عن نظرةِ الفنان والمِلانكوليا الجديدة: أعمال المصورّة إلينا بروتيروس؛ الجسدُ كأرضٍ بورٍ مسكونة بالمرايا

تتطرّق هذه المقالة إلى فنّ الصورة الفوتوغرافيّة لدى المصوّرة الفنلندية إيلينا بروتيروسوعلاقتها مع الملانكوليا وطرق رؤية الجسد في علاقته مع الذات والآخر.

في مكانٍ سريّ تحت الأرض، لا تصله الشمس إلّا نادرًا، مفتوحٌ على غرفٍ كثيرة، تقف إيلينا بروتيروس Elina Brotherus المصوّرة الفنلندنية في وسط حوض الاستحمام الحجريّ والماء يطمّ جسدها حتى رأسها. لستّ دقائق متتالية تقف كأنها مذهولة، تحدّق ناحية الكاميرا مثبّتة ذراعيها على سطح الماء، حتى لو كانت حركتها هشّة وغير مسموعة. وما هي إلّا لحظاتٌ حتى تفتح فمها، ليحس المتفرّج بأنها على وشك أن تقول شيئًا، وتخفف عنه التوّجس المهيب الذي تحطيه به. لكن سرعان ما تعاود إطباقه لتفتحه بين الفينة والأخرى مثلما تفتح الأسماك الصغيرة أفواهها من دون أن تتفوّه بشيء.

منذ اكتشافه في أحد الأحياء اليهودية القديمة في مدينة مونبلييه الفرنسية، يعدّ هذا الحمام الطقسي والذي يسمى بالعبرية الميكفيه (le Mikvé) أحد أفضل الحمامات المحفوظة في أوروبا.

الميكفيه هي طقس يهوديّ للطهارة، يعود إلى العصور الوسطى كما تذكر بعض المصادر، بما إنّه يقوم على تجميع الماء الذي يدلفُ من مياه الأمطار والينابيع وغيرها، أيّ كلّ ما هو مقدّس وتحلّ فيه صفات إلهية.

في أغلب صورها، تقف إيلينا وهي تدير ظهرها للمتفرج، تقول أنها تريد أن تدفع الناس على أن يتأمّلوا لأنّ "النظرة المباشرة تعني المواجهة والتّحدي"، لهذا يرى الناظر إلى صورها أنها تتخذ من الحمامات وانعكاسات المرايا والبرك الصغيرة والينابيع حيزًا وافرًا لممارستها الفنية، جامعة في هذا بين تاريخ الفن، إذ أنها تعيد تشكيل بعض اللوحات المعروفة لفنانين عالميين، وتضفي عليها طابعًا تجريديًا، يطرح أسئلة جديدة حول علاقتنا بأجسادنا، وبالآخر، وبالنظرة التي نحملها لأنفسنا حين نطلق عملًا فنيًا ما، منفصلًا عنّا، وهذا ما قامت به في سلسلة صورٍ فوتوغرافية بعنوان " هذا ليس إلّا فوتوغرافًا". تظهر ألينا في كل صورها، كموديل، لكنها سرعان ما تخبرنا، أنها لا تبحث عن هذا الجانب البيوغرافي وحسب، وأنها في تواجدها بهذا الشكل في إطار الكاميرا هذه، فإنها تظهر جسدها بتجربة منفصلة، هي تجربة الموديل. الموديل في أغلب الصور الفوتوغرافية واللوحات الفنية هم مجموعة من الأشخاص لديهم نظرة فارغة للأشياء، وغالبًا ما يكونون محدقين في الكاميرا، وإذا عدنا إلى بعض اللوحات فسنجد كيف أن الرسامين الذين يستخدمون موديلًا ما في لوحاتهم، لا يبرزونه بقدر ما يبرزون أنفسهم من خلاله. الفنان يحدق بالموديل، ويتأمله، ويشاهده، بينما يشاهد الموديل لا أحد على وجه الدّقة. لكن أن تقف وتدير ظهرك للكاميرا فهذا أمر جديد، وهذا ما تسميه نظرة الفنان، أي النظرة التي تدفع للتأمل لا إلى المواجهة. لهذا تساعدها المساحات الكبيرة، والانعكاس على سطح الماء على التعبير عن هذه النظرة التي يملكها الفنان على الموديل الخاص به. إن نظرة الفنان هنا هي ليست نظرة رجولية ولا أنثويّة، هي نظرة طيفية، شبحيّة، neutre.

