أنساق وراء وحشيّة الفنّ لأعالج مواضيع محظورة

في هذا الحوار، يطرح الكاتب كمال الرياحي أسئلة الجسد وتأويلاته على الفنانة التشكيليّة التونسيّة نجاة الذهبي، ويذهب معها بعيدًا في الحفر المعرفيّ في مفهوم الجسد بصفته بؤرة لممارسة الفوضى والفضح والجسد الإيروسيّ في منطقة المحظور الجماليّ.

 

 

كمال الرياحي يحاور الفنانة التشكيليّة التونسيّة نجاة الذّهبي حول مفهوم الجسد في مشروعها الفنيّ.

 

كمال الرياحي: يتمركز سؤال الجسد الذاتي سؤالا مركزيا في تجربتك الفنية قبل أن نتوغل داخل هذه التجربة حدثينا عن ارهاصات هذا السؤال ومن أين جاء تحديدا؟ ما الذي جعلك تطرحين هذا السؤال الذي تولدت عنه، بدوره أسئلة أخرى؟ ماهي الأسئلة الغيرية والأسئلة الجنينية لتكون هذا السؤال الكبير؟

نجاة الذهبي: طرح الفيلسوف الفرنسي رونيه ديكارت (Descartes) سؤاله المثير "كيف نثبت وجودنا حقّا؟"، وقد توصّل بعد بحث طويل إلى كون "الشكّ" هو المفتاح الأساسي لكلّ وجود ولكلّ معرفة. وقد حاول الكاتب الفرنسي ميشيل دي مونتين (de Montaigne) طوال مسيرته الإبداعيّة الإجابة على سؤاله المؤرق "ما الذي أعرفه؟" ليتوصّل في النهاية، إلى أن حياته التي قضاها في القراءة إنّما هي نوع من التدريب على المعرفة وليست السبيل الحقيقي إليها. كما يبدأ الأرجنتيني ألبرتو مانغويل (Manguel) كتابه الفضول بسؤال مهم هو "ما هو الفضول؟"، ويقدم مؤلفا من 400 صفحة يطرح فيه نقاط استفهاميّة من قبيل "كيف نُفَكّر؟"، "ما الذي نفعله هنا؟"، "ما هي اللغة؟" و"ما هو الحيوان؟". كما طرح الرسام الاسباني سالفادور دالي لأكثر من نصف قرن سؤال "كيف سأخلّد فنّي: بالانحراف أو الجريمة؟" ليقدّم مسيرة حافلة بالآثار الفنيّة التي تثبت أنّ الفنّ هو جنون الأسئلة وغرابة الإجابات.

من كمّ كلّ تلك الأسئلة التي طرحها كل اولئك الفنانين وجدت نفسي أطرح سؤالي الذاتي حول ماهية جسدي كأنثى وحول علاقتي بالعالم ليكون لديّ أسئلة من قبيل: ما هي الحريّة؟ ما هو الجسد الأنثوي؟ ما هي الاباحيّة في الرسم؟ ثم السؤال الأهمّ: كيف وما الذي أرسمه؟

 

حبّ ضد وجيعة الراس7 2017.jpg

نجاة الذهبي، حب ضد وجيعة الرأس 7، 27X35، تقنيات مزدوجة على ورق بِلُطف من الفنّانة نجاة الذهبي
نجاة الذهبي، حب ضد وجيعة الرأس 7، 27X35، تقنيات مزدوجة على ورق
بِلُطف من الفنّانة نجاة الذهبي

 

ك.ر: ما الذي تقصدينه بالجسد الأنثوي وكيف بدأت رحلتك معه؟

ن.ج: إنّه "المادّة" التي تحمل كلّ أسرار العالم الشريرة، هو لا يحمل معنى المحظور أو المتعة في دلالتهما البصريّة العامّة، بل يدرك مفاهيم جماليّة كالقذارة والتحوّل والقبح والشرّ والانتهاك والتحريف، لقد اهتممت لفترة طويلة بالبحث في مواطن تصويرية الجسد الأنثوي تاريخيا والتوصّل إلى إجابات حول ماهية "جسدي" الأنثويّ، فاستعدت عاريات جون دومينيك آنغر (Ingres) وميكال انجيلو (Michelangelo) وديلاكروا (Delacroix) وماتيس (Matisse) وبيكاسو (Picasso) ودالي (Dali) وغيرهم، في محاولة مني لدراسة وتجربة الأدوات والوسائط التصويريّة التشكيليّة والتحقق من تعدّد القراءات الجمالية والنقدية زمنيّا، ثمّ التكيّف أخيرا مع القضايا التشكيلية المختلفة التي تناولت تمة العريّ والإيروس من الفنّ الكلاسيكي إلى الفنّ الحديث والمعاصر. قمت باستخراج نماذج مختلفة لأجساد أنثوية أكاديمية واستدعائها داخل فضاءات متباينة ومركبة وغير متناسقة تنتمي إلى مراجع تشكيلية مختلفة الذي يحفّز التناقض بينهم عبر التقابل والإيحاء والمبالغة.

