فن الكتابة عن الفن

"يتضمن كتاب ماذا تعني الكتابة عن الفن محادثات مع كتّاب في جعبتهم ثلاثة عقود من الكتابة، والتي نشرت بشغف شديد بلا حدود للفن". يستعرض مات هانسون كتاب جارت أرنست الذي صدر مؤخرًا يضم مجموعة من المقابلات مع كتاب معروفين حول الفن، مثل جيري زلتس، روبرتا سميث، لوسي ليبارد وإيف-آلان بوا.

Jarrett Earnest, What it Means to Write About Art: Interviews with Art Critics, New York: David Zwirner Books, 2018, 560 pp

يكنّ جيري زلتس Saltz، الناقد الفني الشهير والشخصية المعروفة في نيويورك، قدرًا كبيرًا من التقدير للفنان والكاتب البالغ من العمر 30 عامًا جارت أرنست Earnest، وذلك لأن أرنست ببساطة تحلى بالشجاعة كي يتوجه اليه. يُعرف زلتس بـ "الناقد الشعبي" بفضل قدرته على جعل شخصيته الهائلة مألوفة للجميع من خلال الكلمات. أصالة كتاباته الحساسة، التي تستند إلى مسيرة حياة كاملة من ممارسة تقييم الفن، أكسبته جائزة بوليتزر للنقد للعام 2018، على مقاله "حياتي كفنان فاشل" (2017)، والذي نُشر في مجلة Vulture، الموقع الترفيهي لمجلة نيويورك، حيث عمل زالتس كأحد كتابها البارزين.

يقول لأرنست: "لا أعرف كيف تمكنت من القيام بكل ذلك في مثل هذا العمر الصغير - مقابلة جميع هؤلاء الأشخاص المشهورين". أرنست كان في خضم جمع المواد حول ماذا تعني الكتابة عن الفن (2018)، وهو عبارة عن مجموعة مقابلات تمتد على 560 صفحة. الكتاب استعراض تاريخي لعدد من الأصوات الأكثر تأثيراً في مجال الكتابة عن الفن. زالتس عاشق الحياة المرفهة وصاحب المكانة المرموقة في عالم الفن، والذي تربطه به أيضًا علاقات زوجية، اعترف في المقابلة نفسها أنه لا يزال يخاف من المشاهير.

 

 

Untitled-1.jpg

غلاف "ماذا تعني الكتابة عن الفن: مقابلات مع نقاد للفن"، نيويورك: دار النشر ديفيد زفيرنر، 2018.
غلاف "ماذا تعني الكتابة عن الفن: مقابلات مع نقاد للفن"، نيويورك: دار النشر ديفيد زفيرنر، 2018.

 

 

بالمقابل، فإن أرنست كان عديم الخوف حين تصارع كلاهما في الكتابة، وكان الشاب كبطل ملاكمة تحداه على انتزاع اللقب. بدلاً من التصرف بشكل عدواني سلبي والبحث عن انتصارات سهلة، أكمل الواحد جمل الآخر مثل رفاق السلاح في ساحة معركة التفكير الافتراضية. وأشارا إلى الآثار المبكرة للكتابة عن الفن في الأدبيات الأوروبية في القرن الثامن عشر، مثل "مقال عن النقد" (An Essay On Criticism، 1711) لألكسندر بوب. وبذكاء حاد، يقول أرنست بروح دعابة أن كتاب بوب "اغتصاب القفل" (1712Rape Of The Lock ) يحكي قصة حياته. وهنا يضحكان ويتفقان على أن ترجمة بوب للإلياذة هي المفضلة لديهما.

تزوج زلتس وروبرتا سميث في عام 1992 وعاشا معًا في شقة في ريف غرينتش، نيويورك، والتي كانت أيضًا بمثابة الاستوديو الذي كتب كلاهما فيه سبعة أيام في الأسبوع. سميث كانت أول امرأة تشغل وظيفة الناقدة الرئيسية لصحيفة نيويورك تايمز. ومثل الأزواج الأسطوريين من الكتاّب، مثل جون ديديون و غريغوري دون، كان هذا زواجًا تم تكريسه في الصحافة المطبوعة. "عندما بدأ جيري في الكتابة، كان يكتب بعض الجمل ويتعثر. كنت أسأل، ماذا يحتاج القارئ أن يعرف الآن؟" قالت سميث لأرنست، مشددة على أهمية الفيل القابع في غرفة كل كاتب - القارئ. "الشيء الرئيسي الذي أحاول القيام به هو جعل الناس يخرجون من المنزل والذهاب لرؤية الفن، والانفتاح عليه، حتى يتمكنوا من فهم شيء ما عن أنفسهم وعن العالم" (475).

