أولى بنات الكونفدرالية

معرض إفرات فيطال "ويني (إبنة حقيقية)" الذي عرضه مؤخرا بيت الفنانين في هرتسليا، يدفع إلى الواجهة مسألة إنكار وكبت التاريخ الإشكالي للعنصرية، العبودية والاستعمار في دول جنوب الولايات المتحدة. حاجاي أولريخ زار المعرض ويقترح التفكير عنه في السياق المحلي أيضا.

Advertisement

زوروا متجرنا الفوري دعمًا لتوهو بواسطة اقتناء طباعات فنيّة متوفّرة بإصدار محدود

يتألف معرض إفرات فيطال "ويني (إبنة حقيقة)" (قيّم: ران كاسمي-إيلان)، في بيت الفنانين في هرتسليا، من عملَي فيديو تم تصويرهما في أرجاء ولاية فيرجينيا الأمريكية على امتداد ما يزيد من سنة، خلال السنتنين 2012-2013. توثق فيطال أنصاب تذكارية أقامتها عضوات "إتحاد بنات الكونفدرالية"، وهو تنظيم يهدف إلى صياغة موروث وذكرى مقاتلي جيش الجنوب خلال الحرب الأهلية في الولايات المتحدة الأمريكية. إلى جانب الأنصاب التذكارية تجلب عبر التوثيق في الفيديو المزاج السائد في الشوارع المحيطة بها، وتسجيلات لمحادثات مع عدد من نساء المنظمة. ينطوي المعرض على لحظات كثيرة من المفارقات الساخرة ويشير إلى واقع الانكار والكبت لتاريخ إشكالي من العنصرية، العبودية والإستعمار والتي وقفت كلها في قلب الحرب الأهلية في الولايات المتحدة الأمريكية. 

2.jpg

إفرات فيطال"ويني (إبنة حقيقة)"، 2018 منظر تنصيب، بيت الفنانين في هرتسليا
إفرات فيطال"ويني (إبنة حقيقة)"، 2018
منظر تنصيب، بيت الفنانين في هرتسليا

4.jpg

إفرات فيطال"ويني (إبنة حقيقة)"، 2018 منظر تنصيب، بيت الفنانين في هرتسليا
إفرات فيطال"ويني (إبنة حقيقة)"، 2018
منظر تنصيب، بيت الفنانين في هرتسليا

 
صوّرت فيطال أعمالها خلال السنتين 2012-2013 ومنذ ذلك الحين ازدادت حدة الجدل حول هذه الأنصاب التذكارية. في العام 2017 تقرر إزالة النصب التذكاري الذي يظهر فيه روبرت أ. لي الجنرال الأسطوري في جيش الكونفدرالية وهو يمتطي صهوة حصانه. يقع النصب التذكاري في متنزه كان يحمل اسمه. كذلك قرر مجلس بلدية المدينة تغيير اسم المتنزه ليصبح "متنزه التحرير". وقد ولّدت هذه الإجراءات سلسلة من المظاهرات الصاخبة وصلت ذروتها في أحداث اب 2017، حين قام متظاهرو اليمين المتطرف – عناصر ألت رايت، الذين ضموا مجموعات من النازيين الجدد، متحدثين من كو كلوكس كلان ومجموعات أخرى تؤمن بالتفوق الأبيض، بمسيرة حملوا فيها مشاعل وأعلام الكونفدرالية، وسط إطلاق هتافات على شاكلة "لن نسمح لليهود بأخذ مكاننا". وقد نظمت في الموقع مظاهرة معارضة ونشبت مواجهات وعدد من الشجارات بين المجموعتين. في غضون ذلك، اندفع شاب يدعى جيمس الكس فيلدز بسيارته مسرعا نحو المظاهرة المعارضة متسببا بوفاة مرأة واصابة 19 اخرين بجراح.