ك.ر: تقولين إن المرأة تسمية شائبة؟ ماذا تقصدين؟

ن.ج: فعلا "المرأة" هي تسمية / شائبة تغيّر من طبيعة الجسد، وهي أيضا تسمية متعلقة بالمجتمع والفكر والتاريخ، أما الجسد، فهو مادة خام تخوّل للفنان البحث المستمر في الذاتية والفردية وتمكن الجسد من التحوّل إلى موضوع تجربة حقيقي ومجال للتحقيق والتمرين التصويري المستمر. وهذا بالذات ما جعل البحث في ممارستي عن تشكيلات تصوير الجسد الأنثوي الإيروسيّ يحرّف العلاقة الطبيعيّة بالجسد بوصفه مادّة وتجاوز صورة الجسد "المرأة" أو "المرأة" وتقديم تمثّل تصويري متحرّك لمادة و"ثيمة" تصويرية مطلقة وليس لموضوع محسوس زائل.

 

حبّ ضد وجيعة الراس 2017 סססס.jpg

نجاة الذهبي، حبّ ضد وجيعة الرأس، 2017، 27X35، تقنيات مزدوجة على ورق
نجاة الذهبي، حبّ ضد وجيعة الرأس، 2017، 27X35، تقنيات مزدوجة على ورق
بِلُطف من الفنّانة نجاة الذهبي

 

ك.ر: هل الجسد الذي تقدمينه في أعمالك هو الجسد الأنثوي المثالي حسب رأيك؟

ن.ج: لا نقول طبعا، أننا نرغب في تقديم جسدٍ مثالي نتمنى أن نكونه، ولن نكونه، وإنما جسدٌ غريب، مغاير ومتغاير، مدهش في بعض حالاته ومحيّر في بقيته، جسد متقطع من "ذواتنا" ومن غيريّتنا، يحملنا إلى الذاكرة الجمعية حينا ويفصلنا عنها أحيانا أخرى، لا يطال من الواقعية سوى تفاصيلها المثيرة والمغرية ولا يرجو من الانحراف والتحوير سوى الاصطدام بهذه الواقعية، وإحداث صدمة بصرية ومرجعية. هذا يعني أن المساءلة والمحاورة سوف تخضع لرغبتنا في إعادة تنسيق الجسد الأنثوي بالاعتماد على الحذق والدهاء والتنويع والتشويق والخداع البصري والعلاقات الداخلية التي نقترحها بواسطة الأطاريح الشكلانية المقتطعة والمركّبة، والتي تعتمد على الخطاب البصري التاريخيّ والخبرة البصرية والاتكال على ثقافة العين والتمرّن على ثقافة الصورة وما إلى ذلك.

ك.ر: وكأنك تريدين الخروج بالجسد منه كواقعة أي كفضيحة إليه كفعلٍ فاضح لأشياء أعمق، منها الذاتية البشرية. كيف يمكن أن نُخرج الجسد الفضيحة إلى الجسد الفاضح فنيًا؟