 

 
حوار بمشاركة روبرتا سميث وجيري زلتس، متحف Kunsthistorisches ، فيينا. فيديو: باربرا شوارتفيرير


نقد في حقل موسع: روبرتا سميث في حوارمع إيزابيل غراو، الأكاديمية الأمريكية في برلين

 

يتضمن كتاب ماذا تعني الكتابة عن الفن محادثات مع كتّاب في جعبتهم ثلاثة عقود من الكتابة، والتي نشرت بشغف شديد بلا حدود للفن. أشكال الفن المتغيرة المختلفة شكلت لديهم موادا خام لتطوير مواهبهم في الكتابة، والتي ولدوا معها وعملوا عليها طوال حياتهم - الكتابة المنبثقة من وصف التجربة الحاصلة خلال المشاهدة المباشرة. مايكل فريد، الشاعر ومؤرخ الفن، الذي لا زال نقده في مقاله " الفن والشيئية" (Art And Objecthood، 1967) يواصل التأثير على النقد المعاصر، يحدد خلال مقابلة مع أرنست جوهر الكتابة عن الفن: "لا يوجد خط تماس بين ما يسمى "الوصف" وما يسمى "التأويل". أنت تبدأ في وصف كيف يبدو لك الشيء ومن دون أن تلاحظ، يبدأ تسرّب كبير في كل جملة ليروح يتضح وجود اتجاه" (170). كتّاب الفن هم كتاب، والكتابة عن الفن هي كتابة. ماذا تعني الكتابة عن الفن يدافع عن الموقف الذي يرى في الكتابة عن الفن مجالا أدبيا، ولكنه يوجه أيضا نظرة نقدية لتجنب سوء الفهم حول وظيفته أو تضخيمه دون داعٍ.

أرنست كاتب فني ذو عزيمة. فهو منخرط في تدريس الفن وكان عضوًا في هيئة التدريس في المدرسة الحرة والتجريبية الرفيعة للفنون (BHQFU) في نيويورك وميامي، من 2017-2014. يكتب أيضًا لمجلة Art in America وقام بتحرير مجلدات مهمة، بما في ذلك مجموعة سابقة من المقابلات لـ The Brooklyn Rail بعنوان أخبرني شيئا جيدًا Tell Me Something Good، 2017، التي نشرتها أيضًا دار النشر ديفيد زفيرنر. صوته الجديد والمنعش، العارف ينسجم بسلاسة في معبد كبار نجوم النقد الفني المعاصر. وتصور مقابلاته أحداث نيويورك أواخر القرن العشرين بلغة مسحورة خشنة، وهو يدرك أن جيله جاء متأخرا بعد أن انتهى العمل، عندما كانت الكتابة عن الفن مؤسسة بالفعل في الأدب الغربي، ومقترنة مع مهن الصحافة والوظائف الأكاديمية المرموقة. لم يكن هذا هو الحال دائمًا، وفقًا لوصفه، وكذلك وفقا لوصف الكتاب، النقاد ومؤرخي الفن الذين نشأوا من داخل الحروب الثقافية في مانهاتن التحتى في الستينيات، حيث كانت الكتابة عن الفن في الأصل نوعًا من هامش غير رسمي، وتعرض لنقد سام من "صوت الحشد" وكذلك من خبراء الأدب، مثلما يحدث في بعض الأحيان اليوم ايضا.