 

3.jpg

إفرات فيطال"ويني (إبنة حقيقة)"، 2018 منظر تنصيب، بيت الفنانين في هرتسليا
إفرات فيطال"ويني (إبنة حقيقة)"، 2018
منظر تنصيب، بيت الفنانين في هرتسليا

 

"نحن منظمة نساء" (2012-2013) هو إنشاء بثلاث أقنية فيديو وإلى جانبه صورة مؤطرة. في إحدى قنوات الفيديو على يسار المدخل، يتم عرض العمل: أنصاب تذكارية (Monuments). وفيه أنصاب تذكارية، لافتات، مبان وصور للفضاء الحضري في مدن مختلفة من فيرجينيا، وخصوصا مدينة شارلوتسفيل. هناك عدد من الكلمات تتكرر وتظهر مرة تلو الأخرى على الأنصاب التذكارية المختلفة Daughters, Church, Confederacy (بنات، الكنيسة، الكونفدرالية الجنوبية). تتحرك الصور بوتيرة متغيرة، فأحيانا هناك تركيز طويل على التفاصيل وفي أحيان أخرى تعرض صور للمحيط وهي تتبدل بسرعة، ربما مثلما يحدث حين نتجول في مكان جديد ونتعلم التعرف عليه. للوهلة الأولى الانطباع الأول الذي ينجم عن الصور المتحركة هو لضاحية هادئة ومجتمع آمن من جميع النواحي.

 

NORMAL TOWN.JPG

إفرات فيطال، "نورمال تاون"، 2012 صور ستيلز من عرض فيديو
إفرات فيطال، "نورمال تاون"، 2012
صور ستيلز من عرض فيديو

6We Are a Women’s Organization.jpg

إفرات فيطال، "نحن منظمة نساء"، 2013-2014 صور ستيلز من إنشاء فيديو بثلاث أقنية
إفرات فيطال، "نحن منظمة نساء"، 2013-2014
صور ستيلز من إنشاء فيديو بثلاث أقنية

 

يشتمل الفيديو إلى جانب هذا على شيفرات بصرية خفية كأنها تحذر الزائر/المشاهد أو تلمّح إلى أن تهديدًا يتفاعل تحت السطح ومن الصعب تحديده على نحو أكيد: لافتة "قف" بارزة في صورة تظهر شارعا مفتوحا؛ صورة لشباك أسود في باص لا يمكن رؤية شيء من خلاله من الخارج؛ شباك طويل تطل منه إمرأة نحو الكاميرا بنظرة متشككة؛ صور لجدران بيضاء وشبابيك مغلقة؛ وإمرأة تغلق أبواب الكنيسة. وفي عمل صوتيّ في خلفية المشهد تطلق أصوات أجراس الكنيسة على نحو دوري وبلا توقف معزوفة يتم اسماعها في العادة في جنازات عسكرية ومدنية في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي لحظات أخرى تقرع الأجراس لدعوة الناس لدخول الكنيسة. أما في فضاء العرض فتبدو الأجراس كأنها تدعو المشاهدين والمشاهدات إلى اليقظة أكثر مما تدعوهم إلى الصلاة.
 

10We Are a Women’s Organization.jpg

إفرات فيطال، "نحن منظمة نساء"، 2013-2014 صور ستيلز من إنشاء فيديو بثلاث أقنية
إفرات فيطال، "نحن منظمة نساء"، 2013-2014
صور ستيلز من إنشاء فيديو بثلاث أقنية

13We Are a Women’s Organization.jpg

إفرات فيطال، "نحن منظمة نساء"، 2013-2014 صور ستيلز من إنشاء فيديو بثلاث أقنية
إفرات فيطال، "نحن منظمة نساء"، 2013-2014
صور ستيلز من إنشاء فيديو بثلاث أقنية

 

يظهر في قناة فيديو أخرى نص متحرك هو تنضيد لصوت "بنات الكونفدرالية" (الذي يمكن سماعه في السماعات المرافقة)، واللواتي يروين خشيتهن من تفكيك الأنصاب التذكارية المخصصة لتخليد ذكرى مقاتلي جيش الجنوب. تتحدث بنات الكونفدرالية كيف أن الكثير من الشباب لا يريدون اليوم التماثل مع منطق استقلال الكونفدرالية لأنه مرتبط بأفكار "التفوّق الأبيض". صحيح أنهن يدركن أن بعض مؤيدي الكونفدرالية هم عنصريون ولكن هناك أمام أقوالهن شعور ثقيل بالإنكار أو الكبت للتاريخ الإشكالي ومحاولة لتبييض علاقة التاريخ والأنصاب التذكارية بالعنصرية وتجاهل لحقيقة أن الحرب الأهلية مرتبط أيضا برفض دول الجنوب إلغاء العبودية. وهكذا مثلا تقول إحداهن: "Quite frankly I am sure that we do have some racist and bigots in UDC I am sure they exist" .
 