ن.ج: لنتفق أوّلا أنّ معنى "فضيحة" نسبيّ، فما أريد فضحه ليس بالضرورة مستترًا. نحن فقط لا نمتلك الجرأة على تسمية الأشياء بأسمائها، فليس هناك من جسد فضيحة أو جسد فاضح، هناك "ما نريد رؤيته وما نخفيه". تكمن الفضائح غالبا في أفكارنا وليس في تمثّلنا الماديّ الفاني، لنرى مثلا لوحة "غداء على العشب" لم تكن الصدمة في المرأة العارية التي ترافق الرجلين المتأنقين خلال نزهة غداء بباريس، وإنّما في كلّ القيم التصويريّة والأخلاقية التي خلخلها إدوارد ماني من خلال لوحته الانطباعيّة. انّ صورة الفضح التي أبتغيها في ممارستي التصويريّة هي إحداث الفوضى، تلك المفارقة التي تحدّث عنها سالفادور دالي "المتعة اللّذيذة الناتجة عن تصرّف همجي"، وفي نفس أو بنفس الأجساد. لنفكّر مثلا بكلّ إناث العالم، لا نسائها أو أمهاتها، فقط الأنثى فيهنّ، باعتبار أنّني بصدد إحداث تلميحات استعاريّة من التاريخ أو من أنفسنا ومن ذاتيّتي.. ولنفكّر مرّة أخرى بكلّ إناث "العالم"... قد أجد حسب كلّ تمشي فوضوي "تراجيديا" الذاتيّة، ذلك المحرّك الجوهريّ لبحثي المطوّل في الإيروس وفي الجسد وفي الأنثويّة/ أنثويّتي.

فالفوضى التصويريّة هي الغاية الأوليّة للصورة التي أنتجها لأنّ العاطفة الإيروسيّة تقوم أساسا على عدم الانضباط.. فكلّ ما يعتريني من أفكار وتصورات حول الجسد الأنثوي يبقى استعاديّا بغاية الاختراق، ولي أن أتساءل حول التشبث الكبير بتقديم الجسد على تلك الصور، صورة لا تشبهه ولا تشبه أحدًا؟ تماما كما يصرّح الرسّام إيغون شيلي عن الأجساد العارية التي يرسمها، فهو لا ينفك يفكر أن أعظم المصورين قد رسموا دائما الجسد الأنثوي أما هو فيرسم الهالة التي تلف الأجساد، لذلك يعتقد أنّ الآثار الفنيّة الإيروسيّة التي أنجزها تتسم بصفات القدّسيّة وهو ما يستوجب أن تعرض في أماكن تشبه القصور.

أمارس العهر التصويري في تحوير الإيروس الأنثوي من مناطقه الآمنة إلى منطقة المحظور الجمالي، وبالتحديد، إلى تلك المنطقة التي يتقابل فيها الشرّير بالخيّر متصارعين والتي يسمّيها دالي "منطقة الفجور المحضة"، حيث تبدو الأجساد الأنثويّة التصويريّة حاملة لجملة من المعاني المتناقضة على الرغم من حركاتها البسيطة، فهي راضخة مستسلمة وهي أيضا الفاتنة الخبيثة، هي بين العفّة والفجر وبين الطهارة والعهر، وعلى ذلك فهي "دميمة" كما يصفها بعض الباحثين، المرأة غير المحتشمة، ذلك أنّ الدمامة هي من سمات الأنثى الجسورة تماما كإناثي اللاّتي أرسمهنّ مرارا وتكرارا، هنّ مثال للمرأة "العاهرة أو البغيّ".

 

 

حبّ ضد وجيعة الراس3 2017 סססססס.jpg

نجاة الذهبي، حبّ ضد وجيعة الرأس 3، 27X35، تقنيات مزدوجة على ورق بِلُطف من الفنّانة نجاة الذهبي
نجاة الذهبي، حبّ ضد وجيعة الرأس 3، 27X35، تقنيات مزدوجة على ورق
بِلُطف من الفنّانة نجاة الذهبي

 

ك.ر: هذا التحريك للعناصر المكونة للجسد ثقافيا وإحراجها بأوضاع غريبة وجديدة ، ألا يجعلك تفقدين الجسد نفسه فيتحول إلى مجرّد جسم أو جسد للتشريح؟ فَعَملية تطهير الجسد من النظرة الآثمة يسقطه في الرهبنة أيضا.