ماذا تعني الكتابة عن الفن يساهم الى حد كبير في إثراء فن إجراء المقابلات، فن يجمع بين الكلام المنطوق والكفاءة الشفوية مع القدرة على التعرف على محادثة جيدة، مثل صانع أفلام واقعي جديد موهوب بحكمة الشارع. إطار المقابلة مناسب للتوصيف غير الرسمي للحياة المنعكسة في الطباعة أو على الشاشة، مثل شريط ضوئي مُعاد من قماش مرسوم أو منحوتة ملتوية أو إنشاء مفهومي. هنا يتم الكشف عن البنى الداخلية لعملية التفكير بطريقة حقيقية وسهلة المنال. لطالما استخدمت مجلة باريس ريفيو، التي رفعت نصف قرن من أرشيف مقابلاتها إلى شبكة الانترنت في خريف عام 2010، هذا الإطار لتقديم الأصوات المعاصرة كجزء لا يتجزأ من أدبيات النقد. السلسلة سهلة قابلة جدا للقراءة. وبالمثل، في نهاية عام 2014، نشرت مجلة نيويوركر مقالة بروفيل شخصي عن القيّم هانز أولريخ أوبريست ، Obrist بين موضعين ذُكر فيهما في آرت ريفيو باعتباره الشخصية الأكثر تأثيرًا في عالم الفن. بحلول ذلك الوقت كان قد سجل بالفعل 2400 ساعة من المقابلات، جُمعت تحت ما سمي "مشروع المقابلة". عنوان مجموعته الأولى من المقالات، dontstopdontstopdontstop (2006) يشرح حالته – زخم من الاصغاء غير المقيد الذي يمكن وصفه بأنه عكس الثرثرة تمامًا.

أجرت الكاتبة ليزا كوهين مقابلة مع الكاتب والناقد هيلتون الز Als لمجلة باريس ريفيو في صيف 2018، في نفس الوقت تقريبًا الذي تم نشر كتاب ماذا تعني الكتابة عن الفن. يتعمق كوهين وأرنست في أساليب الكتابة والذكريات المبكرة التي تتكرر لدى الز وهو يفكر في كتاباته. وقال لكوهين بعد أن كتب مراجعة إيجابية لكتابها "كل ما نعرفه" (All We Know 2012) لصحيفة "نيويوركر": "بالنسبة لي، القصّ ليس بناء عالم بديل ولكن ما يمنحك إياه خيالك من العالم الحقيقي". وهو يشرح لأرنست في ماذا تعني الكتابة عن الفن: "أنا الآن أعامل كل شيء على أنه قصّ لأنني متشكك حيال الخيال، الذي تصنع منه الذاكرة"،

 


كيلي جونز: جنوبي بيكو، متحف همر

 

تقول كيلي جونز (2016)، الفائزة بجائزة ماك آرثر، المعروفة أيضا بمنحة العبقرية، للعام 2016، وهي باحثة زميلة في معهد الدراسات الأمريكية الأفريقية بجامعة كولومبيا: "لم أفكر أبدًا في نفسي كناقدة"، وتضيف: "لا أعرف ما إذا كنت سأصف نفسي بالناقدة لأنني لا أعتقد أنني ناقدة بأي شكل من الأشكال. أشعر وكأنني شخص يدعم ويعزز" (253). من خلال كتابة تاريخ الفن، تستحضر كيلي جونز بإعجاب عمل والدها أميري بركة، الذي قاد "حركة الفنون السوداء" Black Art Movement. مثلها، يعزز الكاتب الأمريكي الأصلاني بول تشات سميث وعيًا أوسع بالوجود المعاصر للشعوب الأصلانية. هذان مثالان فقط للفنانين الذين يستخدمون الفن كوسيلة قوية لإدراج التنوع الاجتماعي والجندري والثقافي والاقتصادي المستدام في التاريخ الفكري لأمة حديثة، كما هو الحال في أمريكا ويتردد صداه في جميع أنحاء العالم.

بدأ الخطاب الذي يجمع بين النقاد والكتّاب والمؤرخين والمنظرين في عالم الفن الأمريكي كنقاش، في ستينيات القرن الماضي، عندما غير الناقد الفني في نيويورك كليمنت غرينبيرغ Greenberg اللغة الرائدة التي اعتاد أن يكتب فيها عن الفن. وبعبارة أخرى، ماذا تعني الكتابة عن الفن لم يغير معنى الكتابة فقط ولكن أيضًا الطريقة التي تمت بها. وقد ناقض الناقد الشهير هارولد روزنبرغ Rosenberg عندما كتب مقالة "كيف تكسب الكتابة الفنية اسمها السيء" (How Art Writing Earns It Bad Name، 1962)، لمجلة لم تعد موجودة، نشرها الباحث في عصر النهضة ديفيد روزاند Rosand. المقالة تقوّض تماما الحجج المتعلقة بالتمثيل وتجريده في الفن والكتابة.