7We Are a Women’s Organization.jpg

 إفرات فيطال، "نحن منظمة نساء"، 2013-2014 صور ستيلز من إنشاء فيديو بثلاث أقنية
إفرات فيطال، "نحن منظمة نساء"، 2013-2014
صور ستيلز من إنشاء فيديو بثلاث أقنية

 

على نحو ساخر، أحد الأنصاب التذكارية يكشف المكبوت، فهو يظهر وهو مغطى بقماش أبيض وقد ربط في وسطه بشريط أحمر، على ما يبدو تحضيرا لإحتفال إشهاره للجمهور. ويمكن ملاحظة الشكل الهرمي لطرف التمثال تحت الغطاء. دمج هذا الشكل مع الغطاء الأبيض والشريط الأحمر يذكّر إلى حد بعيد بزي الكو كلاكس كلان، وفى إحدى صيغه يربَط شريط أحمر على الوسط معيدا ما خفي في تصريحات النساء إلى مركز الإهتمام.

مقابل فيديو الأنصاب التذكارية هناك صورة طولية مؤطرة يظهر فيها أحد الأنصاب بعد تفكيكه، في الفيديو يظهر النصب التذكاري بأكمله – نصب تذكاري قضيبي مبني من حجارة مرصوفة الواحد فوق الاخر وعلى كل حجر اسم لواحدة من دول الكونفدرالية. أما في الصورة فيظهر وهو مفكك إلى عناصره فيذوب وزنه الكبير ليبدو وكأنه مترنحا في الهواء.

1We Are a Women’s Organization.jpeg

إفرات فيطال، "نحن منظمة نساء"، 2013-2014 صور ستيلز من إنشاء فيديو بثلاث أقنية
إفرات فيطال، "نحن منظمة نساء"، 2013-2014
صور ستيلز من إنشاء فيديو بثلاث أقنية

8We Are a Women’s Organization.jpg

إفرات فيطال، "نحن منظمة نساء"، 2013-2014 صور ستيلز من إنشاء فيديو بثلاث أقنية
إفرات فيطال، "نحن منظمة نساء"، 2013-2014
صور ستيلز من إنشاء فيديو بثلاث أقنية

أما قناة الفيديو الثالثة فتعرض العمل Smoking، ويظهر فيها رجل بالغ يرتدي بذلة بثلاثة أقسام واقفا في شارع هادئ وأمامه جهاز مساعد على المشي، فنراه وهو يدخن في عدد من المشاهد الملتقطة بزوايا مختلفة. تركز الفنانة عليه عن بعد وبزاوية ضيقة وكأن الكاميرا تختبئ خلف شجرة أو كأنه هو مَن يختبئ من وجه الكاميرا على الرغم من أنه ينظر للحظات مباشرة إليها. طريقة تدخينه بارزة وتكاد تكون مسرحية وهي ربما تذكر مشاهدي التلفزيون في تسعينيات القرن الماضي بشخصية "الرجل المدخن (Cigarette Smoking Man)" من مسلسل The X-Files. وهي شخصية يؤديها الممثل ويليام ديفيس بدأت كشخصية ثانوية وتحولت بمرور الزمن إلى شخصية اللابطل المركزية في الحبكة حيث هناك وكيلان لـ FBI مالدر وسكالي يقومان بالتحقيق في مسائل غامضة من عالم ما فوق الطبيعة في أرجاء الولايات المتحدة الأمريكية. الرجل المدخن في المسلسل يرتدي هو الاخر بذلة بثلاثة أقسام. يقف بعيدا مختبئا او في الظلام ويتم تصويره أحيانا من زاوية ضيقة وهو يراقب ما يجري بصمت، يدخن على الدوام ليشكل إشارة لوجود جهات معادية وخفية في قلب المؤسسة الأمريكية تتآمر على انتاج وضعيات عنف ضد الجمهور.