ن.ج: لا يمكن للتصوير أن يكونا متعفّفا، الرسم شرير كما كلّ الفنون. وسأتبنى هنا مقولة كافكا الشهيرة حين يعلن "أنا قذر، قذر بلا حدود لذلك أصرخ كثيرا بشأن الطهارة". بالتأكيد لا أسعى إلى صورة طاهرة للأنثى، على العكس تمامًا، أتمعّن في تحويل الأنثى إلى جسدٍ "نقيّ" تصويريًّا قابل للتحوّل باستمرار، منسلخ من جميع صفاته المميزة، إلاّ من إيروسيّته. إنّه جسدٌ مفتوح على حقل ماديّ مشوّش لكنه مؤطر عبر التصوير وتقنياته، عبر الحفر والخربشة واستنطاق عمق الفضاء وعناصر تركيبه، ليتحول منطق العمل التصويريّ مرتكزًا على تطابقه مع المساحة والمحمل ومدى انغماس الأجساد في تلويناته الجسمانيّة الموجب إخفاؤها خوفًا منها لا عليها، والتي تحمل في معنى ما معنى فلسفيا يُظهر كون الجسد أكثر تعقيدًا مما نتصور، عبر رؤية عضوية لهذه الآلة الإنسانية التي يمكن أن تُرى من الداخل، هذا إلى جانب كون هذا الجسد يخاطب أكثر من مرجعية تصويرية قوامها اللغة الحركية والوحشية كدلالة الصورة في فن الـغرافيتي الذي يُعتبر أسلوبًا للتعبير الشرس والفوضوي، ونمطا للكتابة البدائية وأسلوبا يستحضر الخيال الشعبي والمدني و لكنه، أيضا غريب تماما عن قوانين الجمال المعتادة.

ك.ر: يقول جورج باتاي (Bataille): "الايروسية هي إقرار حقيقة الحياة حتى في الموت"، وهي" نزوع سيكولوجي مستقل عن مجرد الانشغال بالإنجاب وعن تلك الغاية الطبيعية التي تحرك عملية التكاثر". ولكن ألا ترين أن الايروسية لا يمكن أن تتحقق إلا في فضاء تحقق الألم والشر؟ هل يمكن أن نطرد الماركيز دي ساد من الغرفة ونحن نحاول أن نعثر على الجسد الإيروسي؟

ن.ج: إن ميدان الإيروسي هو بالأساس ميدان عنف، ميدان الخرق والانتهاك، فماذا تعني الإيروسية لجسدين غير خرق الكائن في كلا الشريكين؟ خرق يتاخم الموت؟ خرق يتاخم القتل؟ فالتعرّي كما مورس في الحضارات التي أكسبته معنى ممتلئًا، إذا لم يكن صورةً للقتل- فقد كان على الأقل معادلا بلا خطورة لعملية القتل. ففي العصور القديمة كان الخلع (أو الإتلاف) الذي تتأسس عليه الإيروسية محسوسا بدرجة تكفي لتبرير التقارب بين ممارسة الجنس والتضحية بالقرابين، ذلك الاعتقاد بأن الجنسي والمقدس هما من طينة مفهومية واحدة.

ربما ما يستهويني في هذه التجربة هو إثارة قلق المتلقي والعمل على استفزازه، فممارستي تتعارض وتتكاثف أكثر مما تنسجم، وتكوينات أعمالي متناقضة بسبب اتخاذ مرجعيات تزدري "الجمال" وتعالج بفظاظة هجومية جسد الصورة قبل جسد الأنثى. وربما هي القدرة على امتلاك ليونة التحول والتحوير والمحاورة الماكرة أين يمكن للجسد -رغم تفككه- أن يكون صلبا مفاجئا وخشنا/ ناعما في الآن ذاته، رغبة منّي في الحذو بجانب العظماء أمثال المصور بيكاسو الذي كان شيطانا مدمرًا، الملاك المصلح، المبدع الفياض، الفضولي المنطلق، الأهوج، الكبير الصغير الذي ارتبط بدنيا الأطفال، كان يقول "كنت في طفولتي أرسم مثل كبار الرسامين، وانتهيت في شيخوختي بأن أرسم مثل الأطفال".

ك.ر: كيف يمكن استعادة العريّ كحالة جمالية حداثية والتخلص من محمولاتها القديمة في الفن الكلاسيكي؟ كيف يمكن التفريق بين العريين؟ هل يكفي أن يكون واضع العمل أنثى لكي يكسب العري هويته الجديدة ويفقد ذكوريته؟