كما تشير إلى الهوية المزدوجة التي تملكها بروتيروس عن نفسها. الموديل في صورها الفوتوغرافية إذن يتحول من موضوع للمشاهدة إلى مشاهد، إلى صانع صورة، أي أنه يخرج من دوره التاريخي، الذي يبرزه على أنه أثاث أو تمثال صلب، ويمنحه مكانًا آخر يساعده على المراقبة والتفحص، وإطلاق الآراء حتى لو كان ثابتًا لا تهتزّ أطرافه. وهذه هي حالة المصورة عينها، التي تطرح نفسها هذا السؤال الدائم : من أنا حين أكون خلف الكاميرا؟ هل أنا صانعة صور وحسب؛ أم أنني أيضًا موضوع هذه الصورة ؟

من هو الموديل؟ هل لديه نظرته الخاصة؟ هل لدى الفنان نظرته المنفصلة؟ هل نظرة الفنان هي نفسها نظرة الموديل ؟

تقول بروتيروس:

"كاستراتيجية نجاةٍ يعمدُ البعض إلى إضفاءِ مفاهيم على الفوضى وتجلّياتها عن طريق تسميتها، هكذا تكون هذه الأسماء طريقتهم للسيطرة على بيئاتهم وحيواتهم. أما في حالتي فكان السؤال دومًا يتعلق بسيطرةٍ مضاعفة؛ أن تأخذَ صورًا فوتوغرافية، مثل تسميةِ الأشياء بمفاهيم معيّنة، هو طريقة للسيطرة على العالم."

Green Lake.jpeg

إيلينا بروتيروس, البحيرة الخضراء، 2007،80x97 سم/ 105x128، بلطف الفنانة
إيلينا بروتيروس, البحيرة الخضراء، 80x97 سم/ 105x128 سم, 2007
بلطف الفنانة


يكتب جون بيرغر في طرق الرؤية Ways of seeing: "ينظر الرجل إلى المرأة، المرأة تنظر إلى نفسها على أنها أصبحت موضعَ رؤية". العريّ الذي تظهر فيه بروتيروس في أغلب صورها، يلعب على ثيمتين أساسيتان، تتعلقان بالموضوع والمتفرج، بالجسد في حيز أليف بيتي domestic وخارجي scrutinizing/ External. وهذا ما يسميه رولان بارت Roland Barthes التعامل مع واقع لا يمكن التماسه. لهذا تقول أن "الجسد الإنسانيّ بجماله وبلاهته لا يكفّ أبدًا عن أن يكون مدهشًا بالنسبة لي".
بالعودة إلى الميكفيه، والحيز البيتي/ الحمّام الذي تأخذه إيلينا في أغلب صورها، كمكان للاستكشاف والتخفّي، والعنف المباشر والملموس، والبلادة الرتيبة، فإنه لأمر معروف أن تاريخ الفنّ، يربط بين أحواض الاستحمام والميلانكوليا، مذ رسم جاك-لوي دافيد Jacques-Louis David لوحته الشهيرة، موتُ مارا la mort de Marat, التي يظهر فيها صديقه وسط حوض الاستحمام والدمُ يغطّي رقبته وصدره.

a portrait of a couple.jpeg

إيلينا بروتيروس, صورة ذاتية لزَوجَين،2007 ، 105x127 سم، بلطف الفنانة
إيلينا بروتيروس, صورة ذاتية لزَوجَين، 105x127 سم, 2007
بلطف الفنانة



إن هذه النزعة لتصوير أحواض الاستحمام على أنها أماكن عدائية، وميلانكولية، مرتبطة بالموت والفناء والنزعة الملتهبة لتدمير الذات، معروفة في أدبيات كثيرة، إذ يشير عالم النّفس الألماني إميل كريبلين Emil Kraeplin إلى الوشائج التي تربط ما بين الانتحار وأحواض الاستحمام، أيّ حوض الاستحمام باعتباره مكانًا يقصدهُ المنتحرون لإطلاق صرخاتهم الأخيرة وفي هذا يقول " حين يبتعدون عن نظراتِ من حولهم، ويقظة الحضور الطاغي، قد يغرقون أنفسهم في أحواض الاستحمام، أو يعلّقون أنفسهم على مزالجِ الأبواب".
في شقتي القديمة، كان لي حمام أزرق، يختلي بنفسه على الجهة اليمنى من الحائط الذي تغزوه اللوحات الإفريقية، البشعة جدًا والتي لم أكن أعلم سبب تعليقها في تلك النقطة بالذات. كان هذا الحمام استعاضة كبرى عن الوقت الضائع وعن المقابر التي لم أعد أراها في المدينة. بين الساعة السادسة والسابعة من مساء كل يوم وبعدما تغيب الشمس، أملأ حوض الاستحمام وأهيئ نفسي للقفز في وسطه. لهذا فإن هذه الفوتوغرافات تلمسني براديكاليتها الدموية المغرفة في تفاصيل الجنون والشاعرية كما في لوحات بيار بونّارد، والتابلوهات الكثيرة التي رسم فيها مارت، في سويعات مختلفة من النّهار، وهي تفرك جسدها تحت الماء، أو تدير ظهرها لأثاث الغرفة، وهي مستلقية في حوض الاستحمام، غير مبالية في شيء.