 

 

 
محاضرة لكليمنت غرينبرغ، 17 يناير 1976، في أرتنت AA، مدرسة للتصميم المعماري

 

علاوة على ذلك، آمن غرينبرغ تمامًا بالكتابة عن الفن بأسلوب همنغواي Hemingway- نثر نظيف وموثوق، بعيدًا عما وصفته الناقدة المخضرمة وقيّمة متحف هيوستن للفنون الجميلة بربارة روز Rose بـ "القمامة الذاتية الخالصة" (380). تردد روز في كتاب أرنست صدى صدقية نقد غرينبيرغ. وتوجه نقدا قاتلا للكتابة عن الفن حين تكون "شبه وصف، شبه سرد، شبه عرض، شبه علم النفس، والأسوأ من ذلك كله - كما لو كانت شبه شعر." وتخلص إلى أن "الشيء المؤسف ليس الكلمات بل حقيقة أن الفن نفسه قد قُدم على أنه أحمق".1 ولكن في الوقت نفسه، شددت على كيفية ارتباط الممارسات الأدبية بشكل وثيق بالمهن في مجال الفن، والتي تعتمد إلى حد كبير على وجود أدب نقدي سليم. غالبًا ما يتم ذكر اسم غرينبرغ في المقابلات داخل كتاب أرنست، مترافقًا مع الكثير من الإشارات والثناء. ولكنه بالنسبة للكثيرين، لا يزال شخصية مهددة.

في قصة نموذجية مذكورة في مقابلة أرنست مع لوسي ليبارد Lippard الفريدة من نوعها، تحوّل اسم غرينبرغ الى مزحة في منتدى مثقفي نيويورك، خلال تلك الأوقات المذهلة لثورة الجنس وحقوق الإنسان، عندما رفعت النسويات الجديدات والمؤرخون الأمريكيون الأفارقة سقف المسؤولية الاجتماعية في حقل الثقافة. تخبر ليبارد أرنست كيف سألت غرينبرغ عما يقصده بكلمة "الجودة" في محاضرة ألقاها في متحف الفن الحديث (MoMA) فأجاب بإيجاز: "إذا كان علي أن أشرح لك ذلك، فسوف أشرح الفرق بين الأحمر والأخضر". وكان جواب ليبارد الذكي: "روزنبرغ وغرينبرغ"؟ (293).

على الرغم مما تشير إليه العديد من المقابلات في الكتاب على أنه سقوط غرينبرغ، عندما تم تقويض تنبؤاته ومكانته كناقد صحفي بسبب المشهد المتغير والطبيعة المتقلبة لعالم الفن، إلا أن أسلوبه في الكتابة لا يزال مؤسسًا، وهو الأساس الذي تقوم عليه الكتابة المعاصرة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالفن. وثّق أرنست العديد من الأصوات المؤثرة التي تمتعت بعلاقة زمالة مباشرة مع غرينبرغ. قام بتجميع قوائم القراءة المطلوبة لجيل الشباب من الكتاب المصممين على اكتساب معرفة القراءة والكتابة في الفن، أو العثور على صوت جديد في الصحافة الثقافية من خلال الكتابة لمنشورات مثل، ARTNews، Artforum، Art in America ومؤخرًا Hyperallergic و Brooklyn Rail. إن إرث Art in America، و ARTNews على وجه الخصوص، يقف كأعمدة مركزية لم تساهم فقط في بث الحيوية في الفن، ولكن أيضًا بكونهما ناشرين، إذ دعما ماديًا الشعراء المعاصرين مثل إيلين مايلز Myles وجون أشبيري Ashbery عملاق القرن العشرين. اليوم، يتزايد أكثر تأثير Hyperallergic و Brooklyn Rail في مجال كتابة الفن الأمريكي.2