ن.ج: لا أسعى إلى التخلّص من محمولات الجسد على اعتبار أنني أتعامل معه في طبيعته العارية منذ البداية. وليس هناك من جسدين أو عريين، فجسد الأنثى يتخذ شكلا ترميزيا بالعنوان أو بالإيحاء يجعل منه: نحن والآخر، أو نحن في الآخر، أو "جمعاً" أكثر جذرية يضلل عقل المشاهد عبر إثارته. تماما كتأثير الحواس في العقل في فن الدادائية والبوب-أرت والسريالية. فلو تستطيع الحواس تضليل العقل، فهذا يعني أنها تثيره وتستهويه أولا. إنني أمارس التصوير وفق "قانون" تصويريّ مستمر التغيّر يؤدي إلى جَعل كلّ شيء، بعد تصوير وقول كلّ شيء، يبقى لكَي يُؤَوَّل دون أن يُسَلّـم إليّ المتلقي مفتاح هذا التأويل، تماما كالذي قدمه لنا ديشومب (Duchamp) وبيكاسو وويسلمان (Wesselmann) وبيلمار (Bellmer)، في استعادتهم ومساءلتهم للوحة "مصدر العالم" لكوربيه وفي محاورتهم للجسد الأنثوي. حيث تبقى الصورة دائما قابلة للانفتاح رغم ألم النظر في ذواتنا من خلالها. إلى جانب الرؤية الإيروسيّة التامة التي تتخذها النماذج التصويرية في تقديم العمل والتي تزاوج المساحات التجريدية والأجزاء الجسدية المصورة والأشياء المادية الملموسة المقدمة كجزء من العمل ككلّ.

ك.ر: هل الانتهاك الذي تمارسينه في أعمالك انتهاك موجه للفكر الذكوري المعاصر أم لتاريخ الفن أو قسما منه؟ يتحدث جورج باتاي عن كون الأدب ليس بريئًا وعليه أن يحاكم فهل هذا ينسحب على الفنّ أيضا باعتباره متورطا؟

ن.ج: أوافق باتاي حين يقرّ أنّ الفنّ شرير وحيواني فكلّما كان الفنّان جريئا كلّما كانت ممارسته الفنيّة مفزعة، لقد استعان باتاي نفسه بالرسّام والمصوّر هانس بيلمار لتقديم صور ورسومات لكتابه "حكاية العين" حتى يثبت أنّ الفنّ لا يمكنه أن يكون بريئًا لأنّه إنسانيّ/ جسديّ شرس.

أنساق كثيرًا وراء وحشيّة الفنّ لأعالج مواضيع محظورة وشائكة، وبين كل الصور التي ينتجها الجسد الأنثوي قد يكون "فرجه"، مصدر لهوه وانفعاله، هو الأكثر دقة لأنه الأكثر انغلاقا على ذاتيتنا، وفي نفس الوقت لأنه الأكثر انفتاحا وخلاعة في المرئي والأكثر جرأة ومبالغة في التصوير. وفي هذا الأخير هناك حركة تتحرك بنفسها حسب الانفعال التصويري الذي يخلق الحافز للتجرّؤ المتواصل على حميميتنا وتقديمها بسفورٍ ووضوح مبالغ فيهما، تماما كما قدمها فنانين من أمثال ديشومب وبيكاسو وويسلمان.

 

حبّ ضد وجيعة الراس1 2017 סססס.jpg

نجاة الذهبي, جاة الذهبي، حب ضد وجيعة الرأس 1, 2017,27x35, تقنيات مزدوجة على ورق بِلُطف من الفنّانة نجاة الذهبي
نجاة الذهبي, جاة الذهبي، حب ضد وجيعة الرأس 1, 2017,27x35, تقنيات مزدوجة على ورق
بِلُطف من الفنّانة نجاة الذهبي

 

ك.ر: هل يمكن أن يتمظهر الجسد الأنثوي كامل الايروسية دون حضور للجسد الذكوري؟ ألا ترين أن التغييب الممنهج للجسد الذكوري في أعمالك يدفع بتشكل البياض الذي يعطي حضورًا صارخًا ومتعددًا للجسد الذكوريّ عبر التخييل والاستيهام والفونتازم وأن طرد الجسد الذكوري من اللوحة هو في الحقيقة اعتراف بهيمنته؟ أن نفكر في شخص ما يعني أن ننساه وأن نستفيق فجأة من هذا النسيان فهل يكون هذا هو النسيان العشقي المؤقت للآخر المغيّب؟

ن.ج: المسألة ليست أنني أغيّب الآخر/ الجسد الذكوريّ بل في كوني أؤجلّه، ليس الأمر قصديّا وإنّما لأنني لم أنتهي بعد من التكشّف على كلّ ما يمكن أن يقدّمه لي الجسد الأنثوي في ممارستي للتصوير "في الجسد". كما لا يتعلّق الأمر بماهية الجسد: أنثى أم ذكر؟ يتعلّق الأمر بكلّ ما يقدّمه لنا البحث في طبيعة "الجسد" من إمكانيات تصويريّة. تجربتي ليست مختلفة كثيرا عن الفرنسي بيار سولاج مثلا يبقى أنّه يبحث في "السواد" في حين أنّني أبحث "في الجسد".