في أحد كتبه، يذكر إريك ويلسون أنّ "الحمّامات الحارة كانت تستعمل للتخفيف من برودة الميلانكوليا وحدّتها وأنّ وفرة الماء تفكك صلابتها البليدة وجفافها" (Wilson 71) وهذا أمر معروف في كل العلاجات النفسية التقليدية التي نراها في الكثير من المسلسلات والأفلام والمراجع التي تناولت هذا الموضوع. باعتبار أن الماء الحارّ جدًا أو حتى البارد جدًا يساعد على تهدئة الشخص المضطرب ويعيد له صوابع. وهكذا تظهر بروتيروس وهي تنظر نحو المرآة في حمامها، في أكثر من صورة، جسدٌ عار، خائف، متشرد في وسط الحمام، مكتفٍ بتأمل نفسه، منكفئٌ على ذاته، في عزلته.


in the mirror.jpeg

إيلينا بروتيروس, في المرآه1، 2007، 40x52 سم، بلطف الفنانة
إيلينا بروتيروس, في المرآه1، 40x52 سم, 2007
بلطف الفنانة


إن تاريخ النساء مع الميلانكوليا، هو تاريخ طويل، لكنه هامشي ومقصّى، إذ منذ أرسطو تعتبر النساء هسيتريات، إذا عبرنَ عن عواطفهنّ، أو إذا ظهرن منكفئات على أنفسهن، متأملات أو سارحات في الوحدة والحزن. لأن الإدّعاء بأن الحزن العظيم يجعل من الرجال كائنات عظيمة، بينما يجعل النساء يفقدنَ صوابهنّ، ثيمة تاريخية مكرّرة، لا تحيد عن الانتهاكات والتجاوزات.

الميلانكوليا التي تعود إلى اليونان، المشتقة من كلمتين تعنيان "العصارة السوداء" مستخدمة تاريخيًا لتسمية هذه الحالة التي يصبح فيها الوجود رماديًا، حين تغيب النظرة في الأفق وتسرح. تمامًا مثل نظرة كلب عابر، اذ أن الكلاب أيضًا في جحيم دانتي وأفلام لارس فون تراير هي رموز مؤصلة للكآبة والحزن العقيم.

الميلانكوليا في اليونان القديمة حزن عظيم، مشرّح، يجعل الرجال عظماءَ وواسعي الاطلاع، لكنها عند النساء قلّة حظ، وعلامة على الجنون والهستيريا.
لكن هذه الصور الفوتوغرافية التي تعرضها إيلينا تعيد هذه العلاقة للنساء مع الميلانكوليا التي كنّ محروماتٍ منها، إن هذه الأجساد التي تركض مسرعة في إطاراتها، لا يمكن إلّا أن تكون أجسادًا ميلانكولية تعاود اكتشاف نفسها في أماكن تتسم بالألفة لكنها تبعث على الخطر والتوجس.
وهي في مجلمها تأملات في الحياة الإنسانية الصغيرة اليومية، والمساحات المعبّر والمسكوت عنها، تماما كأجساد العفاريت والعرّافين الموصومين بأسماء لا تشبههم. 


reflection.jpeg

إيلينا بروتيروس, انعكاس، 2010، 40x56 سم، بلطف الفنانة
إيلينا بروتيروس, انعكاس، 40x56 سم, 2010
بلطف الفنانة


إن أعمال بروتيروس هي حفر داخليٌّ في النفس الإنسانيّة، يعيد الحوار مع الجسد وأشكاله وتمظهراته، ويطرح أسئلة كثيرة حول الأرشيف الشخصي لكآبتنا، والأوتوبيوغرافيا التي مهما حاولنا أن نكون شخصيين في تصويرها، لا يمكن إلّا أن تمد اليد للآخر الآتي من الضفة البعيدة، ليحطينا برومانسية ما، تعيدنا إلى أسئلة أخرى عن مفهومنا للذات وعلاقتنا بها. وإلى أي حد يمكن لنا أن نكون صادقين حقًا في تصوير أنفسنا من خلال عملّ فنيّ ما، يتجاوز الحياة اليومية ونعومتها وينسى نفسه في تفاصيل الجنون وتجاربه التي لا تحدّ.

 

* إيلينا بروتيروس مصورة فنلندية، درست الكيمياء قبل أن تتوجه إلى مدرسة للفن في فنلندا وتبدأ مسيرتها الفنية وممارستها الفوتغرافية، تقيم في فرنسا. تقيم معارض كثيرة حول العالم. تتعامل في صورها مع ثيمات تتعلق بالموضوع والمتفرج/ الميلانكوليا النسائية/ الجسد في الحيز العام والخاص/ الطبيعة وتمظهراتها على الجسد الإنساني/ نظرة الفنان على نفسه وعلى الموديل الخاص به وعلاقتهما مع الكاميرا.

مراجع :
-Artist and her model (2005-), Elina Brotherus photography
- The new painting (2000-2004) April 2001, Elina Brotherus
- Meaningless work (2016-2017), Elina Brotherus