يتم اليوم بناء وإدارة مجالات الفن والنشر، والجسور بينهما، بشكل مختلف تمامًا عما كانت عليه في أواخر القرن العشرين. لا يوجد نقص في الدراما بين هيئتي تحرير ARTNews و Artforum، على سبيل المثال، وقد انعكست هذه المعارك الأيديولوجية في تقلبات تيارات الفنون. كذلك، تطورت طرق وأساليب إعداد التقارير الفنية وأصبحت أكثر تعقيدًا مع انتقال محررين وكتاب من طرف الى آخر. كانت العواصف في هيئة تحرير المجلتين مكشوفة وملموسة وغالبًا ما أشعلها الكتاب الذين حاججوا وجادلوا بشغف حول بعض المبادئ الجمالية والاجتماعية. بل غادر البعض منهم لغرض إنشاء منشورات مستقلة لم تستمر طويلا ولكنها مع ذلك مهمة للغاية، مثل Journal of Art التي أنشأتها باربرا روز Rose، ومجلة الفن الطليعيّة October، التي أطلقها كتاب الفن المتأثرون من السينما الثورية لدى سيرجي آيزنشتاين Eiesenstein، بعد نزاع مع Artforum ومحرريه الذين مقتوا النظرية. إن روزلند كراوس Krauss، المؤسسة الشريكة لمجلة أكتوبر، هي اسم مرموق في بانثيون المقابلات لدى أرنست. وقد كتبت مقالها المؤسِّس، "فيديو: جماليات النرجسية" (Video: The Aesthetics of Narcissism، 1976)، الذي درست فيه الفروق بين الوسيط والموضوع، وأعلنت عن الفيديو فنًا فريدًا بين الفنون البصرية. في الفقرة الافتتاحية، تتساءل عما إذا كان وسيط الفيديو نرجسيا، أو بعبارة أعم "حالة نفسية".3

استمع أرنست إلى كراوس عندما وصفت القصة التي تقف خلف مقالها، الذي ولد في ذلك الوقت مثلما ولدت مجلة أكتوبر. كان جزءًا من أزمة واجهتها هي وكتاب آخرون مع Artforum، التي تحدت سياستها التحريرية التصنيفات الواسعة النطاق للتيارات الجديدة. لم تحاول كراوس استغلال التعددية الكامنة في الحداثة، بل انها، حسب قولها، حاولت العثور على "مسار مختلف في الحداثة" (279).

 

 
"فروسية: الوسيط يردّ على الحرب"، 21 يونيو 2017، كاستيلو دي ريفولي، متحف ريفولي للفن المعاصر

 

يعمل إيف-ألان بوا Bois حاليًا في مناصب تحرير في Artforum وأكتوبر، وهو واحد من الشخصيات المهمة في خلق العلاقة بين الثقافة الفرنسية وتاريخ الفن الأمريكي. يصغي أرنست عندما يتحدث إيف عن طفولته في الجزائر، حيث تيقّظ حسه الجمالي بعد الرسام البلجيكي التجريدي غوستاف سنزييه Singier وهو يعترف: "لم يكن هذا حتى عملا فنيا جيدا"؛ "لقد أبهرني كثيرًا لدرجة أنه حتى يومنا هذا أتذكر كل شيء عنه" (49). بوا كان يرسم منجذبًا الى موندريان. عندما أراد أخيرًا زيارة معرض ارتجاعي لموندريان في باريس عام 1968، تم تأجيله بسبب احتجاجات أيار 1968. وبدلاً من العودة إلى دفتر الرسم، استلّ قلمًا وبدأ في الكتابة. قال بوا ل أرنست وهو يقدم عرضًا تاريخيا موجزًا ​​لجمع الفنون في أمريكا وفرنسا مع التأكيد على دور الكتابة في الفن في توحيد وتعريف الذوق الفني بين البلدين: "الفضاء الفرنسي اليوم ما زال قبليًا جدا: إن لم تكن معي فأنت ضدي، الانفتاح الذي يميّز المثقفين الأمريكان هو فعليا السبب الذي جعلني أبقى في أمريكا. لقد حلمت بأمريكا كمكان ستتوفر فيه كنوز من المعرفة حول فن القرن العشرين، بسبب المتاحف وسائر الأمور. لكني لم أجد أي شخص قام بتدريس فن القرن العشرين" (60).