النص المرافق للمعرض كتبه القيم ران كاسمي-إيلان. ويقدم الرجل في الفيديو كشخصية معاصرة للجنرال لي، نموذج أعلى للرجل الجنوبي الأبيض في الولايات المتحدة الأمريكية. وعلى نحو مشابه ل-The X-Files يضفي الرجل المدخن في عمل فيطال بُعدًا من الاشتباه والتوتر. وجهه هنا مكشوف وجهاز المساعدة على المشي يعرضه كشخصية مخصية عديمة القوة. ولكن حقيقة أنه في ختام عملية التدخين يقوم برفع جهاز المساعدة على المشي دون جهد، تعزز شبهة كونه عنصرا خطيرا وهو جانب اضافي يشدد على المفارقة الساخرة في المعرض. 

3We Are a Women’s Organization.jpg

إفرات فيطال، "نحن منظمة نساء"، 2013-2014 صور ستيلز من إنشاء فيديو بثلاث أقنية
إفرات فيطال، "نحن منظمة نساء"، 2013-2014
صور ستيلز من إنشاء فيديو بثلاث أقنية

1.jpg

إفرات فيطال"ويني (إبنة حقيقة)"، 2018 منظر تنصيب، بيت الفنانين في هرتسليا
إفرات فيطال"ويني (إبنة حقيقة)"، 2018
منظر تنصيب، بيت الفنانين في هرتسليا

 

يعرَض في الفضاء الثاني للغاليري العمل "Normal Town" (2012)، وهو عمل فيديو يوثق ضاحية بهذا الاسم في أثينز(Athens) الواقعة في جورجيا، الولايات المتحدة الأمريكية. هناك حرم استخدمه جيش الكونفدرالية في الماضي ولاحقًا الأسطول ثم سلاح البحرية الأمريكي. تظهر في الفيديو صور متبدلة لواجهات بيوت، مقاطع شوارع ودكاكين. وتظهر على العديد من الواجهات كلمة "Normal" بصيع مختلفة. يركز الفيديو على دكان يرتفع علم الكونفدرالية على واجهته الزجاجية. في الخلفية أصوات لنساء محليات يتحدثن عن الحنين لفترات حضور الجنود في الحرم وفي المدينة. أقدم مباني الحرم قصر يحمل أسم ويني ديفيس (Davis) إبنة جفرسون ديفيس الرئيس الأول والأخير للكونفدرالية. حظيت ويني بكنية "أولى بنات الكونفدرالية" وشكل هذا الأسم الهامًا لمؤسسات منظمة النساء "اتحاد بنات الكونفدرالية" واللاتي يتحدث بعضهن في فيديو فيرجينيا.
 

5NORMAL TOWN.jpg

إفرات فيطال، "نورمال تاون"، 2012 صور ستيلز من عرض فيديو
إفرات فيطال، "نورمال تاون"، 2012
صور ستيلز من عرض فيديو

2NORMAL TOWN.jpg

إفرات فيطال، "نورمال تاون"، 2012 صور ستيلز من عرض فيديو
إفرات فيطال، "نورمال تاون"، 2012
صور ستيلز من عرض فيديو

1NORMAL TOWN.jpg

إفرات فيطال، "نورمال تاون"، 2012 صور ستيلز من عرض فيديو
إفرات فيطال، "نورمال تاون"، 2012
صور ستيلز من عرض فيديو

 

تشدد فيطال في أعمالها على شيفرات كلامية وبصرية من الفضاء الحضري لجورجيا وفيرجينيا وتكررها المرة بعد الأخرى بشكل يكشف كبت العنصرية وتبييض مشاعر الاستعلاء الشائعة في هذه المناطق، التي تبدو للوهلة الأولى كفضاء عام هادئ، رحب ولطيف. عرض العمل في بيت الفنانين في هرتسليا، وهو مبنىً مغلق تلفه حجارة بنية في مركز ضاحية غنية وهادئة، ربما يوقد الوعي لدى المشاهدين المحليين بشأن منطقتنا وربط القلق والمفارقات الساخرة في أعمال فيطال بما يحدث هنا ليكشف بدوره كبت وتبييض العنصرية القائمة في الفضاء المحلي.

*المعرض الفردي لإفرات فيطال "ويني (إبنة حقيقة)" (قيّم: ران كاسمي-إيلان) عرض في بيت الفنانين في هرتسليا حتى 21 شباط 2018.