أعتقد أنّ كلّ ممارسة تشكيليّة وفنيّة هي مرهونة بالخيال والقدرة على مثاقفة الشخصي والكلي. فأنا أرسم "كائنات" ملوّنة بخطيئة العهر، فبين الجسد والجسد يحدث الاضطراب والفوضى، وتطفو الحيوانية، ففعل التبادل التصويريّ هنا كفعل ممارسة "الغرام" ممكن حد الهوس، ولذّة التصوير شبيهة بتلك اللحظة التي لا يقرّ فيها قرار، اللحظة المستحيلة، تلك التي "يتذوّقها الماجن في أعقاب دسيسة جسورة، وهو يقطع الحبل الذي يشنقه عند لحظة المتعة" على حد عبارة بارت، إنه اعتراف علني بالخطايا، بل هو إصرار على الإثم والمعصية وتصريح بالرغبة والشبقية واللذّة الفكريّة القصوى.

 

حالة وعي-أكريليك على قماش 100صم100صم-2019.jpg

نجاة الذهبي، حالة وعي، 2019، 20X100، إكريليك على قماش بِلُطف من الفنّانة نجاة الذهبي
نجاة الذهبي، حالة وعي، 2019، 20X100، إكريليك على قماش
بِلُطف من الفنّانة نجاة الذهبي

 

ك.ر: هل عملية التجرد من الآخر في اللوحة له علاقة بمساءلة الجنس وفق نظرة جندرية والدفع بالعملية الفنية نحو الاحتفاء بالمثلية أم بحالة توحّد صوفيّ؟

ن.ج: في الحقيقة لا أعتبر ممارستي للتصوير في الجسد هي احتفاء بالمثليّة أو بحالة توحّد صوفيّ، على العكس تماما، ففي تصويري للأجساد لا يمكن التجرّد من الآخر، بل تخاطب اللوحة كلّ الآخرين. يكتسب العمل التصويري جمالية من تطرّفه، كما يكتسب الجسد الأنثوي أنوثته من غيريّته، هذه الغيرية التي ليست سوى براعة الانفتاح على المخفيّ. يرتكز عملي بالأساس على فكرة "الفوضى التصويرية" الناتجة عن تبعثر الكائن الأنثوي داخل التخاطب التاريخي المتكرّر، فلكلّ عنصر تصويريّ دلالة عميقة للإيروس المشبع والتمني اللاّمشبع، تماما كتلك الثمرات الإيروسيّة المتنوّعة التي تحدّث عنها غاستون باشلار (Bachelard) "الرمانة، مثل التفاحة، مثل البرتقالة"، كلّها ثمرات دائرية، فكلّما كان جمال الثمرة دائريًا، كلّما تأكّدت من قواها الأنثوية، وأيّ لذّة مضاعفة، عندما نحلم كل هذه التأمّلات في إطار "النفس" التي تُشْرِكُنا في المعنى باستمرار دون أن تُفقدنا هذا التذبذب وذلك الخفقان بين الحياة والموت، خفقان يمجده الفن ويوحي به العمل.

ك.ر: ألا تعتقدين أن المعارض والمتاحف مثلها مثل المستشفيات والثكنات والسجون فضاءات لاغتيال الأجساد المتحررة؟

ن.ج: أعتقد أنّنا نعيش حاليًا واقعًا أخطر بكثير من هذا التساؤل، فنحن داخل منظومة تكنولوجية ودوائر الكترونيّة استبدلت الفضاءات الواقعيّة بأخرى افتراضيةّ. أصبحت الحرّية مفهوما مغلوطا يُطَبَّقُ وراء الشاشات، وتحوّل الكثير من الجبناء والمنتحلين والفارغين إلى أبطال ومشاهير وفنّانين. فمن خلال كبسة زرّ -وفي ثوان معدودة- أصبحنا قادرين اليوم على عرض ورؤية صور ومعلومات غير محدودة، وذلك دون طرح أسئلة، بلا رغبة ودون أن تــنتبه ذاكرتنا إلى عمليّة تحويل وجهة فضولنا كما وصفه مانغويل "الرغبة في التخيّل والمعرفة"، إلى الفضول بوصفه محفّزا للحمق الجماهريّ والتبعيّة الاستهلاكية العمياء.