بوا يتساءل حول الدور الذي لعبه هو نفسه في الدمج المبكر للفن المعاصر في مؤسسات التعليم والكتابة الأمريكية. علاقته مع زملائه مثل Rosalind Kraus تتواصل حتى يومنا هذا. عندما شاركت في فبراير 2019 في عدد شتاء أكتوبر بمقال "مشكلات في الرقبة" حول ويليام كنتريدج Kentridge تمسك بوا بـ "الكونية الفرنسية" معارضًا سياسات الهوية. ولكن حتى لو كان هذا عالمًا صغيرًا نسبيًا لأصحاب المعرفة الرفيعة، فإنه يؤكد أن تاريخ الفن قد تحسن في العقدين الماضيين. فهو يتبنى التعددية والاختلاف كما لم يسبق أن حدث من قبل. أرنست يواصل طرح أسئلة أساسية جدا حول الفن المعاصر، من النوع الذي يحلم عامة الناس بطرحه على من يعيشون على الفن، وهنا يجيب بوا أن دور الفن هو "جعلنا نعيش حياة أفضل"، وفي تعريف الفن يقول "إن كل عمل يخلق ظروف الخطاب التي يفترض التطرق اليها" (65). وحول تعريفه لنفسه إن كان ناقدا أو مؤرخا للفن، فهو يتهرّب ويتملص من جهل الأول ومن عفونة الثاني.

في عدد مارس 2019 (رقم 113) من المجلة الصادرة في برلين Texte Zur Kunst، تقوم الشريكة المؤسسة إيزابيل غراو Graw ومؤرخة الفن سابث بوخمان Buchmann بفحص المسائل التأملية الفكرية في مقالهما "نقد النقد الفني". أنشأت غراو وبوخمان في هذا المقال بنى نظرية معقدة لإحياء نحو 30 عامًا من النقد المنشور في Texte Zur Kunst، منذ أن ولدت ونشأت من البيئة الألمانية وتطورت إلى منتدى تعاوني عالمي للفنانين والمثقفين عندما أصبح ثنائي اللغة في العام 2006. "وجهة نظرنا على الفن، مسترشدة بالبنيوية والتحليل النفسي، وأيضًا بتاريخ المجتمع والثقافة، تحذر من الفشل في إدراك مساهمة الإسقاط الذاتي، والخيال والتفسير في الإنعاش "الجمالي" لمادة عديمة الحياة (أو عضوية، لهذا الغرض): الإشارة إلى أشكال الوجود والوساطة وهما متحرران من أي ذات، لا تكفي في رأينا، للتفسير لماذا يتم اختيار أشياء مادية معينة باسم الفن ". في هذه الجملة، تبحث المؤلفتان في التناقض بين عرض الأشياء الفنية والتعبير عن التعريفات الذاتية للفن، والتي يجب أن تتطلب في الحالة المثالية إعادة اختراع، لغويا وماديا. تدافع غراو وبوخمان عن إضفاء الطابع الشخصي على تجربة الفن الفردية، وتعريفاتها وسياقاتها. من خلال نقد النقد نفسه، تعززان دور الناقد ودور الكاتب كوكيل ذاتي ونفسي، كذراع فنية ضرورية ومستقلة. الموضوع إذن هو المسؤول عن جعل الفن كما هو.

تشير الهوية الى التنوع. يجب على الكاتب، مثل الفنان، أن يتسلل من نقيضي الوحدة والتفرد إلى استثناء الوعي الذي يتجنب التعريفات الفورية، ولكنه أيضًا مباشر ومنعش وتشاركي. الجسم والعقل والقلب هم في الوقت نفسه منصة للتعبير عن الذات، ومنافذ لثقافة الاستهلاك السلبي. في مكان ما في الوسط، يتم تحويل الأشياء والأفكار وإخصاب الأرض للإبداع.

الفنانة والكاتبة هاله بلاك Blak، في مقالها "فنان الهوية وناقد الهوية" (The Identity Artist and the Identity Critic) المنشور في عدد صيف 2016 من Artforum، تشير إلى إيماءات رمزية (tokenism) للهوية وفقدانها عند استغلالهما لصالح التجارة والشهرة. وتوضح: "الرموز هي عملة تذهب إلى التاجر، والعملة موجودة طالما أنها تستخدم في المقايضة". تشرح بلاك: "الفن هو مكان التفكير، حتى لو كان أيضًا مكانًا يتم فيه إعادة تغليف هذا التفكير ويصبح غرضًا قابلا للتسويق". "وبنفس القدر، فإن الفن ليس مساحة للتعبير البحت عن الذات. إنه مكان يمكنني أن أشير فيه إلى نفسي كمواد تاريخية واجتماعية ... الفن قادر على الاقتراب من البنية الحقيقية لـ" الهوية "، والتي تنطوي أيضًا على نوع من اللاهوية مع الذات".

