقارب من خلالها انشغالات المرأة وهمومها، ومن بينها مسرحية "خريف" التي تتناول ذاتًا أنثوية مكسورة يتوه منها اليوم والغد، تنسى الأمس، فتضيع منها بوصلة الزمن. 

 ففي مفترق الجرح الجسديّ والمعنويّ، تحاور بطلة النص- وهي  تلف رأسها بوشاح - أناها في المرآة، هذه الأنا الذي تظهر بباروكة شعر كبديل لتورية مفعول الكيمياوي على خصلات  تناثرت عنوة، لدرء عامل التعرية الذي اعترى الروح بالأساس بعدما داهم رداءها الداء الخبيث، لينقض على نهدَي البطلة فتتبعثر أوراق أنوثتها أمام  زوج غير مبال بالوضع الصحي الجديد لزوجته التي مسها الهوان والذبول بعدما تكالب عليها الاثنان: الورم السرطاني وورم حل الزوج الذي خان حبها وتخلى في أحلك  الظروف، حيث تقول البطلة في إحدى المشاهد: "أنت ورمي الحقيقي".

 



14711155_10155373793922468_7451173682801238406_o.jpg

سرحيّة الخريف، مشهد، بينالي الرباط لحظة قبل الكون.  المسرح الوطني محمد الخامس، الرباط، 2019
مسرحيّة الخريف، مشهد، بينالي الرباط لحظة قبل الكون.
المسرح الوطني محمد الخامس، الرباط، 2019

مسرحية خريف.jpg

سرحيّة الخريف، مشهد للمثّلتين سليمة المومني وفريدة البوعزاوي، بينالي الرباط لحظة قبل الكون.  المسرح الوطني محمد الخامس، الرباط، 2019
مسرحيّة الخريف، مشهد للمثّلتين سليمة المومني وفريدة البوعزاوي، بينالي الرباط لحظة قبل الكون.
المسرح الوطني محمد الخامس، الرباط، 2019

 

تحويل النص الورقي الذي كتبته  شقيقة المخرجة الإعلامية الراحلة فاطمة هوري التي عانت هي نفسها من الداء الخبيث إلى كتابة ركحية من قبل شقيقتها المخرجة أسماء هوري  يضمر التماهي في كتابة الألم لينزف على الخشبة ألوانًا صاخبة وزاهية في ظاهرها لكن تتعدى المعطى الفزيائي لعنصر اللون، فالفستان الأحمر الذي تلبسه البطلة وأناها لا يمت بصلة لإيروسية الإغواء  بل يبرز نزف الجسد والروح معا الثاوي وراء ضمادة بيضاء تغطي منطقة الثديين كعلامة على استئصال زهرتي الأنوثة لتعيش خريفها المبكر والذي تمثلته الرؤية الإخراجية في قطع فساتين ملونة مجزأة ومتناثرة على الأرض وسقوط الباروكة لتفسح المجال لقفر أنثوي إجباري كشف عن عورة الشريك الذي لم يكن يهمه من ذاك الرباط  اللاقدسي الى اللذة السطحية. لكن سرعان ما أبان عن سوء همته حينما استوقفه الواقع. 

 فالعرض هو كناية عن مونودراما بصرخات متفاوتة الهمس. هناك الصوت الطاغي لبطلة العرض الذي شخصته الممثلة فريدة البوعزاوي وجسدت صداه الممثلة الكوريغرافية الممثلة سليمة مومني  بتعبير جسدي موحي واحترافي بحيث تسمع عبره التصدعات الجوانية للشخصية المحورية في علاقتها بذاتها بأنوثتها المنتكسة، بزوجها البارد الذي حضر في العرض من خلال "سترة رجالية" وأيضا  بتفاعلها مع أصوات نسائية أخرى تئن من نفس الداء والجرح ، فتقمص سليمة مومني كوريغرافيا لكلّ هذه الشخصيات وكل هذه الكيانات بتركيباتها المرتبكة وفسحها المجال لكلّ من التعبيرات الإيمائية الإيحائية دون أن تنطق بمفردة، فيما طوال العرض تحدثت بإسهاب حركيّ لتوصل للمتلقي الشحنات العاطفية ومزاج الوجدان الملتبس المضمر في النص، والمترجم عبر سمفونية من تأليف وعزف حي للفنان رشيد برومي، لينتهي العرض بانتهاء حيرة الاختيار  المكوث أو التخلي والمغادرة الرمزية والحية لكاتبة النص، لاجتثاث الورم من نبعه وتنتصر لبداية العرض سأرحل، يجب أن أرحل، وتجمع أشلاءها وترحل كما أنها تشدو: فليمسِ جسدي حرًا .....سأرحل.