ألغت مواقع التواصل الاجتماعيّ الالكترونية أهميّة سؤال "لماذا؟" و"كيف؟" ذلك السؤال الذي يفوق بكثير أهميّة انتظارنا الإجابة. أصبحت الاحتمالات متوفرة بشكل كبير، إلى الحدّ الذي لم نعد نطرح فيه أيّة أسئلة. لم يعد "الفضول" الذي كتب وتساءل حوله مانغويل هو ذاته الذي يحرك أجهزة الآيباد والآيفون ومواقع كاليوتيوب والانستغرام والفيسبوك وغيرها، بل صرنا نتحدّث عن "شيطان الشرّ" الذي تحدّث عنه ديكارت حين تكلّم عن استيعاب الوهم وعدم إدراك الواقع. يبدو فعلا أنّنا إزاء واقع سورياليّ تُستخدم فيه العديد من البدائل في اللغة والذاكرة والصورة، أين جُرِّدتْ الأسئلة من العمق المعرفي وأين ُتُقَدَّم الأجوبة في أطباق جماعيّة موحّدة مثل قنينات الماء الشفافة ذات الماركات وألوان السدادات المختلفة. والفنان اليوم، فهو "أشبه بالوسيط بين العمل الفني والمجتمع" على الرغم من أنّه يستعمل شبكة معرفيّة غير محدودة. تصنع مواقع التواصل الالكترونية كلّ يوم مشاهير وأشكالا فنيّة هجينة إلى الحدّ الذي أصبحنا نعيش حالة دونكيخوتيّة بالمعنى العبثيّ.

ك.ر: يرفع الفن شعارات الحرية والتحرر. لكن كيف يمكن تحرير الجسد فنيا وهو يعرض للبيع كما تعرض الإماء في سوق النخاسة لمن يدفع أكثر؟ لنتحدث عن واقع الفن والتجارة كواقعة.

ن.ج: لا أؤمن بالشعارات ولا يرتبط الفنّ بقوالب جاهزة وعامّة، كما لا أسعى إلى الدفاع عن "الجسد"، أنا ألتزم بأسئلتي الذاتية فقط. أما عن واقع سوق الفنّ فالأمر يتجاوزني بكثير. لقد تغيّرت مقاييس قيمة العمل الفنيّ لأنها أصبحت مرتبطة بماكينة ومؤسّسات تجاريّة منظمة تعمل وراء الفنّان وتروّج له، بدليل ما وصلت إليه القيمة الماديّة الخياليّة للمنحوتات التي ينجزها الأميركي جيف كونز، أو العرض العجيب الذي ألّفه وقدّمه من مدّة البريطاني داميان ايرست بمدينة فينيسيا الإيطاليّة بمساعدة راعيه رجل الأعمال الفرنسي وجامع الأعمال الفنيّة العالمي فرونسوا بينول (Pinault)...

 

 

صورة.png

الفنانة التشكيليّة نجاة الذهبي
الفنانة التشكيليّة نجاة الذهبي

نجاة الذهبي: فنّانة تشكيليّة تونسيّة من مواليد سنة 1978 بمدينة المزونة في محافظة سيدي بوزيد بالوسط الشرقي للبلاد التونسيّة، متحصّلة على الأستاذيّة في الفنون التشكيليّة من معهد الفنون والحرف بصفاقس سنة 2001 وعلى شهادة الدراسات المعمّقة في علوم وتقنيات الفنون سنة 2004 من نفس المعهد. تحصّلت سنة 2017 على شهادة الدكتوراه في علوم التراث ببحث بعنوان«الصورة الإيروسيّة في المنمنمات الاسلاميّة». تعمل أستاذة جامعيّة وباحثة بالمعهد العالي للفنون الجميلة بتونس العاصمة منذ سنة 2011، وأنجزت ثلاثة معارض فرديّة وعديد المعارض المشتركة بتونس والخارج وشاركت بعديد الملتقيات. شاركت بعديد البحوث في ندوات وطنيّة ودوليّة، كما تكتب دوريّا تغطيات لملتقيات فنيّة وحوارات مع فنّانين تونسيّين وعرب وأجانب في جريدة «العرب اللّندنيّة» ومجلّتيْ «التشكيلي العربي» القطريّة و«مدارج» الأردنيّة وموقع «ألترا صوت» وجريدة «الجمهوريّة» بتونس.