وتقول: "قد تكون الجماعية خطوة أولية ضرورية في جعل الحياة محتملة، ولكن نتاج تلك الجماعية قد يكون أقل ملاءمة من استراتيجيات الاحتواء والتنوع والكونية".

بمقدور أرنست، وبمقدور الكتاب الذي يتألف كله من مقابلات، تقصّي هوية الناقد، فيما يتجاوز شخصيته والاضطرابات السياسية في عالم الفن، وصولا الى تقييم واضح للوظيفة نفسها. مسألة هوية الكاتب حول الفن ستظل موجودة طالما كان هناك فن. الفرق بين الكاتب والناقد والمؤرخ يؤطر النقاش. إن النظر إلى كاتب الفن كفنان فاشل مرتين هو نكتة مهترئة ومناهضة للثقافة، على نمط زلتس - معالج جريح لم ينجح أبدًا كفنان، ثم هُزم في المعارك الكبرى في مجال النشر الأدبي ككاتب مستقل، حتى تدهور لدرجة "مسخ" أو دمية لدى الصحافة الجديدة ونقد الثقافة.

المفاهيم الخاطئة الشائعة حول الكتابة عن الفن هي أنه يجب على النقد أن يكون دائمًا سلبيًا، أو أنه يجب أن يصبو إلى الموضوعية الصحفية النزيهة من العلاقات الشخصية، أو أن التشجيع دائمًا جريمة، أو أن النقد يجب أن يكتب من قبل خبراء متعلمين بشكل مفرط. لكن الكتّاب من أرفع مستويات التحرير والأكاديمية والنقد في كتاب أرنست، يقوّضون تلك الآراء بوضوح مباشر، وغالبًا ما يكون ذلك بروح الدعابة المنعشة، إنهم يحكون قصصًا عن أيام شبابهم، عندما كانت نيويورك مختلفة وكان عالم الفن أصغر، وأكثر منالية وفهما للناس العاديين.

لقد كان ديفيد كاريير Carrier محقًا في مراجعته لما ماذا تعني الكتابة عن الفن لـ Hyperallergic في أكتوبر 2018، فور ظهوره على رفوف المكتبات. وادعى أن عنوانه كان عامًا جدًا، في حين أنه في الواقع ركز بالكامل تقريبًا على جحور الكبار في نيويورك. لكنه أيضًا مؤلف سخي ومرغوب ذو أهمية شبه توراتية تقريبًا للمجموعات الجديدة من الكتاب الشباب في جميع أنحاء العالم. وبالفعل، فأن الكثيرين يملؤون مترو الأنفاق في طريقهم من بروكلين إلى مانهاتن، وهم يتصفحون Paris Review وكتابات من تمت مقابلتهم في الكتاب ويبحثون بشغف عن مدارك جديدة تجيز فعلا وجود أكثر من طريقة للكتابة، وأن الكتابة عن الفن هي كتابة مستدامة، وحتى أدب.

 

 

  • 1. Clement Greenberg, “How Art Writing Earns Its Bad Name,” Encounter, Dec. 1962, p. 71.
  • 2. هال فوستر (Foster), ناقد مركزي في سبعينيات القرن العشرين واليوم بروفيسور للفن وعلم الآثار في جامعة برينستون، قال لأرنست: "صحيح أن هناك عددا غير قليل من المقالات على شبكة الانترنت اليوم، لكن بعديد من الأشكال خففت الكثرة من النقد. ليست لدي مشكلة مع Hyperallergic أو مع , The Brooklyn Rail إنهما يقدمان خدمة. لكني لا أجد فيهما مشاريع نقدية" (155).
  • 3. المقال مترجم للعبرية في וידיאו-Zero, הפרעות בתקשורת, הדימוי המוקרן הראשון, חיפה: מוזאון חיפה לאמנות, 2003.